بالموازاة مع “حوار وطني” أطلقته السلطة الحاكمة في نواكشوط، قبل أيام، مع أطراف عدة في المعارضة، وهو الحوار الذي من بين ما كان يتطرق إليه قوانين النظام الانتخابي، أعلنت الرئاسة في موريتانيا عن تاريخ 21 يونيو المقبل لإجراء الانتخابات الرئاسية، وهو ما اعتبرته المعارضة إعلانًا “أحادي الجانب” يخدم فقط أجندة النظام، دون أن يأخذ مطالب المعارضة بعين الاعتبار.

ولد عبد العزيز يترشح؟

الرئاسة الموريتانية قررت إذن أن تجري الانتخابات الرئاسية في 21 يونيو، رغم عدم التوصل إلى اتفاق على “إصلاح قواعد الانتخابات” الحالية التي برأي المعارضة ستضمن بقاء الرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز في السلطة، لولاية جديدة، بعد الأولى التي جاء إليها بعد انقلاب عسكري في سنة 2008، أتبعه بانتخابات جرى القيام بمثلها عند كل انقلاب عسكري في أي نظام في الدنيا لاكتساب “شرعية” الصندوق عوضًا عن “شرعية” الدبابة.

مظاهرة سابقة ضد النظام

وعلى الرغم من أن القصر الجمهوري لم يصدر عنه لحد الآن ما يفيد أن عبد العزيز ينوي الترشح، إلا أنه من المرجح جدًّا، برأي المتتبعين للشأن الموريتاني، أن يخوض السباق على رئاسة بلاد شنقيط من جديد؛ وذلك لعدة أسباب، منها أنه يعتبر اليوم حليفًا للغرب في الحرب ضد تنظيم “القاعدة” في منطقة غرب إفريقيا، وعلى “الإرهاب” عمومًا، هذا ما يهم على المستوى الدولي. وإقليميًّا فقد أعلن “الحرب”، في الأيام الأخيرة، على جماعة الإخوان المسلمين في نسختها الموريتانية، بعدما أصدرت حكومته قانونًا يقضي بحل جمعية “المستقبل” المحسوبة على الإخوان المسلمين، وذلك على خلفية تظاهرات حاشدة خرجت قبل أسابيع في نواكشوط العاصمة “نصرة للمصحف الشريف”، كما قال منظموها، وهي التظاهرات التي ذهب ضحيتها شخص.

ظروف مواتية!

يبدو أن “النجاح” الإقليمي، لا سيما فيما يتعلق بحل الجماعة المرتبطة بـ”الإخوان” لقي “دعمًا” من عدد من الدول العربية، التي سارعت إلى تبادل الزيارات الرسمية مع ساسة نواكشوط، مباشرة بعد إعلانها جمعية “المستقبل” تنظيمًا إرهابيًّا وإصدار قانون حلها، ولعل من ضمن تلك الزيارات ما حملت ما يشبه “الهدية” لحُكام شنقيط جزاء لهم على ما فعلوه ضد “الإخوان”؛ حيث أُعلن خلال زيارة رسمية إلى العاصمة الموريتانية نهاية الأسبوع الماضي نجل الملك السعودي ونائب وزر الخارجية الأمير عبد العزيز بن عبد الله بن عبد العزيز، عن منح العربية السعودية مبلغ 30 مليون دولار لبناء كلية جامعية ضخمة للعلوم القانونية والاقتصادية بمقدورها استيعاب أزيد من 50 بالمائة من طلبة نواكشوط.

نجل العاهل السعودي ونائب وزير الخارجية يحل بنواكشوط

وقد كانت نواكشوط احتضنت نهاية شهر يناير الماضي منتدى للاستثمار حضره رجال أعمال خليجيون يتقدمهم وزير المالية السعودي الذي أشرف وقتها على عديد من المشاريع الممولة بالمال السعودي، قبل أن ينتهي “المنتدى” بكم هائل من المشاريع، وهو ما يبدو أنه كان “تحية” حسنة من الخليجيين، وخصوصا السعوديين، فرد عليها الساسة الموريتانيون بـ”أحسن” منها تحية عندما أعلنوا جمعية مرتبطة بـ”الإخوان” المسلمين تنظيمًا إرهابيًّا في وقت تخوض فيه المملكة السعودية حملة على المستوى العربي ضد “الإخوان”.

المعارضة.. أي موقف؟

متظاهرون يطالبون برحيل الحكومة

في ظل هذه “المكاسب” التي حصدها الرئيس الموريتاني إقليميًّا ودوليًّا إذن، يأتي الإعلان الرئاسي عن تنظيم الانتخابات الرئاسية، بينما ما يزال هناك حوار يجري منذ أسابيع بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة، ولم يسفر حتى الإعلان عن تاريخ الانتخابات، عن اتفاق لا على قواعد الانتخابات ولا على موعدها، ما جعل المعارضة تتهم الرئاسة والنظام بأنه “إعلان أحادي الجانب”.

بل إن المعارضة تذهب إلى حد التشكيك في نوايا السلطة بإعلانها هذا الأحادي الجانب، فيما يشبه تلميحًا بأن تكون النتيجة محسومة سلفًا لصالح الرئيس عبد العزيز، وهو ما تجلى في اتهام المعارضة للجنة الانتخابية التي ستشرف على الانتخابات بأنها “تميل إلى الرئيس لأن أعضاءها مقربون منه”.

وإذا كانت عشرة أحزاب معارضة منها حزب تكتل القوى الديمقراطية الرئيسي، بزعامة أحمد ولد دادة، قد قاطعت الانتخابات التشريعية التي جرت في ديسمبر الماضي، واتهمت الحكومة بتزوير الانتخابات التي فاز بها حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم، فإن هناك قراءات لمواقف بعض الأطياف السياسية من أنها قد تكون إشارات أولية لمقاطعة الانتخابات الرئاسية المقبلة؛ في هذا السياق عبّر موسى فال، المدير التنفيذي للمنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة (الذي يضم أحزابًا سياسية معارضة ومركزيات نقابية وهيئات في المجتمع المدني)، عن تحفظه من البيان الرئاسي المعلن عن تاريخ الانتخابات، واعتبر ذلك “يمثل فعليًّا تعليقًا من جانب واحد” للحوار القائم بين المعارضة والأغلبية الموالية للنظام.

متظاهر يطالب الرئيس بالرحيل

“فال”، في تصريحات استقتها منه وكالة رويترز، قال: “إنه لا توجد حتى الآن أي ضمانات واضحة بشأن القواعد الأساسية وشفافية الانتخابات”.

وبين إصرار الحكومة على الذهاب إلى تنظيم الانتخابات الرئاسية في موعدها الذي حددته، وبين إرهاصات أولية في صفوف المعارضة على عدم قبول هذه الأجندة، لا يستبعد بعض المتتبعين أن يعود الحراك الشعبي إلى شوارع بلاد شنقيط خاصة إذا تم توجيه دعوة في هذا الشأن من قِبل جهات “إسلامية” حيث هناك تعاطف كبير للموريتانيين مع الحساسيات الإسلامية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد