أعتقد أنني لم أستغل سوى 10% من طاقتي في الكتابة؛ فقد ذهبت الـ 90% المتبقية للحفاظ على بقاء رأسي فوق الماء. الكاتبة الأمريكية كاثرين آن بورتر

يؤكد البعض من المبدعين أنهم يحتاجون إلى قدر من الاضطراب والارتباك؛ حتى يستطيعوا إخراج أفضل الأعمال، وهو ما يؤكده تاريخ العلاقة المتشابكة بين الإبداع والمرض العقلي، والتي بذل الكثير من علماء النفس جهودهم لفهمها ومعرفة أبعادها بدقة.

يشهد على هذا الترابط الكثير من السير الذاتية للمبدعين باختلاف مجالاتهم، من الكتابة إلى الفن إلى الموسيقى، التي يروون فيها وطأة أوقات عانوا فيها من أعراض الأمراض النفسية المختلفة وفي مقدمتها الاكتئاب بأنواعه، وفي بعض الأحيان تكون العواقب غير مأمونة، فينتحر بعضهم نتيجة عدم قدرتهم على استيعاب مرضهم النفسي. وحتى نرى الصورة بوضوح سنبحث في هذا التقرير عما يصل بين الاكتئاب والإبداع.

كيف يتحول الإبداع إلى محفز للاكتئاب؟

يميل الكثير من علماء النفس والأطباء النفسيين إلى الاتفاق على أن الاكتئاب الشديد، يزداد انتشاره بين الأشخاص الذين يميلون إلى الاندماج في التفكير لفترات طويلة، وهو ما يرتبط بشكل وثيق بطبيعة عمل المبدعين، فهم يعملون طوال الوقت على ربط التفاصيل الصغيرة ببعضها البعض، والتفكير فيما وراء الأحداث من جوانب إنسانية.

وتعد تجارب الألم والمعاناة من التجارب الثرية لتوليد الإبداع، وهو ما يجعل المبدع لديه رغبة في معايشة الأحداث المجهدة، والتفكير وراءها واستخراج جوانب غير متوقعة منها، لا يراها من حوله. فهو على عكسهم لا يرضى بالإجابات التي يخبره بها الأشخاص الموجودون في السلطة باختلاف مواقعهم، فيعيش على أثر ذلك في عالم أكثر تقلبًا، يضطر معه إلى مواجهة النقد أو الرفض المجتمعي بسبب إجاباته غير النمطية، وهنا تبدأ معاناته مع مشاعر الاكتئاب أو الاغتراب الاجتماعي.

Embed from Getty Images

الممثل الأمريكي الراحل روبن ويليامز

من جانب آخر فأن الإكثار في التفكير، وهو أساس العملية الإبداعية يمكن أن يؤدي بالمبدع إلى نوبات من الهوس والشعور باليأس، ومن المعروف أن من يعانون من نوبات الهوس يمتلكون في العادة طاقة من الإبداع غير عادية، وسرعة بديهة لافتة للأنظار، لكن على الجانب الآخر المظلم فأنهم يعانون اكتئابًا قويًا؛ نتيجة ما يُوصف بإحراقهم أنفسهم أثناء دورة التوهج والخمول، التي تكتمل خلال فترات زمنية متباينة تختلف من شخص لآخر، ومن الشخصيات المعروفة بأنها مرت بهذا النوع من الاضطرابات النفسية، الممثل الأمريكي الراحل روبن ويليامز، والممثل الأمريكي روبرت دي نيرو.

هذه الصلة بين الإبداع والاضطراب النفسي يمكن أن تجعل عناء المبدعين جزءًا من هويتهم، وتجعلهم يفكرون عندما تعرض عليهم حلولًا للتحسن، أن يتساءلوا عن وضعهم الجديد دون مشكلات نفسية، وهل سيقدرون معه على الإبداع بنفس الدرجة أم لا، وقد تفوق رغبة المبدع في أن يكون عميقًا ومؤثرًا في مجال ما، رغبته في الحصول على مساعدة؛ ما يؤدي في النهاية إلى تدهور صحته العقلية. يؤكد ذلك الرسام النرويجي الشهير إدفارت مونك صاحب لوحة الصرخة بقوله: «خوفي من الحياة ومرضي ضروريان بالنسبة لي، فهما لا يمكن تمييزهما عني، وتدميرهما سيدمران فني».

«شعرت أنني مدمن».. هل تحقّق مضادات الاكتئاب الغرض منها أم تسبب الإدمان؟

أنت مبدع؟ إذًا أنت معرض للإصابة بالاكتئاب

مبدئيًا هناك تحدّ متكرر يواجه الباحثين الذين يسعون لدراسة العلاقة بين الإبداع والاكتئاب، يتعلق بفهم مصطلح الإبداع نفسه؛ فهذا المصطلح حديث نسبيًا لأنه حتى أوائل القرن العشرين كان المصطلح المستخدم هو العبقرية، وعلى سبيل المثال كان عنوان الدراسة التاريخية التي أجراها عالم النفس لويس ماديسون تيرمان المتعلقة بتتبع مستقبل مجموعة من الأطفال الموهوبين هو «الدراسات الوراثية للعباقرة»، وفيها عرف العبقرية بأنها تعبر عن إحراز درجات عالية في اختبار الذكاء الذي طوره.

تتمثل أهمية الوصول للتعريف الأفضل للإبداع في تحديد عينة دقيقة للدراسة العلمية، وبين أكثر من 60 تعريف للإبداع في علم النفس والأدب لن نجد بينها تعريفين متشابهين، فمثلًا عالم النفس هوارد غاردنر لا يوافق على الصورة النمطية الشائعة التي تجعل الإبداع مكافئًا للعمل في الفنون، ويسعى لإثبات أن الأشخاص في مجالات أخرى، مثل الهندسة أو البيولوجيا قد يكونوا مبدعين بشكل فائق أيضًا.

Embed from Getty Images

رسمة لتمثال الفيلسوف أرسطو

وبشكل عام تعود فكرة الربط بين الإبداع والاضطراب النفسي إلى العصور القديمة، فالفيلسوف الشهير أرسطو أكد بأنه لم يجد أحدًا من العباقرة ليس به مس من الجنون، وبعد مرور عدة قرون توسع هذا الاعتقاد من جانب أطباء نفسيين منهم الإيطالي تشيزري لومبروزو، الذي رأى في نهاية القرن التاسع عشر بأن العبقرية مرتبطة بشكل وثيق بالاضطرابات العصبية التنكسية.

بعد مرور أكثر من 100 عام؛ أجرى فريق بحثي تابع «معهد كارولينسكا الطبي» السويدي عام 2011، دراسة توصلوا فيها إلى أن الأمراض العقلية وتحديدًا الاضطراب ثنائي القطب، ينتشر بشكل أكثر عند الأشخاص الذين يعملون في المهن الفنية أو العلمية، مثل الراقصين والباحثين والمصورين والمؤلفين، وتحديدًا كان المؤلفون الفئة التي تصدرت نتائج الدراسة باحتمالية تعرضهم بشكل أكبر للاكتئاب والفصام والقلق، وكانوا أكثر عرضة بنسبة 50% للانتحار من عامة السكان، تؤكد هذه النسبة إحصائية أجراها «مكتب الإحصاءات الوطنية» في إنجلترا بين عامي 2011 و2015، توصلت إلى أن الأشخاص الذين يعملون في وظائف متعلقة بالفنون كانوا أكثر عرضة للانتحار بأربعة أضعاف.

لاحظ الباحثون بالإضافة إلى ذلك أن المهن الإبداعية؛ كانت أكثر شيوعًا بين أقارب المرضى الذين يعانون من الاضطراب ثنائي القطب وانفصام الشخصية، ووفقًا لسيمون كياغا استشاري الطب النفسي بـ«معهد كارولينسكا» فإن هذه النتائج تدعو لإعادة النظر في المناهج العلمية لدراسة المرض العقلي.

عالمة النفس السريري كاي ريدفيلد جاميسون

ووفقًا لعالمة النفس السريري بـ«جامعة جونز هوبكنز» الأمريكية، كاي ريدفيلد جاميسون؛ فإن الأشخاص الذين يعانون من الاضطراب ثنائي القطب، غالبًا ما يكون لديهم زيادة في نسبة الإبداع عن غيرهم، ولا يعد ذلك افتراضًا على الورق فقط، فالفحص الطبي يظهر أن الفص الجبهي لأدمغتهم يظهر فيه نشاطًا زائدًا ملحوظًا. وبحسب تفسير الطبيب النفسي الهندي فيكرام باتيل فإن التفاعلات الدماغية المسئولة عن الإبداع، هي نفسها التي تقف وراء الاضطراب النفسي، ولذلك فإن الإبداع قد يزيد من مخاطر الإصابة بمرض نفسي.

مبدعون عاشوا الاكتئاب

عندما نتجه للبحث عن وجود الاكتئاب في سير المبدعين، سنجد العديد من الأمثلة الواضحة على الارتباط بين الإبداع واضطرابات المزاج، وبالأخص الاضطراب ثنائي القطب، في المقدمة يظهر الرسام الهولندي الشهير فينسنت فان جوخ الذي عانى خلال معظم فترات حياته القصيرة من الاكتئاب الذهاني، قبل أن يتوفى منتحرًا في سن السابعة والثلاثين، ورغم ذلك فإنه قد رسم الكثير من اللوحات الفنية البديعة التي ما زال يُضرب بها المثل في الجمال حتى اليوم.

حالة أخرى مشابهة لجوخ، هي الشاعرة الأمريكية سيلفيا بلاث التي انتحرت في سن الواحدة والثلاثين، بعدما عانت لفترات طويلة من اضطرابات مزاجية شديدة، ورغم أنها في الفترة الزمنية التي انتحرت خلالها كانت تعاني من الاكتئاب، إلا أنها كانت تكتب الشعر بشكل مكثف في ساعة متأخرة من الليل وتستيقظ في الصباح الباكر، وتأرجحت في نوبات الهوس بين حالتي البهجة واليأس، التي لم تستطع تحملها فأنهت حياتها بيديها.

يسرد لنا الروائي السعودي عبده خال تجربة مع الاكتئاب، الذي يؤكد أنه من المتوقع أن يمر الكُتاب به عندما يعملون لمدة طويلة على إنجاز أعمالهم، فقد عانى صحيًا أثناء كتابته رواية «ترمي بشرر»، وبعدما خضع للعديد من الفحوصات الطبية لم يظهر إصابته بأي مرض، وحينها وجهه الأطباء للفحص النفسي وبعد خضوعه لعدة جلسات، أخبره الطبيب أن هناك شخصيات مركبة تتلبسه مشابهة لشخصيات الرواية التي يكتبها.

لم يكن خال الأديب العربي الوحيد الذي عانى من الاكتئاب؛ فهناك الأديب المصري محمود دياب الذي قدم للمسرح مسرحية البيت القديم عام 1963، والتي حاز عنها على جائزة «المجمع اللغوي المصري» وعُرضت في مصر والسودان والعراق وسوريا، وكانت من محفزات الاكتئاب لدى دياب طبيعته غير القابلة للتنازل والتفريط في معتقداته وقناعاته؛ وعلى الناحية الأخرى عيشه في مناخ يخالف فكره، فلم يكن أمامه من حلول سوى الهروب إلى العزلة، التي تلاها تشككه في جميع من يعرفهم واتهامه إياهم عندما يلتقيهم باتهامات من وحي خياله، إلى جانب روايته للكوابيس على أنها أحداث حقيقية، وفي سنواته الأخيرة كان يظهر في الشارع بمظهر ينافي الأناقة التي عُهدت عليه، رافضًا الحديث مع الأشخاص الذين يعرفونه عندما يلتقيهم.

الشاعر المصري صلاح جاهين – مصدر الصورة: صحيفة الجريدة الكويتية

هناك أيضًا نموذج لا يمكن تفويت الحديث عنه، هو الشاعر والرسام المصري صلاح جاهين، الذي شُخص مرضيًا بالاضطراب ثنائي القطب، وزادت بعض الأحداث التاريخية الحزينة من حدة مرضه مثل نكسة عام 1967، وما تلاها من أحداث حتى وفاة الرئيس المصري جمال عبدالناصر.

ورغم أن الشاعر المصري فرانسوا باسيلي الذي وثق حياة جاهين وصفه قائلًا: «إنه كان الأكثر نشاطًا ومرحًا وحضورًا، وكان صوت مصر وصوت الجماعة في الواقع وفي الحلم معًا»، إلا أنه على الناحية الأخرى كانت تنتاب جاهين فترات من الاكتئاب على مدار حياته، وفي آخر أيامه عاد من رحلة علاجية في إحدى الدول الأوروبية إلى منزله بالقاهرة، وعندما وقف أمام المرآة قال للفنان الشاب الذي كان بجواره آنذاك وهو الممثل المصري شريف منير: «أنا فقدت روح الدعابة والفكاهة»، وفي اليوم التالي ذهب إلى المستشفى التي ظل بها خمسة أيام حتى توفي يوم 21 أبريل (نيسان) عام 1986.

كيف يؤثر الاكتئاب على شكل عقلك؟ حقائق قد تغير تصورك عن المكتئبين

المصادر

تحميل المزيد