قبل نحو عامين، تزين فندق «داما روز» الذي يتوسط العاصمة السورية دمشق بزينة مبهجة، ووضعت في أركانه لافتات ونثريات ترحيبية خاصة، فهناك أقيم احتفال رسمي حضره مسئولون رفيعون ولفيف من حضور شعبي. كان ذلك احتفالًا لسلطنة عُمان بعيدها الوطني السادس والأربعين بعيدًا عن مقر سفارتها في سوريا، فقد تعمد المنظمون ألا يكون مجرد احتفال تقليدي، بقدر ما هو رسالة واضحة عن «التمسك العماني بدمشق وموقفها الرافض للإرهاب» كما قالت وسائل الاعلام الموالية للأسد، الذي أرسل المستشارة السياسية له بثينة شعبان و نائب وزير خارجيته فيصل المقداد لحضور الحفل.

يشابه هذا الاحتفال احتفال وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي مع نظيره السوري وليد المعلم في مسقط بافتتاح المبنى الجديد لسفارة النظام السوري، احتفال يليق بالمكان الجديد للسفارة في الحي الدبلوماسي في القرم، أحد أرقى أحياء العاصمة مسقط، لتشكل تلك الاحتفالات حقيقة أن العلاقات العُمانية – السورية إيجابية بشكل لا مثيل له مع دول الخليج الأخرى خاصة بعد الانتفاضة السورية ضد حكم الأسد عام 2011.

العلاقات السورية العمانية لم تنقطع أبدًا

في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2015، زار وزير الخارجية العُماني يوسف بن علوي العاصمة السورية دمشق، فسُجلت تلك الزيارة كأول زيارة لوزير خليجي منذ اندلاع الاحتجاجات السورية ضد الأسد في العام 2011، وهي الزيارة التي سبقتها بنحو الشهرين زيارة لوزير الخارجية السوري وليد المعلم للعاصمة العُمانية مسقط.

قُرئت تلك الزيارة بأنها تأتي ضمن التزام السلطان العُماني قابوس السعيد بسياسته الصارمة المتمثلة في عدم التدخل في الشؤون الإقليمية، مع الحفاظ على علاقات جيدة مع خصومه المملكة العربية السعودية وإيران، فزيارة بن علوي الذي لم تقطع بلاده علاقاتها الدبلوماسية والسياسية مع دمشق، أتت ضمن إطار المبادرات العديدة التي قدمتها عُمان من أجل إيجاد حل سلمي للأزمة السورية عبر تواصلها مع الأطراف المختلفة، وفي تلك الزيارة بالتحديد أكد بن علوي على «أهمية عودة سوريا إلى الجامعة العربية».

ولم تتوقف تلك العلاقة عند الجهود السياسة، بل أقدمت عُمان على توقيع اتفاقيات اقتصادية مع النظام السوري، منها مذكرة تفاهم لتوسيع آفاق التعاون المشترك في مجالات النفط والغاز، تتضمن الصناعة والاستخراج وتأهيل وتدريب الكوادر وإقامة مشروعات مشتركة، وقعت تلك المذكرة في العام 2017 عقب زيارة وزير النفط والثروة المعدنية السوري علي غانم إلى السلطنة، وذكر الوزير السوري حينها أن «مذكرة التفاهم ستسهم في تأسيس بنية صلبة للتعاون المستقبلي، ولا سيما في مرحلة إعادة الإعمار والاستفادة من الخبرات العُمانية في مختلف النواحي المتعلقة بالمشتقات النفطية».

 

وقد دفعت مواقف مسفط النظام السوري إلى لتباهي دومًا بالتقارب العُماني معه، حين ذكرت وكالة الأنباء التابعة للنظام السوري «سانا» ، أن «سلطنة عُمان ترى أن بشار الأسد على حق وأن سوريا ستنتصر دائمًا»، ونسبت الوكالة هذه التصريحات إلى نائب رئيس الوزراء العُماني والممثل الخاص للسلطان قابوس بن سعيد، أسعد بن طارق آل سعيد الذي التقى حينها – عام 2018 – وزير خارجية النظام السوري وليد المعلم، وقالت الوكالة: إن المسؤول العُماني «هنأ سوريا بما تمثله كوجه مشرق وعريق للتاريخ والثقافة والحضارة بالانتصارات التي تحققت في مواجهة الإرهاب».

عاد بن علوي الذي اعتبر الوزير الخليجي الوحيد الذي زار سوريا في السنوات الثماني الأخيرة إلى دمشق في يوليو (تموز) 2019، وقضى ساعتين في لقاءين منفصلين، أولهما لقاء مغلق مع بشار الأسد، والآخر جمعه بوليد المعلم، الذي تربطه علاقة مميزة مع الوزير العُماني. وعن هذه الزيارة ذكرت «وكالة الأنباء السورية (سانا)» أن «الأسد وابن علوي ناقشا آخر التطورات على الساحتين الإقليمية والدولية، بما في ذلك محاولات طمس الحقوق العربية التاريخية في ظل الأزمات والظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة حاليًا».

