200 عام بالتمام، تفصل ما بين عامي 1816 و2016. فيما بين العامين، حدث من التحول في العلاقات المصرية السعودية، ما يجعل المرء الذي ينظر إلى المشهد في عام 2016، لا يصدق أن المشهد كان على هذا النحو، منذ 200 عام، ومن ينظر إلى المشهد عام 1816، لن يصدق أن الأيام ستمضي على هذا النحو، ولن يدور في خلده أن هذا هو ما سيكون عليه الحال في عام 2016.

في عام 1816، خرجت المراكب النيلية من «بولاق» إلى «قنا»، ومن ثم لميناء «القصير»؛ محملة بالمؤن مع جيش «إبراهيم باشا»، الذي كان فلاحو الصعيد المصري يمثلون قطاعًا غير يسير من جنوده؛ إذ خرج هذا الجيش لمحاربة «الحركة الوهابية» في «نجد»، و«الدولة السعودية الأولى»، وبالفعل استطاع جيش والي مصر أن يقضي على الدولة السعودية الأولى، في التاسع من سبتمبر (أيلول) عام 1818، وسلم «عبد الله بن سعود» آخر أئمة الدولة السعودية الوهابية الأولى نفسه للحملة المصرية؛ إذ أُرسل أسيرًا إلى القاهرة، ومن ثم تم تسليمه لـ«الأستانة»؛ ليلقى مصرعه بالإعدام هناك.

وحين يعود الباحثون مرة أخرى، لوقائع أحداث انتصار إبراهيم باشا على الدولة السعودية الأولى، يجد كثير منهم، أن الوهابيين القائمين آنذاك على تلك الدولة، كانوا يفتقدون، فيما يتعلق بالتفكير في أمور الهدنة، وشروط الصلح، وطرق الحرب، واستغلال الفرص، وفهم التوازنات على أرض الواقع، إلى أبسط مقومات التفكير المنطقي؛ إذ ظهرت الدولة المصرية باعتبارها دولة كبرى، في مواجهة أناس يفتقرون إلى أدنى مقومات الإدراك السياسي، وإن كانوا يتمتعون بعزيمة وإصرار كبيرين.

أبريل (نيسان) 2016، الملك «سلمان بن عبد العزيز»، العاهل والملك السابع لـ«الدولة السعودية الثالثة»، يزور مصر، وما بين الدولة السعودية الأولى، والدولة السعودية الثالثة، قصة مليئة بالتفاصيل المدهشة، والتحولات العميقة، في التعامل مع مصر، التي قضت على الدولة السعودية الأولى.

حين زار ملك السعودية مصر هذه المرة، استقبله رئيسها بكل ترحيب، وتم تجهيز أطفال مصريين يلبسون الزي السعودي؛ للترحيب بالملك، وأطلقت المدفعية المصرية 21 طلقة، احتفالًا بوصول الملك السعودي لقصر الاتحادية، بمصر الجديدة.

ليس هذا فحسب: فقد دخل الملك الذي لم تعرف بلاده الحياة البرلمانية منذ تأسيسها، ليلقي كلمة في قاعة مجلس النواب المصري، وسط هتافات مؤيدة ومباركة من جانب أعضاء البرلمان، كما أن الملك الذي تتبنى مملكته نهجًا وهابيًا، قد دخل إلى «الأزهر الأشعري الصوفي»، وصلى فيه، كأول عاهل سعودي يقوم بالصلاة في الجامع الأزهر، وكان في استقباله آنذاك شيخ الأزهر «الدكتور أحمد الطيب»، علمًا بأن الطيب هو الذي اشتهر في السابق بهجومه الكبير على الحركة السلفية المعاصرة.

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=shbIK0K_Ul0 ” width=”800″ height=”450″ ]

على كل حال، طريق الملك للجامع الأزهر، كان يتطلب المرور على تمثال «إبراهيم باشا»، في ميدان «الأوبرا» بوسط القاهرة؛ إذ يمر الملك ليجد التمثال الضخم الذي نحته الفنان الفرنسي «كوردييه» عام 1872؛ تمثال للباشا الجالس على جواده، ويشير بإصبعه الشهير للعاهل السعودي الذاهب إلى الجامع الأزهر، ويذكره بتاريخ أليم مضى، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث؛ لأن تمثال إبراهيم باشا كان مغطى بأكمله حين مر الملك.

قال «غريب سنبل»، رئيس الإدارة المركزية للصيانة والترميم بوزارة الآثار المصرية بعد ذلك، إن تغطية التمثال لم تكن مجاملة للملك السعودي، وإنما جاءت نتيجة القيام بأعمال ترميم للتمثال، وكانت تلك العملية فد بدأت قبل زيارة الملك، بحسب سنبل.

وسواء كانت التغطية من أجل المجاملة أو الترميم، فإن التمثال المغطى أمام موكب الملك الذاهب للصلاة في الأزهر، حمل قيمة مجازية كبيرة للغاية، ربما تكون عنوانًا جيدًا لقصة التحول في 200 عام، من تدمير الدولة السعودية الأولى، إلى التنازل عن جزيرتين تابعتين للإدارة المصرية، للدولة السعودية الثالثة.

صورة لتمثال إبراهيم باشا وهو محجوب أثناء مرور العاهل السعودي (مصدر الصورة: nmisr)

وقبل أن نبدأ القصة، ينبغي أن نشير إلى ملاحظة، سنحتاجها دائمًا كخلفية في هذا التقرير، وهي الملاحظة التي أوردها الباحث الاقتصادي الراحل، الذي عمل أستاذًا في جامعة «كاليفورنيا» وجامعة «أكستير»، «نزيه أيوبي»، وهي: «في البلدان العربية التي لم تستقر فيها تقاليد عريقة للدولة المركزية، مثل بلدان الخليج العربي، كان الأسلوب الأمثل للقوى الاستعمارية للسيطرة على مجتمعاتها، هو خلق جهاز الدولة فيها، أما في مصر فكانت محاولات السيطرة الاستعمارية مقترنة في العادة بمحاولة إضعاف جهاز الدولة فيها».

هزيمة 1967.. ابتسامة من اقترب انتصاره

بعد هزيمة يونيو 1967، ذهب الرئيس المصري «جمال عبد الناصر» في زيارة للعاهل السعودي آنذاك، الملك «فيصل بن عبد العزيز»؛ إذ كانت مصر في أشد الاحتياج للمال آنذاك؛ لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي لأراضيها، وكان من الوفد المرافق للرئيس، الصحافي المصري، المقرب بشدة من النظام آنذاك، والذي كان ينظر إليه باعتباره فيلسوف هذا النظام، «محمد حسنين هيكل».

أثناء مصافحة الملك فيصل للصحافي المصري محمد حسنين هيكل، ابتسم ابتسامة المنتصر، وقال له «ألم تتب بعد عن أفكارك يا هيكل»، فرد هيكل قائلًا: «الأفكار لا نتوب عنها يا جلالة الملك».

كان عبد الناصر قد رفع شعارات القومية العربية والوحدة، منذ منتصف خمسينيات القرن العشرين، واستطاع في ذلك الوقت أن يُلهب مشاعر الشارع العربي، ضد كل من القوى الإمبريالية، وما أطلق عليه مصطلح قوى الرجعية في المنطقة، واستطاع أن يطبق خطة خمسية اقتصادية في مصر، مكنتها من رفع نسبة صادراتها الصناعية، بالإضافة إلى اعتماد أول تخطيط علمي وجدي لتوزيع الثروة في مصر، بشكل لم يكن جذريًا على كل حال.

كانت تجربة عبد الناصر تجربة مخيفة للغاية، للدولة السعودية الثالثة حديثة المنشأ، تعيد ذكريات إبراهيم باشا الأليمة، وبالفعل دخل النظام الناصري في نزاع محتدم مع المملكة العربية السعودية؛ إذ دعمت القوات المسلحة المصرية «الثورة اليمنية» ضد النظام الملكي، في حين قاد «الإمام البدر» آخر ملوك اليمن، ثورته المضادة من أراضي المملكة العربية السعودية، وتلقى الدعم من السعودية والأردن وبريطانيا، في مواجهة جمال عبد الناصر، وهي الحرب التي استنزفت بشدة قدرات الجيش المصري قبل الحرب مع إسرائيل في عام 1967.

وفي خطاب له عام 1966 رفض عبد الناصر أن يطلق على مواطني المملكة «سعوديين»، نسبة إلى آل سعود، وقرر أن يطلق عليهم لقب العرب، وقال «هل تسطيع القوى الرجعية في السعودية أن تقمع الآمال المشروعة، والأحلام الجياشة، في صدور الآلاف من شباب شبه الجزيرة العربية؟ أبدًا لن تستطيع الرجعية السعودية أن تحقق ذلك»، كما قال في معرض هجومه على المملكة، إن «من يسلح السعودية هو نفسه الذي يسلح إسرائيل، وهو الذي يسلح كل الأنظمة الرجعية في المنطقة».

ليس هذا فحسب، فقد قال عبد الناصر نصًا، أثناء حديثه عن عدد القتلى من الجيش المصري في اليمن «كل واحد فيهم جزمته أشرف من تاج الملك سعود والملك حسين».

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=aPlfk3BaP4I ” width=”800″ height=”450″ ]

كانت إذاعة صوت العرب، التي تبث من القاهرة لمختلف أرجاء العالم العربي، أشبه بالكابوس الذي يلاحق النظام الملكي بالسعودية؛ إذ يذيع فيها عبد الناصر خطاباته عن الوحدة العربية ومناهضة الاستعمار، ويذكر فيها ما يعتبره فضائح ملوك الرجعية بالمنطقة.

وصل تأثير عبد الناصر إلى الحد الذي جعل أمراءً في المملكة يعتنقون «القومية العربية»، ويطلقون على أنفسهم لقب «الأمراء الأحرار»، ويأتون إلى القاهرة؛ ليخططوا لتصوراتهم لعصر ما بعد انتهاء المملكة أو «الدولة السعودية الثالثة».

ويذكر محمد حسنين هيكل، أن الوثائق تؤكد تورط المملكة العربية السعودية، في محاولة اغتيال الرئيس السابق جمال عبد الناصر. كما يروي «مفيد الزيدي»، الباحث المتخصص في التاريخ العربي الحديث والمعاصر، في كتابه «موسوعة تاريخ المملكة العربية السعودية الحديث والمعاصر»، أنه بعد قيام الوحدة بين مصر وسوريا، تورطت المملكة العربية السعودية في محاولة اغتيال جمال عبد الناصر، وأنه في 24 مارس (آذار) 1958، طالبت مجموعة من الأمراء في المملكة، الملك سعود بن عبد العزيز، بمجموعة إصلاحات سياسية، كان من بينها تنحية مستشاري الملك الذين تورطوا في التخطيط، والدعم، لمحاولة اغتيال الرئيس المصري.

وعلى كل حال، مع الهزيمة الكبيرة للقوات المصرية في حربها مع إسرائيل عام 1967، بات واضحًا أن أحلام عبد الناصر المقلقة، قد ماتت «إكلينيكيًا»، وبإمكان المملكة الآن أن تخطط لعهد جديد.

الطُّعم.. قطع البترول وتمويل الجيش المصري

بعد حرب 1967، تعهد الملك فيصل بتقديم المملكة معونات مالية سنوية لجمهورية مصر العربية؛ حتى يزول الاحتلال الإسرائيلي عن سيناء، وبالفعل كانت المملكة العربية السعودية تدعم مصر، وتمول صفقات السلاح التي تشتريها؛ لمحاربة قوات الاحتلال الإسرائيلي.
Untitledلكن ما بدا لاحقًا، أن هذا الدعم العسكري، لم يكن هدفه الأول دعم مصر في مواجهة إسرائيل، بقدر ما كان هدفه تمهيدًا لتحويل مجرى الحياة على أرض مصر، كما تُبيّن الأحداث.

لم تكن السعودية وحدها التي دعمت مصر؛ ففرنسا التي ظهرت كواحدة من أقوى المدافعين عن إسرائيل، كانت تدعم مصر بالسلاح أيضًا، وفي منتصف السبعينات أخبرت الإدارة الفرنسية نظيرتها المصرية بوضوح، أنها حين باعت طائراتها العسكرية لليبيا قبل حرب 1973، كانت تعلم أن هذه الطائرات ستذهب لمصر، بكل تأكيد؛ كي تحارب بها إسرائيل، وقالت الإدارة الفرنسية تعقيبًا على هذا الاعتراف لنظيرتها المصرية، إن هذا دليل واضح على أن «فرنسا» أفضل لمصر من «موسكو»، التي كانت تبخل عليها بالسلاح، لكن الأهم في هذا الاعتراف، كان التأكيد على أنه في نظير ذلك، ينبغي على مصر أن تلعب دورًا في المستقبل يختلف عن دورها في الماضي؛ فالسادات ليس ناصرَ، والمستقبل ليس هو الماضي.

في الواقع، كان بقاء إسرائيل في سيناء، لفترة طويلة، أمرًا غير مقبول، بمقياس توزانات القوى، بالنسبة ـ حتى ـ للقوى المعادية لمشروعات مصر في الستينات، لكن وجودها قصير الأجل، كان فرصة رائعة لعديد من القوى؛ لتحويل وجه الحياة على أرض مصر، بما يخدم مصالحها.

حين قامت حرب 1973، حدث ما عُرف ـ بعد ذلك ـ بحظر البترول من الدول النفطية العربية، عن الدول المساندة لإسرائيل علنيًا، في حربها مع مصر وسوريا، وقد اكتسب الملك فيصل ـ تحديدًا ـ شعبية كبيرة في العالم العربي نتيجة ذلك.

وذلك، على الرغم من أن المملكة كانت تقف بحزم أمام الاتجاهات «الراديكالية»، التي تبنتها دول، مثل العراق وليبيا؛ حين طالبا بقطع النفط تمامًا عن العالم الغربي، وقطع العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، لكن استطاعت المملكة أن تسيطر على تلك الاتجاهات الراديكالية، وأن تمرر فقط قرار تخفيض الإنتاج 5% على الأقل شهريًا، ومن ثم اضطرت المملكة، حين أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عن معونات عسكرية عاجلة للجانب الإسرائيلي، أن تقطع البترول عن الولايات المتحدة، مع بقية الدول التي قررت بحزم هذا القرار، وهو الأمر الذي ما زالت تحوم حوله الشكوك حتى اليوم، إن كان قد طبق فعليًا بهذا الشكل.

لكن حتى في تلك المرة، استطاعت المملكة أن تقف في وجه المطالب الراديكالية العراقية بتأميم شركات النفط، وسحب جميع المدخرات الدولارية العربية، وهو ما جعل الإعلام العراقي يتهم السعودية بالخيانة، وجعل النظام السوري أيضًا يعرب عن أسفه من أنه كان ينتظر إجراءات أقوى من الدول النفطية العربية.

علمًا بأن الملك فيصل كان أبرز المعترضين على فكرة حظر النفط عن الغرب، منذ اليوم الأول بعد نكسة 1967، واستطاع أن يمرر دائمًا فكرته، عن تمويل صفقات السلاح لمصر وسوريا، عبر أموال عائدات النفط، ضد فكرة حظر البترول بشكل تام، تحت الشعار الذي كان يرفعه «النفط ليس سلاحًا، ولكنه مورد اقتصادي».

وقد استطاعت المملكة العربية السعودية، منذ عام 1967 إلى عام 1973، ليس فقط أن تقوم بدورها الكابح لأي محاولة لحظر البترول نهائيًا عن الولايات المتحدة، وإنما أيضًا نجح الملك فيصل لأول مرة عام 1973، أن يهبط في المطارات العربية دون أن تلاحقه تهم الخيانة، والتآمر على الثورات العربية، وألا تصله التقارير اليومية، عن الاضطرابات العمالية، وبعض الأمراء، في المملكة، الذين يتهمونه دائمًا بالعمالة للولايات المتحدة، ضد عبد الناصر، ومشروعه التحرري.

لكن ما هو شديد الأهمية في هذا السياق، أن السؤال المحوري الذي كان يشغل الإدارة الأمريكية قبل تلك الحرب بسنوات، وكان همها الرئيس في الفترة السابقة على تلك الحرب، هو هل تظل الولايات المتحدة تعتمد على النفط الذي تستورده من الدول الأجنبية؟ فتبني خطتها على محاولة استيراده بأقل الأسعار، في حين يحقق عدوها الأكبر ـ آنذاك ـ الاتحاد السوفيتي الاكتفاء الذاتي من النفط، ويصدره أيضًا، أم تستنفر قواها لتحقيق هذا الاكتفاء، هي الأخرى؟

كانت إجابة الإدارة الأمريكية واضحة، وهي أن الاعتماد على النفط الأجنبي كارثة على المدى الطويل، وأنه لا بد من استنفار قواها لتحقيق الاكتفاء الذاتي من النفط.

لم يكن ذلك ممكنًا، إلا عبر ارتفاع أسعار البترول عالميًا؛ لكي تتمكن الشركات الأمريكية الكبرى من الحصول على الأموال؛ لتمويل عملية استكشاف وزيادة إنتاج النفط.

بالتالي فقد قدمت منظمة «أوابك» (منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول)، خدمة كبيرة للولايات المتحدة الأمريكية قبل أي شيء؛ حين قررت أن تقوم بالحظر على هذا النسق من المقاطعة غير الجذرية، علمًا بأن قرار أوابك برفع أسعار النفط بعد ذلك، في ديسمبر (كانون الأول) 1973، قد اتُخذ في طهران، مباشرًة بعد لقاء جمع بين شاه إيران ووزير البترول السعودي «أحمد زكي اليماني»، وهما آنذاك أكبر حليفين للولايات المتحدة في المنطقة.

اللحظة الحاسمة

جلبت حرب عام 1973، لكلٍ من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، أرباحًا مادية وسياسية فائقة، وكان هناك هدف واحد مُنتظر، وقد اقترب تحقيقه.

كان الهدف هو أن تتنازل مصر تمامًا ونهائيًا، عن أحلامهما ومشاريعها في الاقتصاد والسياسة الخارجية بالستينات، وليس هذا فحسب، بل تتحول إلى شرطي صغير في المنطقة؛ لحماية المصالح الأمريكية، بجوار السعودية وإيران، وأن تُجري صُلحًا نهائيًا مع إسرائيل، وتتخلى تمامًا عن مشاريعها الاقتصادية، وخطتها الخمسية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، وتفتح أسواقها تمامًا للسلع الأجنبية، وتتخلى عن أحلام التصنيع الوطني، وتعتمد على الوصفات الاقتصادية للمنظمات الاقتصادية العالمية.

وفي الطريق لذلك، كان ينبغي على المملكة أن تتخذ خطوة صغيرة، وهي أن تحظر معوناتها، لكن في هذه المرة ليس عن العالم الغربي، كما أظهرت في عام 1973، وإنما عن مصر!

أثناء أزمة مصر الاقتصادية الخانقة، إبان تولي الرئيس السادات للحكم، كان الرئيس يذهب كل حين مع وفد مصري، للدول الخليجية طالبًا منهم معونات اقتصادية، لانتشال البلاد من أزمتها، وكانت الدول الخليجية، وفي القلب منها المملكة، تمتنع عن ذلك، وتسوق له حججًا، هي نفسها حجج البنك الدولي، وصندق النقد الدولي.

في عام 1976، كانت المعونات الخليجية لمصر قد انخفضت بشدة، وبشكل غير متوقع، وفي الوقت الذي كانت تضطر فيه مصر للاقتراض من البنوك التجارية الأجنبية بأسعار فائدة تزيد على 15%، كانت دول النفط تستثمر فوائضها في البنوك الأمريكية والأوروبية بأسعار فائدة تقل عن نصف هذا الرقم.

بدا الموقف غريبًا للغاية؛ فبإمكان دول الخليج أن تنتشل مصر من أزمتها، وأن تزيد من أرباحها بسعر فائدة أعلى من ذلك الذي تجنيه من البنوك الغربية، لكنها ترفض.

يفسر الباحث الاقتصادي «جلال أمين»، هذا الأمر، بأن تلك الدول الخليجية، لم تكن قد تلقت ـ بعد ـ الضوء الأخضر من الولايات المتحدة، لزيادة حجم معوناتها لمصر؛ إذ لم يكن هذا ليتم، إلا بعد إغراق مصر في الديون، وإعلانها الاستعداد النهائي للقبول بتوصيات صندوق النقد الدولي، وفتح الباب للخصخصة و«النيو ـ ليبرالية» الاقتصادية، والقضاء على القطاع العام، وتوديع أحلام التنمية الاقتصادية في الخمسينيات والستينيات إلى غير رجعة.

