«رب ضرة نافعة»، أو هكذا يرى البعض؛ في التقارب الأخير الذي حصل بين المغرب والجزائر؛ بسبب تزايد تهديدات «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش)، الذي يُمثّل خطرًا مشتركًا، قد يعيد للعلاقات المغربية الجزائرية بعض الدفء المفتقد منذ زمن طويل.

ولطالما كانت العلاقة بين المغرب والجزائر مجمدة؛ على خلفية مشكلات تاريخية وسياسية لم تزل عالقة بين البلدين منذ عقود، مرتبطة بالترسيم الحدودي، وقضية الصحراء، ودعم جبهة «البوليساريو» الانفصالية، الأسباب التي أدت إلى إغلاق الحدود منذ أكثر من 22 سنة.

علامات تقارب

كان يوم 17 يوليو (تموز) 2016 حدثًا نادرًا في تاريخ العلاقات المغربية الجزائرية؛ إذ حصل لقاء بين مسؤولين رفيعي المستوى من البلدين، في مبادرة هي الأولى من نوعها بعد توتر سياسي منذ عشرات السنين، رأى فيه البعض تحولًا نوعيًا في العلاقات بين المغرب والجزائر.

والتقى في اللقاء الوزير المنتدب للخارجية المغربية، «ناصر بوريطة»، رئيس الوزراء الجزائري، «عبد المالك سلال»، حيث بحث الطرفان ملفات متعلقة الأمنية، تناول فيها الطرفان، كما جاء في بيان الجمهورية الجزائرية، «العلاقات الثنائية بين البلدين، ووجهات النظر حول التحديات التي تواجهها إفريقيا والعالم العربي، ولاسيما منها مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وإشكاليات الهجرة».

وسلم الوزير المنتدب المغربي للخارجية المغربية المسؤولين الجزائريين رسالة ملكية مبعوثة للرئيس «عبد العزيز بوتفليقة»، يدعوه فيها الملك «محمد السادس» إلى تنحية الخلافات جانبًا وبدء مسيرة تعاون جديدة بين البلدين، قائلًا:«إننا في ظرفية سياسية واقتصادية وأمنية جد صعبة على المستوى الإقليمي والدولي تتطلب التعاون».

توازيًا مع ذلك، التقى «ياسين المنصوري»، مدير الاستخبارات المغربية (إدارة الدراسات والمستندات)، نظيره «عثمان طرطاق»، رئيس الأجهزة الاستخبارية التابعة للجزائر، بالعاصمة الجزائر، ولم يكشف عن ما جرى بينهما في اللقاء، لكن تقارير إعلامية متواترة تؤكد أن ملف «الإرهاب» كان الموضوع الأساسي للاجتماع.

واعتبرت وسائل الإعلام المغربية والجزائرية هذا اللقاء النادر في تاريخ الخصومة بين البلدين، تقاربًا في العلاقات فرضته تحديات الواقع، الممثلة في تزايد التهديدات الأمنية بالمنطقة.

أمريكا تدفع نحو التقارب

ما كان ليتم هذا التقارب، الذي بدأت معالمه تظهر، بين المغرب والجزائر، بدون الضغوط الأمريكية التي تحث البلدين على عدم ترك الخلافة السياسية بأن تصبح عائقًا أمام التعاون الأمني لمواجهة الأخطار الجهادية المتربصة بالمنطقة.

وتولي الإدارة الأمريكية اهتمامًا متزايدًا لمنطقة شمال إفريقيا؛ في ظل سقوط ليبيا في مستنقع الفشل، وتزايد التهديدات الجهادية بالمنطقة، علاوة على خطر تمدد «تنظيم الدولة» بشمال إفريقيا. ومن ثمة ترسل مسؤوليها إلى المنطقة بين الفينة، والأخرى لبحث مسائل الأمن مع الحكومات المحلية، بكل من المغرب والجزائر وتونس.

وكانت الاستخبارات الأمريكية قد نظمت، قبل شهر من الآن، دورة تدريبية في العاصمة الجزائر، حضرتها الوفود الأمنية للبلدان المغاربية، حول تقنيات الأمن ومراقبة الحدود، قدمها خبراء أمنيون أمريكيون.

وطالبت الولايات المتحدة الأمريكية، خلال الدورة، مسؤولي كل من المغرب والجزائر بتحييد الخلافات السياسية بينهما، عندما يتعلق الأمر بالأمن الاستخباراتي، وزيادة مستوى التنسيق والتعاون الأمني مع المغرب، كما عبر المسؤولون الأمريكيون عن تخوفهم من أن يقوض الخلاف السياسي الموجود بين البلدين المغاربيين جهود مكافحة الإرهاب، الفجوة التي قد تستغلها التنظيمات المتطرفة في استكمال توغلها بالمنطقة.

