إبراهيم أبو جازية

13

إبراهيم أبو جازية

13

1,730

توتّرت الأمور بين الجانب التركي و«حلف شمال الأطلسي (الناتو)»، ووصلت إلى أقصى مراحلها خلال الأعوام الماضية. ويأتي ذلك بسبب اعتبار الحلف أن تركيا أحد أعدائها. ويبدو أن هذه الأزمة ستكون لها تبعات كثيرة على المدى البعيد.

عامٌ ونصف العام تقريبًا على محاولة الانقلاب الفاشل في تركيا على حكم الرئيس رجب طيب أردوغان؛ حيث كانت هذه المحاولة في 15 من يوليو (تمّوز) 2016، كانت كافية لتغيير الوضع على الساحة الأوروبية فيما يخص تركيا، بالإضافة إلى وجود فاعلين آخرين عند الحديث عن هذا الأمر، أبرزهم روسيا وحلف الناتو وإسرائيل.

الكثير من التقارب تارةً، والتباعد تارةً أخرى، بين تركيا والدول الأخرى؛ أملًا في تكوين علاقات ثنائية أو أكثر مع عدد من الدول المختلفة، ومن أجل تحقيق مصالحها في العالم. هذا يتضمن إثارة بعض المشكلات مع بعض الدول تارةً، والتحالف معهم تارةً أخرى.

ماذا حدث تحديدًا بين تركيا وشمال الأطلسي؟

اشتعلت الأزمة بين الطرفين في النرويج؛ حيث كان مقررًا إجراء عدد من المناورات العسكرية لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وذلك بمشاركة عدد من الدول المشاركة في الحلف، والتي جرت في مدينة ستافانجر النرويجية، في الفترة بين 8 و17 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري في المناورات التي تحمل اسم «ترايدنت جافلين»؛ حيث قام عسكري نرويجي بوضع صورة مؤسس الجمهورية التركية، مصطفى كمال أتاتورك، واسم الرئيس رجب طيب أردوغان، على لوحات التصويب الناري خلال التدريب.

الأمر أغضب الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بشدة؛ مما دفعه إلى الإعلان عن سحب الجنود الأتراك المشاركين في المناورات، وذلك يوم الجمعة الماضية، الذي وافق 17 نوفمبر، خلال اجتماعٍ عقد في العاصمة أنقرة مع رؤساء فروع «حزب العدالة والتنمية» الحاكم بالولايات التركية.

وقال أرودغان في الاجتماع: إنهم «استخدموا لوحة تصويب في النرويج، وضعوا عليها اسمي وصورة مصطفى كمال أتاتورك». وأضاف بأنه لم يكن يعلم بالأمر عند حدوثه، وإنما «عرفت بالأمر من رئيس الأركان، خلوصي أكار، ووزير شؤون الاتحاد الأوروبي عمر جيليك». وأكد أردوغان أنه أعطى تعليماته بانسحاب القوات التركية المشاركة في المناورات العسكرية في النرويج، وقوامها 40 جنديًا، قائلًا: إنه «لا يمكن أن يكون هناك تحالف كهذا».

ونتيجة لذلك، قدَّم الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، ينس ستالتنبيرج، اعتذارًا لتركيا عقب الإساءة التي ارتكبت. وأعلن (الناتو) أيضًا أن الضابط المسؤول عن هذا العمل تم طرده وعزله من المناورات، فيما قدمت قيادة مركز الحرب المشتركة في النرويج اعتذارًا مكتوبًا بشأن الحادثة.

الجدير بالذكر أن السلطات النرويجية كانت قد أعلنت في وقتٍ لاحق أنها ستبدأ تحقيقًا في الواقعة.. ووفقًا لبيان حلف شمال الأطلسي، فإن الموظف الذي تسبب بالحادثة هو موظف متعاقد مع الجانب النرويجي؛ بهدف تنظيم المناورات، وليس عسكريًا تابعًا للحلف.

حلم الانضمام للاتحاد الأوروبي ينتهي!

في نظر البعض، فإنه منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو العام الماضي، بدأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يضرب بكل شيء عرض الحائط، وقبل ذلك، قام الرئيس بأفعال مثيرة للجدل كثيرة؛ بداية من احتواء بلاده لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين الفارين من دول مثل مصر، ليلقب بألقاب مختلفة مفادها أنه «حامي الإسلام في العالم».

ومرورًا بتنازله عن حلمه في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؛ إذ تنص المادة الخامسة من شروط التفاوض حول انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي على أنه «في حالة وجود انتهاك خطير ومستمر من قبل تركيا لمبادئ الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، والحريات الأساسية، وسيادة القانون الذي يقوم عليه دول الاتحاد الأوروبي، فإن اللجنة وحدها تقرر، سواء بمبادرة منها، أو بناءً على طلب ثلثي الدول الأعضاء، تعليق المفاوضات مع تركيا، واقتراح شروط لاستئنافها لاحقًا».

فمنذ محاولة الانقلاب، حدثت حركة كبيرة من القمع والانتهاكات في الداخل التركي؛ مما أدَّى إلى توتُّر العلاقات التركية مع أوروبا وعدد كبير من الدول الغربية. وكان أبرز هذه الانتهاكات القبض على «رئيسي حزب الشعوب الديمقراطي الكردي»، وثاني أكبر أحزاب المعارضة، وثالث أكبر الأحزاب في الدولة.

ووصولًا إلى انتهاكه لحقوق الإنسان، وإقالة عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين وضباط الجيش؛ إذ سرح ما يزيد على 100 ألف عامل وموظف حكومي في القطاع العام، بما في ذلك عدد من ضباط الشرطة، والمعلمين، والجنود؛ وذلك بتهمة تورطهم في محاولة الانقلاب الفاشلة.

وأيضًا اعتقال الآلاف والآلاف بالاشتباه في تورطهم في محاولة الانقلاب الفاشلة، وأيضًا باتهام جماعة فتح الله كولن بالوقوف وراء الانقلاب؛ إذ اتخذ عددًا من السياسات المختلفة منذ محاولة الانقلاب الفاشل في يوليو. وبالإضافة إلى ذلك، أغلقت السلطات التركية ما يزيد على 107 وسيلة إعلامية، ما بين مواقع إخبارية، أو قنوات إخبارية، أو صحف مطبوعة، أو غيرها، فضلًا عن اعتقال العشرات من الموظفين في القطاع العام، أو من المعارضين للرئيس التركي، أو من مؤيدي فتح الله كولن، أو من الأكراد، أو من غيرهم؛ وذلك بتهمة التخطيط للانقلاب وقلب نظام الحكم.

اقرأ أيضًا: «التعذيب في تركيا».. حين وصلت «ديمقراطية السود» لأفق مسدود

وأخيرًا، فقد وصلت هذه الخطوات بالرئيس التركي إلى تهديده أوروبا بقضية اللاجئين، وفتح الحدود التركية على تدفق اللاجئين إلى أوروبا، بعد أن وقَّعت تركيا على اتفاق مع الاتحاد الأوروبي في مارس (أذار) من العام الماضي، ينص على غلق الحدود التركية مع أوروبا أمام اللاجئين، وفي المقابل، يستطيع المواطنون الأتراك دخول دول الاتحاد الأوروبي، دون «تأشيرة الدخول الأوروبية (شنجن)».

هل تحالفت تركيا مع روسيا وإيران ضد أوروبا؟

بالرغم من المشكلات التي تربط بينهما، والاختلاف الجذري في وجهات النظر تجاه القضايا المختلفة، إلا أنه يبدو أن تركيا بدأت في التقارب مع روسيا، ربما من أجل مصالحها فقط، وربما من أجل مضايقة وترهيب أوروبا. الاختلاف الأول بين روسيا وتركيا يظهر في اختلافهما تمامًا في وجهات نظرهما تجاه القضية السورية، حيث تدعم روسيا نظام بشَّار الأسد، وتؤمن بأن حل الأزمة لن يكون إلا بوجود الأسد في مستقبل سوريا، بينما ترى تركيا أن حل الأزمة لا يمكن أن يتم بوجود الأسد.

الاختلاف الثاني في حالة روسيا وتركيا هو وجود أزمات كبرى مرت بها روسيا وتركيا خلال الفترة الأخيرة، كان أبرزها إسقاط تركيا لطائرة عسكرية روسية عام 2015، بالإضافة إلى حادث اغتيال السفير الروسي بتركيا في الحادث الشهير الذي جرى أمام شاشات التليفزيون.

اختلافان اثنان لم يؤثرا على علاقات وطيدة بدأت في بداية القرن الجاري، عندما وصل الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين إلى سدة الحكم، في الوقت الذي وصل فيه حزب العدالة والتنمية التركي للحكم، والمسيطر على الحكم منذ عام 2002، حينما كان رجب طيب أردوغان رئيسًا لوزراء تركيا؛ فبعد أزمة الطائرة، شهدت العلاقات الثنائية بين البلدين توترًا كبيرًا، ظل حتى محاولة الانقلاب التركي في منتصف عام 2016، حينها رجعت الزيارات الرسمية بين البلدين؛ إلى أن عادت الأمور كما كانت، وذلك بعد أن أرسل أردوغان إلى بوتين رسالة أعرب فيها عن أسفه لحادثة المقاتلة الروسية، وقدم تعازيه لمصرع الطيار، وعقب الرسالة اتصل بوتين بأردوغان، واتفق الزعيمان على عودة العلاقات.

وعلى مدار ما يقارب من 15 عامًا، عملت روسيا وتركيا على رفع معدلات التعاون الاقتصادي والتجاري، والمشروعات المختلفة؛ مما أدى إلى إلغاء تأشيرات الدخول بين البلدين؛ ليقفز حجم التبادل التجاري بينهما إلى 25 مليار دولار.

ربما تعتقد أن ما سبق هو دليل كافٍ على جودة العلاقات الروسية التركية، ولكن ما يؤكد العلاقات الوطيدة هو حلف شمال الأطلسي (الناتو).. فكيف ذلك؟ تعتبر تركيا أحد أبرز أعضاء حلف الناتو، الذي هو في حالة تأهب طوال الوقت لمواجهة روسيا، ولكن وجود تركيا باعتبارها جزءًا رئيسًا منه، في ظل التعاون الاقتصادي مع روسيا، دائمًا ما يوقف أية مواجهات حقيقية بين روسيا والحلف، وإنما ما يحدث طوال الوقت هي تهديدات شفوية، أو حتى تحركات احترازية فقط.

الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية، والعديد من دول الاتحاد الأوروبي، الذين يُعتبرون جميعًا المُشكِّل الرئيس لحلف الناتو، كانوا قد فرضوا عقوبات اقتصادية على روسيا منذ عام 2014؛ بسبب أزمة شبه جزيرة القُرم، ولكن تركيا لم تهتم لأمر العقوبات، وظلت في علاقاتها القوية مع روسيا، وذلك بالرغم من اعترافها بأن روسيا لم يكن لها الحق في دخول القرم من الأساس، وأنها حصلت عليها بطريقة غير شرعية.

اقرأ أيضًا: الرقص على التناقضات.. كيف تخطط روسيا بذكاء للسيطرة على الشرق الأوسط؟

الأمر الأهم الخاص بحلف الناتو وروسيا وتركيا هو ما أوردته قناة «CNBC» الأمريكية، وتحديدًا يوم 14 أغسطس (آب) 2017؛ حيث ذكرت أن توتر العلاقات التركية الأمريكية قد يدفع بتركيا لشراء أنظمة دفاع وأسلحة من روسيا؛ مما سيكون ضربة قوية للولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو وجميع أعضائه، وهو ما أكد عليه أيضًا موقع «نيوزويك». وإن حدثت خطوة كهذه، فستكون حقًا ضربة للولايات المتحدة، وللاتحاد الأوروبي، الذي يواجه علاقات متوترة مع تركيا أيضًا في الفترة الأخيرة منذ محاولة الانقلاب التركي عام 2016؛ بسبب انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا على إثره، فهي خطوة تصب في مصلحة روسيا وتركيا في نفس الوقت؛ مما يجعل من تركيا حليفًا قويًّا لروسيا من أجل التحالف معه، ومن أجل خطة الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط، ربما.