الخارطة الجديدة: السعودية تُمول ومصر تُنفذ

بحلول أواخر السبعينات، كانت مصر قد تحولت إلى وطن على حافة الإفلاس، غارق في بحر من الديون، أسواقه مفتوحة للسلع الأجنبية، وتزداد الفجوة بين أبنائه بوتيرة مدهشة، ويخضع تمامًا لتوصيات المنظمات الاقتصادية الدولية النيوليبرالية، ولكل الأدوار التي تعطيها له الولايات المتحدة الأمريكية؛ وطن بدا وكأنه يتخلى ويرتد عن كل أحلامه وشعاراته ومشاريعه السابقة، ويعلن صراحة أنه آن الآوان ليعترف بكون 99% من أوراق اللعبة تقع في يد الولايات المتحدة الأمريكية.

في منتصف السبعينيات، قبلت مصر أثناء تحضيرها لتحولها النيوليبرالي، أن تلتحق بتحالف يضم السعودية وفرنسا وإيران والمغرب، اسمه تحالف «نادي السفاري»، وكان الغرض منه هو التصدي للمد الثوري الشيوعي في إفريقيا، وكانت السعودية تُموّل هذا التحالف، على أن تقوم فرنسا بالإشراف، وتُنفّذ كلٌّ من مصر والمغرب. وقد تورطت مصر أثناء هذا التحالف، في دعم العديد من الديكتاتوريات الإفريقية الوحشية، في مواجهة شعوبها.

ليس هذا فحسب، فمصر التي كانت تدعم الثورة اليمنية بقواتها المسلحة في الستينات، ضد النظام الملكي السعودي، صارت مشتركة في منتصف السبعينات مع تحالف يجمعها مع المملكة، كانت من بين عملياته، القضاء التام على ثورة «ظفار» اليسارية بـ«عمان».

Untitledعلى كل حال، بنهاية السبعينات، أصبحت مصرُ حليفًا أقرب للولايات المتحدة من المملكة العربية السعودية ذاتها؛ إذ تخلت عن نبرتها المزعجة للعالم الغربي، التي اشتهرت بها في منتصف القرن العشرين.

وحتى حين ناهضت المملكة العربية السعودية توقيع اتفاقية «كامب ديفيد»، وهو ما استبطن اعتراضها القوي على عدم إنقاذ الولايات المتحدة للشاه الإيراني من الثورة الإسلامية، كانت مصر ترفض هذا الاتجاه بشدة، وقد وصلت العلاقات المصرية السعودية على المستوى السياسي، إلى درجة أنها قُطعت رسميًا؛ نتيجة هجوم السادات العنيف على هذا الموقف السعودي المعارض لكامب ديفيد، والذي كان نتيجة لاعتراض السعودية الأكبر على صمت أمريكا تجاه أحداث الثورة الإسلامية.

وقال السادات بوضوح، إن موقف السعودية من المعاهدة، يعود إلى خوفها من أن تتخلى عنها الولايات المتحدة كما تخلت عن الشاه في طهران.

وبالرغم من الهجوم العنيف الذي تبادلته كل من السلطات المصرية والسعودية، إلا أنه على المستوى المخابراتي، ظل تحالف السفاري الذي يرعى المصالح الغربية في المنطقة، قائمًا بين مصر والسعودية وفرنسا والمغرب، واستمرت عملياته التي انتهت بدعم تشكيل نواة تنظيم «القاعدة» في أفغانستان، لمحاربة الاتحاد السوفيتي، بمجهود مصري، ومال سعودي.

كانت ذكريات إبراهيم باشا وجمال عبد الناصر المزعجة للدولة الوهابية السعودية، في طريقها للموت على كل حال.

في عام 1983، قدم النظام المصري الجديد برئاسة الرئيس المخلوع «محمد حسني مبارك» خدمة كبيرة، للمملكة العربية السعودية؛ إذ قرر أخيرًا التنازل عن «تِكيّتيْ» مصر في مدينتي «مكة والمدينة»، للسلطات السعودية؛ كلتا التكيتين كانتا تحملان ذكريات أليمة للدولة السعودية؛ إذ يذكرها بأيام كانت الدولة المصرية هي التي تطعم فقراء الحرم المكي؛ وبالفعل هدمتهما السلطات السعودية، بعد تنازل مصر عنهما، وبذلك، انتهت آخر الآثار المصرية، التي تذكر الدولة السعودية بذكريات إبراهيم باشا.