«الضرب تحت الحزام».. كيف تحارب عُمان سياسات السعودية والإمارات؟

عمان «قناة اتصال» بين دول الخليج والأسد

«السلطان قابوس يعتبر  المنظر الرئيس لسياسة عُمان الخارجية منذ توليه مقاليد الحكم، بإخراجه البلد من العزلة الديبلوماسية التي انتهجها السلطان سعيد بن تيمور»، هذا ما قاله مؤلف كتاب «عُمان والعالم: نشأة سياسة خارجية مستقلة»، جوزيف كيشيشيان.

لذا يتبادر للذهن أن الجهود العُمانية في الأزمة السورية تنصب ضمن دورها كوسيط ديبلوماسي يتمتع بعلاقات جيدة ومحايدة مع جميع الأطراف الإقليمية والدولية، لكن ما هي تلك الجهود بالتحديد التي تريد عُمان لعب دور فيها الآن؟ الإجابة قد تكون في تقرير صحافي نشرته صحفية «عكاظ» السعودية في 11 من يوليو 2019 تحت عنوان «ابن علوي يعرض صفقة على الأسد: البقاء مقابل كنس إيران».

وتنقل الصحيفة عن مصدر سوري مطلع أن ابن علوي «قدم عرضًا سياسيًا متكاملًا على الأسد، يقضي بإنهاء الصراع في سوريا والمضي في تثبيت الاستقرار بتوافق إقليمي دولي، خصوصا من الجانب الأمريكي، حيث تدعم إسرائيل هذا التوجه، مقابل إعلان الأسد انتهاء الحرب في سوريا والطلب من إيران مغادرتها»، وحسب «عكاظ» – المقربة من الديوان الملكي – فإن «النقاش ركز على نقطة وحيدة وجوهرية، وهي كيفية التعامل مع النفوذ الإيراني في سوريا، أو طرد المليشيات الإيرانية».

تحدثنا إلى مدير «الأكاديمية السورية الأوروبية للتنمية والتطوير»، جمال الفرا الذي أكد أن سلطنة عُمان تعد مقر نادي دبلوماسي مهم جدًا، وقد انتهجت سياسة تقوم بمهمة تقريب وجهات النظر بين الأطراف دون أن تكون هي طرفًا في الخلاف، وتابع الفرا – وهو دبلوماسي سوري سابق – القول: «ابن علوي زار دمشق وهو يحمل رسالة محددة، تلك الرسالة التي حملها ابن علوي إلى دمشق  هي تهديد بصيغة نصائح على خلفية اللقاء الثلاثي الأخير الذي عقد في القدس المحتلة يوم 25 يونيو (حزيران) الماضي، وجمع إسرائيل وأمريكا وروسيا، لدراسة المستقبل السياسي بسوريا في ظل بقاء نظام بشار الأسد».

 

ويوضح الفرا لـ«ساسة بوست» أن دمشق تدرك دور وأهمية سلطنة عُمان الدبلوماسية ولذلك تحرص على علاقاتها معها وتطلب دمشق من عُمان دومًا إيصال رسائل محددة لأطراف لا تتمتع دمشق بعلاقات مباشرة معها، ويشدد الفرا على أن  من أهم أدوار عُمان في القضية السورية هي كونها قناة الاتصال مع بعض رعاة أطياف المعارضة السورية وكذلك بعض فصائل المعارضة السورية ذاتها.

فيما يشير هاني البسوس أستاذ العلوم السياسية في جامعة السلطان قابوس في عُمان إلى أن سلطنة عُمان تحاول أن تحافظ على نفس المسافة مع جميع أطراف الصراع الرئيسيين في سوريا منذ السنوات الأولى للصراع في سوريا، ولذلك فتحت المجال للقاءات وزيارات مع النظام السوري وقوى المعارضة بشكل منفصل.

ويشدد البسوس لـ«ساسة بوست» على أن السياسة الخارجية العُمانية تقوم على مبدأ الحياد الايجابي والذي يعني التدخل فقط من أجل المصالحة ووقف النزاعات الإقليمية، وبناء على ما سبق تدخلت السلطنة – حسب البسوس – إيجابيًا في النزاع السوري من أجل تقريب وجهات النظر بين الأطراف المعنية، وبدت هذه الجهود واضحة عام 2015.

وفيما يتعلق بالزيارة الأخيرة لبن علوي، يقول البسوس إن ظهور النظام السوري وقد أصبح يتحكم في معظم أنحاء البلاد وبسط سيطرته بشكل واضح، دفع  بعض الدول العربية المقاطعة سابقًا للنظام السوري لتقرب منه، خاصة أن روسيا تدفع بهذا الاتجاه والولايات المتحدة الأمريكية غضت الطرف عن التجاوزات الإنسانية التي قام بها النظام السوري، معقبًا بالقول: «يبدو أن الترتيبات الحالية في المنطقة والتوجهات الدولية أصبحت تتقبل نظام الأسد وترغب في إعادة دمجه السياسي في منطقة الشرق الأوسط، ولكن هناك حاجة لترتيبات مع المعارضة السورية للوصول إلى حلول مرضية للجميع».

استراتيجية «اللعب على كل الحبال»

عند تقييم تحركات السياسة الخارجية العُمانية، لا يجب إشاحة النظر عن حالة الداخل العُماني باعتباره مُحددًا لسياسة الخارج. ما سبق يؤكد عليه الباحث في الدراسات الأمنية وشؤون الشرق الأوسط أحمد الباز، الذي أوضح  لـ«ساسة بوست» أن السلطنة تسعى إلى لحفاظ على استقرار محيطها لتظل متمتعة بوصفها «سويسرا الشرق» كما يُقال، خصوصًا في ظل وجود أزمات مخبأة في الجسد العُماني من الوراد أن تهدد الداخل، سواء فيما يخص ملف خلافة السلطان قابوس أو الضغوطات الاقتصادية في السنوات الأخيرة، وبناء على ما سبق يشدد الباز أنه عند تقييم تحركات عُمان الخارجية «فلا يجب تجاهل الوضع الداخلي والمحيط الجغرافي الملتهب ومصارعة السلطنة للبقاء عضوًا دوليًا نافذًا والاستثمار في الدبلوماسية».

وفيما يخص تطبيع العلاقات الخليجية السورية، يشدد الباز على أن المساعي الخليجية عبر عُمان إنما هي موجهة إلى إيران وروسيا أكثر مما هي موجهة إلى بشار الأسد، فدول الخليج تعلم مدى النفوذ الإيراني والروسي في الداخل السوري، وتدرك تلك الدول أن الترتيبات لإنهاء الحرب ومرحلة ما بعد الحرب لن تكون منفصلة نهائيًا عن الروس والإيرانيين، وفي ظل العلاقات الجيدة بين السلطنة من جهة وبين روسيا وإيران من جهة أخرى فإن دول الخليج لا تمانع تعاظم الدور العُماني بسوريا لضمان وجود وسيط موثوق.

ويضيف الباز: «تحاول دول الخليج حاليًا إصلاح خطأ الانسحاب الرسمي من سوريا بعد إغلاق السفارات منذ 2011 ، هذا الانسحاب الذي قضى على أي حديقة خلفية للتواصل مع النظام السوري ما وفر بابًا مفتوحًا على مصراعيه لطهران»، لذا – بحسب الباز – يمكن التأكيد على أن  استمرار الدور العُماني في سوريا وعدم وجود قطيعة عُمانية-سورية يلقى قبولًا لدى دول الخليج التي انسحبت من سوريا لغرض مساعدتها في تطبيع العلاقات.

ويعتقد الباز أنه في ظل  تأزم ملفات المنطقة، سواء في اليمن أو التهاب مياه الخليج واستمرار حراك الشارع العربي، فإن هذه الأمور تصب في مصلحة الأسد، حيث بات الفاعلون الدوليون والإقليميون هم من يأتون إليه على أمل تهدئة أحد الملفات، مشيرًا إلى ان «السلطنة تأتي على رأس الفاعلين الإقليميين الساعين لهذه التهدئة لضمان أن تحافظ على محيطها أمنًا، فسخونة مياه الخليج القريبة لا تبتعد عن كونها معركة إيرانية تستهدف دول الخليج وتتخذ من مياه الخليج القريبة من عمان مسرحًا لها، ما يؤثر على حالة موانئ السلطنة ويكبدها خسائر فادحة».

ويرى الباز أن إيران التي تحاول دائمًا ترويج فكرة مفادها أن السلطنة قادرة على تولي زعامة منطقة الخليج، تصطدم بأن عُمان التي تعرف حدود قدراتها تعمل على نفي هذه الفكرة لضمان استمرارها كوسيط موثوق لدى دول «مجلس التعاون» أو الحلفاء الإقليمين والدوليين، وذلك بدليل رفض قبول منحة مالية من السعودية والإمارات عام 2011 لإثبات تمتعها بالاستقلال الذي تحتاجه لتظل وسيطًا موثوقًا.

كما أن السلطنة – حسب الباز – ترفض أيضًا أن تقع تحت التوجيه الإيراني لنفس السبب وهو ضمان نزاهتها وارتفاع مكاسبها كونها تستثمر في دبلوماسيتها، مضيفًا: «السلطنة تعلم أنها ستكون في مرمى نيران صديقة من دول مجلس التعاون لو حادت عن طريق كونها مجرد وسيط إلى كونها أداة إيرانية في خاصرة الخليج، ولن تتردد دول الخليج عن معاقبة أي دولة حتى لو كانت عضوًا في مجلس التعاون، والأزمة القطرية ليست بعيدة عن الأذهان».

لم تكن على الحياد دومًا.. حين قرر السلطان قابوس أن تشارك عمان في غزو إيران

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد