يحفل القاموس «السوسيو ـ سياسي» المغربي، بجملة من المصطلحات المحيلة إلى الاختلالات المجالية في البلاد، فيطلق اسم «المغرب النافع» على المناطق المتواجدة بالشمال، التي توفر موارد اقتصادية هامة، وتلقى اهتمامًا خاصًا من قبل الدولة، بينما توصف المناطق الداخلية، التي مصيرها عادة الإقصاء والتهميش، بـ«المغرب غير النافع» أو «المغرب العميق».
وتفصل بين جهات المغرب هوة واسعة على مستوى التنمية، الأمر الذي ينعكس على حياة السكان، حسب المساحات الترابية المتواجدين بها.

أصول التفاوت المجالي بالمغرب

يعود التباين المناطقي في المغرب من حيث التنمية، بحسب مجموعة من الباحثين، إلى مرحلة ما قبل الاستعمار، عندما كان المغرب مقسمًا بين أرضين: بلاد المخزن، وهي المناطق التي يبسط فيها السلطان سلطته السياسية والمالية والدينية كاملة، بواسطة قادته وخدمه، و«بلاد السيبا»، والمناطق المهمشة، التي كانت تدير شؤونها بنفسها بواسطة القبيلة.
واستمر هذا الفصل المجالي إبان مرحلة الاستعمار، حيث أصبح هناك «المغرب النافع»، وهي المناطق الغنية بالثروات الطبيعية والمعدنية، ومن ثمة عمرها المستعمر بالمؤسسات الإدارية والطرق والسكك الحديدية إضافة إلى المباني السكنية، و«المغرب غير النافع»، الذي يحيل إلى المناطق الريفية، المحاربة للمستعمر، والقاحلة من الثروة.
ثم جاءت بعد ذلك مرحلة ما بعد الاستقلال، ليتم تكريس التفاوت المجالي في المغرب بشكل أعمق، لتصبح المناطق الساحلية محل تركيز السلطة، سياسيًا واقتصادية وخدميًا، فيما بقيت تعيش مناطق الداخل تهميشًا مستمرًا، ولاسيما المناطق القروية والجبلية، التي لا يزال بعضها يفتقد لحد الساعة إلى الماء والكهرباء والمستشفى والطرق المعبدة.

مظاهر هذا التفاوت الجهوي

يوضح تقرير المندوبية السامية للتخطيط، المنشور سنة 2015، حجم الفوارق الصارخة بين الجهات الترابية على مستوى التنمية بالمغرب، حيث تورد المؤسسة الرسمية أن جهتين من بين 12 جهة في المغرب، يساهمان وحدهما بـ%48 من الناتج الإجمالي المحلي للبلد بأكمله، ويتعلق الشأن بجهة الدار البيضاء- سطات، وجهة «الرباط، سل، االقنيطرة». في حين لا تتعدى مساهمة خمس جهات مجتمعة %11.1 من الناتج الداخلي الخام.

على صعيد آخر، تستحوذ خمس جهات على %70 من الإنفاق الإجمالي للأسر المغربية، حيث تشكل جهة الدار البيضاء- سطات22.3% من حجم الإنفاق بالمغرب، متبوعة بالرباط، سلا، بـ12.9%، في حين لا تتجاوز جهات أخرى %3 من حجم الإنفاق الكلي للمواطنين المغاربة.
كما يصل متوسط حصة الفرد من الناتج الإجمالي المحلي بجهة الدار البيضاء، سطات إلى 4500 دولار، بينما يقل المتوسط عن ألفي دولار في جهات أخرى.
في السياق نفسه، يلقى المواطنون بالجهات الغنية خدمات أفضل، وفرص شغل أوفر، بالإضافة إلى أنها تحظى باهتمام أكبر من قبل مؤسسات الدولة، في حين تبقى الجهات الأقل حظًا في دائرة التهميش، والإهمال من حيث خدمات الدولة.
ويزداد هذا التفاوت اتساعًا في التنمية بين المدن والقرى، ليصل الأمر في الأرياف إلى الحرمان من الخدمات الأساسية، من صحة وماء وتعبيد طرق.

مناطق محظوظة وأخرى مغضوب عليها

تلعب عدة عوامل في تقرب الدولة لمناطق بعينها دون أخرى في المغرب، فبالإضافة إلى العطاء الاقتصادي، والكثافة الديموغرافية، هناك أيضا الظروف التاريخية السياسية، التي قد تحكم على جهة ما بالإقصاء أو المحاباة.

مدن الصحراء:

قاد النزاع على الصحراء بين المغرب و«جبهة البوليساريو» المطالبة بالانفصال والمدعومة من الجزائر، السلطات المغربية إلى نهج سياسية ريعية تجاه الأقاليم الصحراوية منذ عهد الحسن الثاني إلى اليوم، تقوم على توفير امتيازات استثنائية لتلك المناطق، بغية تثبيت السيادة المغربية عليها ونيل قبول المجتمع الدولي.
وتحظى ساكنة المدن الصحراوية بإعفاءات ضريبية، أثمنة مخففة للحاجات الأساسية، كما تستفيد من نظام المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من الدولة، علاوة على الاستثمارات المتدفقة نحو تلك المناطق.
مثلما تخصص الدولة سنويا جزءا مهما من ميزانية الدولة للتنمية تلك المناطق، وتدعيم البنية التحتية والرفع من مستوى الخدمات العمومية، بشكل يتفوق على مدن الشمال نفسها، فبالأحرى مناطق الداخل.
ويستغل أعيان الصحراء ونخبتها حساسية ملف الصحراء من أجل مراكمة الثروة والحصول على مزيد من عطايا الدولة على حساب مواطني الشمال، لتجد السلطة نفسها في مواجهة «لوبيات» وشبكات ولدت من رحم النظام الريعي الذي صنعته وغذته طوال عقود بنفسها، وهو ما يثير استياء الكثير من باقي مواطني المغرب من السياسية التمييزية التي تنهجها الدولة.

مدينة تازة:

توصف مدينة تازة بأنها مدرجة ضمن المناطق «المغضوب عليها» من قبل النظام السياسي بالمغرب، إذ كانت منصة لمحاولة انقلاب فاشلة سنة 1972، بعدما حاول عسكريون ينحدرون إليها، بينهم القائد «أعبابو» والجنرال «المذبوحوبوكرين».
وبسبب «خطيئة» بعض أبنائها، حكم عليها بالإقصاء والعزلة من طرف سياسات الدولة، فأصبحت من أفقر المناطق بالمغرب من حيث التنمية، ولم تعرف نوعًا من الانفراج إلا خلال العقد الأخير.

MONACO - FEBRUARY 01: Mother wearing cloak and veil leads child dressed in western clothes, Fes, French Morocco (Photo by Franc & Jean Shor/National Geographic/Getty Images)

فيما تعاني مناطق أخرى بالجهة الوسطى والشرقية للمغرب من الإهمال الحكومي، بسبب السياسات غير المتوازنة التي تنهجها الدولة، إذ عادة ما تختصر السياسات التنموية في العاصمة الرباط وما جاورها من مدن.

الجهوية الموسعة كحل

وقد طرحت السلطات المغربية عام 2015 قانون الجهوية الموسعة كطريقة لتجاوز التباينات الواسعة بين جهات المغرب، وبموجب هذه السياسة أعيد تقسيم جهات المغرب إلى 12 جهة بدل 16 جهة، وأصبحت المكاتب الجهوية المنتخبة تحظى بصلاحية سياسية وإدارية أوسع، كما تعزز التحكم بميزانية الجهات والاستفادة من مواردها.
واقترحت اللجنة الاستشارية المسؤولة عن متابعة سياسة الجهوية الموسعة تأسيس صندوق خاص لدعم الجهات الفقيرة من حيث الموارد، بحيث تسهم فيه الجهات الأخرى ذات الناتج المحلي الأوفر.

https://www.youtube.com/watch?v=RKWAEGS1osk

بيد أن تنزيل هذا النمط الجديد من الحكم المحلي يواجه عدة إشكالات على أرض الواقع، تتمثل، كما يقول الباحث «عبد اللطيف الفكاك»، في صعوبة الانتقال من المركزية إلى اللامركزية، في ظل غياب آليات واضحة تدير شؤون الجهات على نحو أفقي، وغياب النخب القادرة على مسايرة الحكم التشاركي، الذي يمثل صلب الجهوية الموسعة.
وتتسبب التباينات الجهوية بالمغرب على مستوى التنمية، في تكثيف الهجرات من القرى والمناطق المهمشة نحو المدن، مما يزيد الضغط السكاني للمدن الكبرى، فتتحول هي الأخرى بدورها إلى منطقة تغوص في تناقضات اجتماعية واقتصادية، تفرز ظواهر اللامساواة والإقصاء وأحزمة الفقر.

عرض التعليقات
تحميل المزيد