الوحدة العربية في زمن النيوليبرالية

اليوم صارت الطبقة الحاكمة في السعودية، تتحدث عن أحلامها بالوحدة العربية، يأتي هذا بعد سنوات طويلة من العداء الشرس للملكة، ضد مشروع القومية العربية الذي أطلقه جمال عبد الناصر.

لكن في هذه المرة لن تكون مصر هي الزعيمة، بكل تأكيد لهذه الوحدة؛ فالسعودية هي الشقيقة الكبرى من الآن فصاعدًا. وهذه المرة لن يكون مشروع الوحدة العربية، مسببًا لأي ازعاج بالنسبة للدول والمؤسسات الكبرى في العالم، فمضمون هذا المشروع لن يتخذ منحنى يساريًا في الاقتصاد ولا السياسة،

على العكس من هذا، أتمت مصر تحولاتها النيوليبرالية، وفق توصيات البنك الدولي، على أكمل وجه، وكذلك المملكة العربية السعودية نفسها؛ فولي ولي العهد الأمير «محمد بن سلمان»، الذي يُوصف بالرجل الأقوى في السعودية، يبدو مُولعًا بالوصفات الليبرالية الاقتصادية، وقد بدأ بالفعل في توجيه الاقتصاد السعودي إلى دفة تطبيق هذه السياسات، وتحرير الاقتصاد.

ووصفت مجلة «الإيكونوميست»، في بدايات 2016، التحولات الاقتصادية التي تحاول المملكة أن تتخذها في الفترة الحالية، بأنها محاولات «تاتشارية»، نسبة إلى «مارجريت تاتشر»، المرأة الحديدية التي طبقت سياسات نيوليبرالية جذرية في إنجلترا، شملت رفع الدعم المباشر عن الكثير من قطاعات الاقتصاد، وجعل القطاع الخاص المحرك الرئيس للاقتصاد، مقابل إزاحة يد الدولة عنه.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والعاهل السعودي سلمان بن عبدالعزيز (مصدر الصورة: almnatiq.net(

الوحدة العربية هذه المرة، التي تتصدر واجهتها مصر والمملكة العربية السعودية، لن تزعج إسرائيل على الإطلاق، بالعكس، ستؤدي هذه الوحدة إلى تنازل مصر عن أراضيها «جزيرتي تيران وصنافير» للسعودية، ومن ثم تصبح الأخيرة لاعبًا مهمًا في اتفاقية كامب ديفيد، ويكون لها ذريعة للتواصل والتنسيق مع إسرائيل بشكل مُباشر، وهو ما يشكل لها أمانًا كبيرًا، في مواجهة السياسة الأمريكية الجديدة، القائمة على التقارب مع إيران من ناحية، والابتعاد عن التدخل المباشر في الشرق الأوسط من ناحية أخرى.

على هذا، تستطيع المملكة تحت شعار «مصر والسعودية يد واحدة»، الذي أطلقته مظاهرات المؤيدين لنظام الرئيس «عبد الفتاح السيسي» في مصر، عقب التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير؛ أن تنفذ إلى مشروعها القادم بتشكيل حلف من القوى الإقليمية الكبرى في المنطقة: السعودية، ومصر (التي أصحبت تعتمد منذ عام 2013 على المعونات الخليجية والسعودية بشكل أساسي) وإسرائيل، لمواجهة أخطار رفع يد الولايات المتحدة عن التدخل المباشر في الشرق الأوسط، وبالتالي يكون هذا الحلف هو دعامتها المادية في زعامتها الجديدة للعالم السني، ومواجهتها السياسية، لطهران التي تقترب من الغرب أكثر من أي وقت مضى.

على ما يبدو إذن، فإن مشروع الوحدة العربية، في عصر النيوليبرالية، الذي تتصدره مصر والسعودية، هو أشبه ما يكون باستعادة لروح نادي السفاري في سبعينات القرن الماضي، لمواجهة أخطار عودة «الربيع العربي» ضد الأنظمة الملكية والعسكرية في المنطقة، وضد إيران وطموحاتها، باعتماد أكبر على إسرائيل، بدلًا من الولايات المتحدة الأمريكية.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد