يتواصل الحراك الشعبي في الجزائر الذي انطلق منذ 22 فبراير (شباط) الماضي للأسبوع السابع عشر، ومع مرور الوقت ونجاح الحركة الاحتجاجيّة في تحقيق بعض المطالب المهمّة التي انطلقت من أجلها، وأبرزها استقالة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، تحاول السلطة الفعلية ممثّلة في قيادة الجيش إحداث انقسامات داخل الحراك الشعبي من خلال اللعب على وتر التناقضات والمصالح المتضاربة والخلافات السياسية والأيديولوجيّة التي يضمّها الشارع في البروز، والتي قدّ تؤدّي إلى إضعافه أو حتّى إفشاله كلّيًا.

ولعلّ أبرز المداخل التي تحاول السُلطة استغلالها من أجل إحداث استقطاب داخل الحراك الشعبي هي المسألة العرقيّة والجهويّة بين العنصريْن العربي والأمازيغي، إذ لوحظ في الأسابيع الأخيرة انتشار للخطاب التحريضي يلعب على وتر الاختلافات بين السكّان العرب والأمازيغ في مواقع التواصل الاجتماعي، والذي تستغلّه بعض الشخصيات السياسيّة التي تلعب على وتر العنصريّة باعتمادها لهذا الخطاب من أجل حشد الأتباع أو التموقع في الساحة السياسية. وقد حذّر الخطاب الأخير لقائد أركان الجيش الجزائري الفريق أحمد قايد صالح من رفع أعلام غير العلم الجزائري، في إشارة إلى الراية الأمازيغية، واعتبرها «قضية حسّاسة».

ومنذ انطلاق الحراك الشعبي في 22 فبراير الماضي، لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دورًا محوريًّا في نقل أخبار المظاهرات والإضرابات والتواصل بين مختلف الجهات لمعرفة تطوّرات الحراك، حتى إنّ السلطة في بداية الحراك سارعت إلى تعطيل مواقع التواصل من أجل منع انتشار أخبار المظاهرات، لكن ومع استمرار المسيرات، فقد تحوّلت استراتيجيّة السلطة من التضييق على مواقع التواصل الاجتماعي إلى استغلالها لنشر الأفكار العنصرية والتحريضيّة واللعب على وتر الاختلاف بين مختلف المكوّنات الشعبيّة الجزائرية، إذ يلاحظ وجود صفحات وحسابات إلكترونيّة على «فيسبوك» متخصّصة في ضخّ منشورات تحريضيّة وعنصريّة؛ بالإضافة إلى الأخبار الكاذبة (fake news) من أجل إحداث انقسامات داخل الحراك جزائري.

التقرير التالي يستعرض بعض هذه الحساسيات الجهويّة، التي ظهرت على الساحة، وأصبحت محل جدال وفرصة للاستقطاب السياسي بين المتظاهرين.

هل فاتك شيء من القصة؟ دليلك لمعرفة كل تطورات الجزائر من فبراير الماضي وحتى اليوم

الراية الأمازيغية.. موضوع سجال داخل الشارع الجزائري

حذّر قائد أركان الجيش الجزائري قايد صالح من رفع أعلام غير العلم الوطني، في إشارة إلى الراية الأمازيغية، ووصف القضية بالحسّاسة، وهو ما أثار ردود أفعال متباينة، إذ رأى البعض أن هذا الخطاب يُراد به تقسيم الشارع الجزائري واستغلال قضية الراية الأمازيغية من أجل الطعن في بعض عناصر الحراك الشعبي.

ومنذ انطلاق الاحتجاجات الشعبيّة في الجزائر في 22 فبراير، وانتشارها بسرعة البرق في كل القُطر الجزائري بمشاركة جميع الجهات والمناطق؛ ساد فيها جوّ استثنائي من التوحّد خلف مطالب محدّدة متمثّلة في رفض ترشّح بوتفليقة للعهدة الخامسة. هذا الجوّ الوحدوي الذي ساد في الأيام الأولى للحراك يبدو أنّه شهد تراجعًا نسبيًا مع تغيّر المعطيات السياسيّة، بالإضافة إلى عامِل الزمن، إذ إنّ المطلب الرئيسي الذي خرجت من أجله الملايين في البداية (رفض العهدة الخامسة) قد تحقّق، وهو ما فتح الباب لاختلاف الآراء وتنوّع الاستراتيجيّات والرؤى حول مفهوم التغيير الذي ينشده الحراك، وحول مرحلة ما بعد بوتفليقة.

Embed from Getty Images

فبعد أن كانت كلّ طاقة الحراك وغضبه وانتقاداته موجّهة صوب السلطة، أصبحت تتوّجه شيئًا فشيئًا داخل معسكر الحراك نفسه، وقد كانت أبرز القضايا التي استغلّتها بعض الأطراف هي مسألة العصبية الجهويّة بين الأمازيغ والعرب.

صنعت قضيّة رفع الراية الأمازيغية في المسيرات منذ الأسابيع الأولى من الحراك  بعض الجدل الذي ظهر جليًّا في مواقع التواصل الاجتماعي، إذ طالب البعض بعدم استخدامها في مسيرات الحراك الشعبي من أجل الحفاظ على وِحدة المطالب، والاكتفاء برفع العلم الوطني، لكن المدافعين عن هذه الراية يرون أنّها تمثّل البُعد الثقافي الأمازيغي للجزائر، ولا تحمل أيّة أجندة سياسيّة أو مطالب خاصة بها دونًا عن باقي مطالب الحراك الشعبي. وقد لوحظت بعض الحوادث -على محدوديّتها- إذ هاجم بعض المتظاهرين أحد حاملي الراية الأمازيغيّة.

ويعتبر المدافعون عن الراية الأمازيغية أنها إحدى الرموز المعبّرة عن الثقافة الأمازيغية لسكّان شمال أفريقيا. ويرجع تاريخ نشأة الراية إلى «الأكاديمية البربرية» التي تأسست في فرنسا سنة 1966 من طرف أساتذة جامعيين وناشطين سياسيين وصحافيين من منطقة القبائل في الجزائر، ممّن ينتمون إلى «الحركة البربريّة» التي تهدف إلى الحفاظ على الثقافة الأمازيغية.

ولعلّ الموقع الرئيسي الذي أصبح مركزًا لهذه الصراعات الأيديولوجية والأجندات السياسيّة المتضاربة هو منطقة «البريد المركزي» في وسط العاصمة، إذ أصبح هذا الشارع أشبه بـ«حلبة صراع» لمختلف التيارات الفكرية والأيديولوجيّة وحتى القبليّة، التي تحاول البروز والتكتّل وإثبات وجودها وثقلها داخل الحراك الشعبي من خلال رفعها شعاراتها وأعلامها الخاصّة واحتلالها لسلالم البريد المركزي.

فيحاول كلّ تيّار احتلال هذه المساحة المركزيّة في العاصمة وإبراز عضلاته في قدرته على الحشد. وبالإضافة إلى وجود مربّع خاص بالنسويّات؛ تُحضر الراية الأمازيغية بقوّة في أدراج البريد المركزي، كما لوحظ حضور راية قبيلة أولاد نايل العربية التي رأى فيها البعض ردًّا على الراية الأمازيغية.

ورغم الإشارة إلى عدم حصول أيّة مشاحنات أو مواجهات لفظيّة بين حاملي الرايات، إلاّ أنّ بروز هذه «الانتماءات الأوّلية» التي يعرّفها عالم الاجتماع الفرنسي ميشال مافيوزلي بأنّها «القبليّة التي تتميّز بالانكفاء على الذات وعلى الانتماء المباشر في الدائرة المحلية، التي تشمل العائلة، العشيرة، الجيران، الإثنية» قد يَشي ببوادر انقاسامات قد تؤثّر سلبًا على مسار الانتقال الديمقراطي مستقبلاً.

وتعود جذور قضيّة الثقافة الأمازيغية إلى ما قبل الثورة التحريريّة، وبالضبط إلى ما سُمّي بـ«الأزمة البربرية» في «حزب الشعب الجزائري» سنة 1949، حين اعترض بعض مناضلي الحزب على خطاب للزعيم مصالي الحاج الذي اعتبر الجزائر «عربية إسلامية»، وتتطّور بعد الاستقلال كردّ فعل على ممارسات نظام الحزب الواحد الشموليّة.

وكسبت هذه القضية المزيد من الزخم بعد حادثة الربيع الأمازيغي سنة 1981، عندما منعت قوّات الأمن محاضرة للأستاذ الجامعي والناشط في ميدان الثقافة الأمازيغية مولود معمري بعنوان «الشعر الأمازيغي القديم»؛ وهو ما أثار احتجاجات في عدّة مدن وقرى بمنطقة القبائل، كما تعاظم نفوذ الجناح الانفصالي داخل هذا التيار السياسي والثقافي بعد احتجاجات العروش والزحف الشعبي إلى العاصمة سنة 2001، والذي منعته قوّات الأمن بالقوّة ليسقط حينها 126 قتيلاً.

«الباديسية النوفمبرية».. شعار يُستغلّ للترويج للعنصرية

في خضمّ الحراك الشعبي ودخول المؤسّسة العسكرية بقوّة على خطّ الأحداث، بعد اقتراح قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح تطبيق المادة 102، والتي انتهت باستقالة بوتفليقة؛ برز تيّار سياسي محافظ يحمل شعار «الباديسيّة النوفمبريّة» نسبة إلى كلّ من الشيخ ابن باديس مؤسّس جمعية العلماء المسلمين، وثورة نوفمبر التحريريّة؛ ويدعو من جهة للحفاظ على الهويّة العربية الإسلامية للدولة الجزائرية، ويُعرف أيضًا بتأييده للقيادة العسكرية ويرى في السياسات التي تتّخذها كمحاكمات رموز النظام السابق تطهيرًا للبلاد من النفوذ الفرنسي.

Embed from Getty Images

هذا التيّار الذي أصبحت المؤسسة العسكريّة تستند إليه كظهير شعبي لتأييد قراراتها،  يتبنّى خطابًا عدائيًا وتحريضيًّا تجاه خصومه السياسيين، وبالأخص تجاه سكّان منطقة القبائل، كما يستخدم لوصفِهم مصطلح «الزواف» وهو مصطلح تاريخي قديم لإحدى الفرق العسكريّة التي جنّدها الاحتلال الفرنسي بعد احتلاله الجزائر سنة 1830، والتي كانت مكوّنة في بداياتها من سكّان منطقة القبائل، وبالتالي فإن هذا المصطلح يستخدم لوصف سكان المنطقة بالخيانة والعمالة لفرنسا.

وقد حاولت بعض الشخصيات المحسوبة على هذا التيّار تنظيم مظاهرة مؤيّدة للجيش في مدينة الجلفة، وحاولوا رفع شعارات هوّياتية تتحدث عن «عربيّة إسلامية» و«فينيقية» وهاجموا من سمّوهم بـ«الزواف»، لكن هذه المسيرة لم تشهد إقبالاً مُعتبرًا، وجرى طرد بعض رموزها المعروفين بخطابهم العنصري مثل النائبة البرلمانية نعيمة صالحي والإعلامي أسامة وحيد.

تيّار الانفصال.. هل يجري استخدامه لتكسير الحراك؟

أثارت حادثة المحاضرة المرئيّة التي ألقاها فرحات مهني في 28 أبريل (نيسان) الماضي، زعيم ما يسمّى تنظيم «الماك» المُطالب باستقلال منطقة القبائل، في «جامعة تيزي وزو» موجة كبيرة من الجدل، خصوصًا أنّها تأتي في خضمّ الحراك الشعبي، وبالتالي أثارت هذه القضيّة تخوّفات من أن تستغلّ في الدعاية التحريضية ضد المنطقة بأكملها.

زعيم الحركة الانفصاليّة كان قد قام بإلقاء مُحاضرة عبر الفيديو داخل الجامعة بعنوان «الاحتلال الجزائري لمنطقة القبائل» أمام جمع من طلبة الجامعة، وهو ما أثار موجة كبيرة من الجدل داخل مواقع التواصل الاجتماعي، إذ تساءل البعض عن سبب سماح إدارة الجامعة بهذا الحادِثة، أو عن عدم اعتراض الطلبة والأساتذة على استضافة هذه الشخصية التي تنادي بانفصال منطقة القبائل عن الجزائر، كما طالبوا بإقالة كل من رئيس الجامعة والوالي.

وكان عميد الكُليّة قد قلّل من شأن هذه الحادثة واعتبرها «مجرّد محاضرة كغيرها من المحاضرات» وأنّها تندرج في إطار اختلاف الأفكار، كما حذّر من تكرار سيناريو سنة 1980 الدمويّ أو ما يُعرف باسم «الربيع الأمازيغي»، حين منعت السلطات حينها الكاتب والناشط السياسي مولود معمري من إلقاء محاضرة حول الشِعر الأمازيغي القديم، ممّا أشعل موجة من الاحتجاجات الواسعة في تيزي وزو والعاصمة ومناطق أخرى وأدّت إلى سقوط ضحايا.

وقد شكّلت هذه المحاضرة مؤشّرًا على تمدّد التيار الانفصالي في المنطقة واكتسابه قاعدة شعبيّة خصوصًا في فئة الشباب، إذ ينشط هذا التيار داخل أسوار الجامعات من خلال بعض المنظّمات الطلاّبية، ويحاول استغلال الحراك الشعبي الأخير في الجزائر من أجل الظهور والمشاركة في المظاهرات ورفع «علم الانفصال» من أجل الترويج لأطروحاته الانفصالية.

هذه الحادثة التي أتت في سياق سياسي يعاني من حالة استقطاب مُعتبرة في الساحة السياسية، جرى استعمالها في صراع سياسي استغلّته بعض الأطراف من أجل تشويه سكّان المنطقة واعتبارهم «غير وطنيين» واتهامهم بالتعاطف مع التيار الانفصالي الذي ينشط في المنطقة، كما طالب آخرون بإقالة والي تيزي وزو وعميد الكليّة الذي سمح بهذه المحاضرة.

هل يُعادي الأمازيغ في الجزائر الإسلام حقًّا؟

المصادر

تحميل المزيد