وتخشى الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي من انهيار قادم بالمنطقة المغاربية، في ظل تقارير تحذر من أن يسبب تفاقم المشاكل السياسية بالمنطقة، وتعثر المسار الديموقراطي وشدة الأزمة الاقتصادية، في اندلاع فوضى عارمة بشمال إفريقيا، قد ينتج عنها جيوش من الجهاديين، وهجرات جماعية هائلة نحو أوروبا.

تقارب مبالغ فيه؟

بالرغم من ظهور بوادر أولى لتقارب مغربي جزائري، إلا أن الأمر لا يعني طي صفحة الماضي بين البلدين، وبدء مسيرة جديدة من الانفتاح؛ إذ لا تزال المشكلات، التي تسببت في قطيعة امتدت لعقود، هي نفسها قائمة حتى الساعة، ولم يتم حلها.

ولاسيما أن هذه الخلافات السياسية التاريخية بين المغرب والجزائر قد عمرت طويلًا، حتى أصبحت جزءًا من العقيدة السياسية لنظامي البلدين، بحيث صارت مسألة وجودية يصعب تجاوزها.

في هذا السياق، ويقول الخبير في شؤون الصحراء، «عبد الفتاح الفاتحي» في حديث له لـموقع «الأيام 24»، إنه «لا يمكن أن يحصل أي تغيير جذري في الموقف الجزائري بخصوص دعمه للبوليساريو في غياب عوامل جذرية»، مضيفًا أن الجزائر باتت ترى في قضية الصحراء عقيدة عسكرية بل رهان جيو- استراتيجي ضروري لتزعم إفريقيا.

من جهة أخرى، يتسبب التنافس الدبلوماسي وصراع الزعامة وسباق التسلح غير المعلن في تقويض أية محاولات لتقريب وجهات النظر بين المغرب والجزائر، كما أن السياسات الموازية التي يتبناها النظامان تزيد الهوة بينهما، حيث تتبع الجزائر الحلف الروسي الإيراني، بينما يقف المغرب في صف الحلف السعودي الأمريكي.

وعليه فإن تصور هذه اللقاءات المغربية الجزائرية كبداية لتقارب شامل بين البلدين، يبدو مبالغًا فيه، ولا يمكن أن يتجاوز التعاون بين الطرفين الجانب الأمني في حدوده الضيقة.

تحتاج العلاقات المغربية الجزائرية لتصبح طبيعية، حل المسائل الشائكة التي لا تزال عالقة بين البلدين، وهي ممثلة خصوصًا في قضية الصحراء، ودعم البوليساريو، لكن قبل ذلك ينبغي تجاوز المعيقات النفسية لدى النظامين، الناجمة عن العداوات التاريخية الماضية.

مُسلحو المغرب والجزائر يتعاونون

بالمقابل، لا يجد مُسلحو المنطقة المغاربية إشكالًا في الاتحاد فيما بينهم؛ إذ يوحدهم الفكر «السلفي الجهادي»، الذي لا يعترف بمفهوم الدولة الحديثة، ومن ثمة لا تعني الحدود شيئًا بالنسبة لأنصار هذا الفكر، ما يقود إلى ظهور جماعات مسلحة جهادية بشمال إفريقيا، مثل تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، تضم أعضاء من جنسيات مختلفة من البلدان المغاربية.

ويشكل التنسيق الحاصل بين جهاديي المغرب العربي حملًا ثقيلًا بالنسبة للسلطات الأمنية للدول المغاربية؛ إذ يزيد تعقيد مهمة تتبع تحركاتهم والكشف عن شبكاتهم، ما يوفر للخلايا الجهادية طريقة فعالة للاختباء، وتبادل المعلومات والسلاح والأموال، بعيدًا عن أعين القوات الأمنية، في ظل غياب التنسيق الأمني بين الدول المغاربية.

وتتقاطع شبكات الإجرام والمخدرات مع الجماعات الجهادية في كثير من صفقات المصالح الجارية فيما بينهم، كما تؤكد تقارير أممية، الأمر الذي يحتم على الدول المغاربية تجاوز خلافاتها السياسية، والعمل على التنسيق بين سلطاتها الأمنية؛ لتسهيل مكافحة التطرف والجريمة المنظمة بالمنطقة المغاربية.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد