تمر العلاقات المغربية الموريتانية خلال هذه الأيام بمنعرجٍ يبدو خطيرًا، ووصل الأمر إلى تحريك البلدين آلياتهما العسكرية، قرب المناطق الحدودية، فيما بدا وكأنه استنفار حربي، على خلفية مشاكل سياسية سابقة، أججتها بعض الحوادث الحدودية.

استنفار عسكري بالمناطق الحدودية بين المغرب وموريتانيا

مع بداية الأسبوع الجاري، قام المغرب بعملية عسكرية تمشيطية، بمنطقة «قندهار» الحدودية الحساسة مع موريتانيا، مستعملًا في ذلك الآليات العسكرية وسلاح الجو، بهدف «الحد من أنشطة التهريب والتبادل التجاري غير المشروع»، بحسب ما أعلنته الرباط في بيان لها، في محاولة لكسر الغموض الذي يكتنف العملية الأمنية، ولا سيما أنها تجري في مساحة متنازع عليها بين المغرب، وموريتانيا.

ويبدو أن الخطوة الأمنية، التي أقدم عليها المغرب، جاءت كرد فعل على توغل قوات عسكرية تابعة للجيش الموريتاني، الأسبوع الماضي، داخل منطقة لكويرة، ورفعها العلم الموريتاني بالمدينة، في خطوة مستفزة للمغرب.

 

وتزامنًا مع العمليات العسكرية التي يقوم بها المغرب، بالخطوط الحدودية مع موريتانيا، كشفت جريدة «المساء» المغربية، نقلًا عن مصادر مطلعة، إقدام الرئيس الموريتاني، محمد ولد عبد العزيز، على اتخاذ قرار نقل سلاح المدفعية والصواريخ إلى شمال البلاد، بمنطقة «الشامي»، الواقعة بين العاصمة نواكشوط، ونواذيبو. كما منعت السلطات الموريتانية، بالموازاة مع ذلك، القنصل المغربي من دخول منطقة الكويرة.

ومقابل ذلك، تذكر تقارير إعلامية متواترة أنه يجري حشد مئات الجنود والآليات العسكرية، قرابة الخطوط الحدودية بمنطقة «الكويرة»، ردًّا على تحركات مريبة للجيش الموريتاني على الحدود مع المغرب.

وفيما يذهب بعض المراقبين إلى أن العمليات العسكرية، من قبل الجيشين المغربي والموريتاني، بمنطقة «الكويرة» الحدودية، مجرد تحركات أمنية روتينية، يرى آخرون أن هذه التحركات، تعكس مدى التوتر السياسي والحدودي بين الرباط، ونواكشوط. خصوصًا في ظل الصمت الرسمي للبلدين، والتعتيم المتعمد حول حقيقة ما يجري على الأرض.

من جانبها، بعثت البوليساريو، من خلال أمينها العام إبراهيم غالي، رسالة إلى الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة بان كي مون، يصف التحرك المغربي في «قندهار» ببلدة الكويرة، التي تعتبرها إحدى المناطق «المحررة»، بأنه: «غير قانوني ويخرق اتفاقية الهدنة».

واقتصرت المناوشات بين القوتين الحدوديتين على «التراشق»، عبر مصابيح الأضواء، والحشد المتبادل للقوات العسكرية على أطراف الحدود، ويخشى أنه إذا ما وقعت خطوة غير محسوبة، من أحد الطرفين، وسط الأجواء المشحونة بالتوتر، في المنطقة الحدودية، أن يتطور الأمر إلى أكثر من ذلك.

توتر سياسي خلف التحركات العسكرية

وتشهد العلاقات الدبلوماسية بين الرباط ونواكشوط، خلال الفترة الأخيرة، توترًا غير مسبوق، ولا سيما بعد امتناع المغرب عن تسجيل حضوره الرسمي، في القمة العربية الأخيرة، المنعقدة في 25 يوليو (تموز) الماضي، التي احتضنتها نواكشوط، حيث اتهمته الأخيرة بمحاولة التأثير على حضور بعض الزعماء العرب للقمة، وقامت بترويج ملصقات لخريطة البلدان العربية، تظهر فيها المغرب دون الصحراء.

وتفاقمت الأزمة السياسية بين الرباط ونواكشوط منذ استقبال الرئيس الموريتاني، محمد ولد عبد العزيز، عددًا من قادة جبهة البوليساريو، في قصره الرئاسي، قبل أسابيع، مثلما أعلنت موريتانيا الحداد ثلاثة أيام، عندما توفي الزعيم السابق للبوليساريو، محمد عبد العزيز، نهاية شهر مايو (أيار) الماضي، الأمر الذي اعتبره المغرب انحيازًا ضد قضيته الوطنية، المتعلقة بالصحراء.

وتأتي التحركات العسكرية الأخيرة، قرب المناطق الحدودية، لتزيد العلاقات السياسية بين الرباط ونواكشوط سوءًا، بعد توغل الجيش الموريتاني، داخل منطقة «الكويرة»، التي يعتبرها المغرب «جزءًا لا يتجزأ من أرضه»، وإقدامه على رفع علم موريتانيا بها. الأمر الذي يدفع بالعلاقات الدبلوماسية بين البلدين نحو التصعيد.

هذا وتوترت العلاقة بين المغرب وموريتانيا، منذ وصول الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز إلى السلطة، عام 2008 بانقلاب عسكري، حيث طردت موريتانيا، في أول بادرة لها ضد المغرب، مراسل وكالة الأنباء الرسمية المغربية، معتبرة إياه «عميلًا» للمخابرات المغربية. كما قللا منذئذ حضورهما الدبلوماسي بالسفارتين.

الكويرة محل نزاع بين المغرب وموريتانيا

تعد بلدة الكويرة جزءًا من منطقة الصحراء، المتنازع عليها بين المغرب والبوليساريو منذ عقود، واحتفظت موريتانيا بإدارتها بعد انسحابها من الصحراء الجنوبية، عام 1979، وبقيت الكويرة ضمن الأراضي التي لم تفوتها موريتانيا إلى المغرب.

 

وظلت منطقة الكويرة منذ تلك الفترة محل خلاف بين الرباط ونواكشوط، حيث ترفض موريتانيا تسليمها للمغرب، بالرغم من تخليها عن منطقة وادي الذهب التي تضم الكويرة، بعدما أعلنت خروجها نهائيًّا من الصراع حول الصحراء.

فيما تصر موريتانيا على الاحتفاظ بمنطقة الكويرة، لقربها الجغرافي من العاصمة نواكشوط، كما عززت وجودها العسكري بالخطوط الحدودية هناك، وهو ما أثار حفيظة المغرب، الذي يطمح إلى استعادتها بالطرق الدبلوماسية والتفاوض.

ويبقى الإرث التاريخي العالق، بين موريتانيا والمغرب، المولد الرئيس للخلاف الحدودي، حيث ترى نواكشوط أن المغرب ما يزال يرى أرضها كامتداد حيوي لمجاله، خاصةً وأنه لم يعترف بنشأتها، كدولة مستقلة حتى سنة 1969.

وتعتبر صحيفة «التايمز الجزائرية» أنه من سوء حظ موريتانيا أن وقعت ضحية صراع، بين قوتين إقليميتين متنافستين حول الحدود، «إذ تشكل عمقًا إستراتيجيًّا للجزائر والمغرب»، الشيء الذي يبقيها دائمًا تحت وصاية أحد الطرفين.

من جهة أخرى، يرى خالد الشكراوي، الأستاذ الجامعي المتخصص في الشؤون الأفريقية، أنه ليس من مصلحة المغرب تأجيج التوتر مع موريتانيا، لقطع الطريق أمام الجيران في الشرق والجنوب، الذين قد يحاولون الاستفادة من الأزمة.

ويخشى العديد من المراقبين انزلاق الوضع بمنطقة الصحراء إلى صراع مسلح، وسط النزاع الحدودي المتشابك، والذي تتعدد أطرافه بين المغرب، وموريتانيا، وجبهة البوليساريو، والجزائر.

هذا وقد تعهدت لجنة الأمم المتحدة، الراعية لاتفاقيات الحدود بالمنطقة، بمباشرة تحقيق في ما يجري على الأرض من تحركات، قد تخترق الحزام الأمني.

المصادر

تحميل المزيد