استدعت الخارجية المغربية قبل يوم أمس القائم بأعمال السفارة الإيرانية، احتجاجًا على ما ورد في تقرير إعلامي لمؤسسة إيرانية تصف فيه المغرب “بالصهيونية” على خلفية مشاركته في حرب اليمن، وهو ما أغضب الرباط وأعاد استئناف العلاقات المغربية الإيرانية إلى نقطة الصفر مرة أخرى.

وكانت وكالة “فارس للأنباء” التي ينظر إليها بأنها الذراع الإعلامي للحرس الثوري الإيراني قد بثت مؤخرًا تقريرًا بعنوان “المغرب أسير سياسات الصهيونية”، جعل وزيرة الخارجية المغربية مباركة بوعيدة تستدعي السفير الإيراني الجديد لتبلغه “استياء المملكة لهذا الأسلوب غير المسؤول الذي يقوض جهود البلدين الرامية إلى إعادة بناء الثقة”، بعدها أصدرت الخارجية الإيرانية بيانًا بشأن الاحتجاج تأكد فيه عدم التدخل في الشؤون المغربية.

فما هي إذن بوصلة العلاقات المغربية الإيرانية؟

من أجل ذلك سنستكشف المعطيات الواقعية بخصوص هذه العلاقة التي من شأنها أن تساعدنا في التكهن بمستقبل هذه العلاقة.

أولًا: نبذة سريعة عن تاريخ العلاقات الإيرانية المغربية

عرفت العلاقات المغربية الإيرانية منذ الثورة الخمينية مرتفعات ومنخفضات حسب الظروف السياسية والإقليمية وردود الأفعال المختلفة بينهما حول أحداث بعينها.

بداية في عهد الشاه كان التوافق السياسي بين المغرب وإيران يطبع علاقاتهما، بيد أن هذا التوافق سيتحول إلى قطيعة حادة مباشرة بعد الثورة الخمينية، حيث أعلن المغرب معارضته للنظام الجديد في إيران، فيما تبنت الأخيرة موقفًا مؤيدًا لجبهة البوليساريو ومعاديًا للمغرب، كما أيدت الرباط العراق في حربها مع دولة الخميني الجديدة، مما وسع الهوة بينهما طوال الثمانينات.

لكن في عام 1991، سحبت طهران اعترافها بـ”الجمهورية الصحراوية”، ودعمت تسوية هذا الملف بموجب قرارات الأمم المتحدة، مقابل إقرار المغرب بحق إيران في استعمال الطاقة النووية للأغراض السلمية، لتعود العلاقات بين البلدين من جديد رغم خفوتها إلا أنها وصلت هذه العلاقات أوجها في سنة 2001، حينما قام الوزير الأول المغربي آنذاك عبد الرحمن اليوسفي بزيارة رسمية إلى طهران بصحبة وفد رفيع.

استمرت بعد ذلك هذه العلاقة التي ينظر إليها المغرب بعين الريبة متهمًا بين الفينة والأخرى السفارة الإيرانية بمحاولة نشر الفكر الشيعي بالبلاد حتى 2009، السنة التي ستعرف فيها العلاقات المغربية الإيرانية نكسة جديدة على خلفية دعم المغرب للبحرين، وهو ما لم يرق لطهران فصرح مسؤولوها بعبارات تنتقص سيادة المملكة المغربية، لترد الأخيرة بقطع العلاقات نهائيًّا واستدعاء سفيرها من هناك وطرد السفير الإيراني.

وزير الخارجية المغربي والسفير الإيراني

 

وبعد ست سنوات من القطيعة مع بداية السنة الجارية عرفت العلاقة بين المغرب وإيران انفراجًا جديدًا، اتخذ فيها البلدان إجراءات تنم عن استئناف العلاقات بينهما قبل أن تنتكس مرة أخرى حديثًا.

مصالح البلدين في عقد هذه العلاقة

تنظر كل من الرباط وطهران إلى العلاقات بينهما بمنظار مختلف حسب المصالح الإستراتيجية لكل واحدة منهما.

فمن جهة أولى، يرى المغرب في إيران سوقًا واعدة في الشرق الأوسط، يمكن عقد اتفاقيات تجارية مهمة معها، ولا سيما في الخضار والحوامض ومنتجات الفوسفات، وكذا سوق السيارات، الأمر الذي قد يخلق تبادلًا اقتصاديًّا رائجًا بين البلدين.

ظهور منافسين للمغرب في مجموعة من الأسواق مثل إسبانيا في سوق الحوامض والصين في سوق الملابس، وأيضًا تونس في السياحة، يدفع المغرب إلى البحث عن شركاء اقتصاديين جدد لتقوية عجلة التنمية في بلد تطالب ساكنته يومًا بعد آخر بتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

وعلى صعيد آخر، يطمح المغرب لتقوية وجوده السياسي والدبلوماسي في العالم، حيث إن نجاح المغرب في عقد علاقات متعددة مع أطراف متنوعة سيمكنه من لعب دور وساطات في أزمات معينة، وفي الحالة مع إيران فإن الرباط قادرة، إذا ما ربطت علاقة ثقة مع طهران، احتضان ملفات تفاوض إقليمية ودولية، مثل التوسط بين دول الخليج وإيران وبين الولايات المتحدة وإيران، وهو الأمر الذي سيعود بالنفع في الأخير على قضيته المحورية الممثلة في الصحراء.

ومن جهة ثانية، فإن إيران هي الأخرى أيضًا لديها مصالح في عقد علاقة مع المغرب، ففي ظل استمرار الجمود في علاقاتها بدول الخليج بسبب سياستها في المنطقة، والشكوك الواسعة في مسار اتفاقاتها النووية مع القوى الدولية، تطمح إيران إلى توسيع علاقاتها السياسية الخارجية.

ويمثل المغرب بوابة مهمة في منطقة إفريقيا، حيث يملك حضورًا دبلوماسيًّا ودينيًّا – بالخصوص- قويًّا في البلدان الإفريقية، إذ يحاول المغرب تصدير نموذجه الديني “المعتدل” ذي البعد الصوفي لمحاربة “الإرهاب” في تلك المناطق التي تعرف نزعات تطرف مثلما الحال في مالي، وهو الشيء الذي يكسبه تقديرًا دوليًّا.

وربما تراعي إيران أيضًا باهتمام المغرب كبلد يتمتع بخصوصية ثقافية فريدة كملتقى للحضارات المتنوعة الإسلامية والأوروبية، وهو كان ولا يزال موطن تلاقح الأفكار، وتحاور المذاهب الفكرية والفلسفية في العالم الإسلامي، بالإضافة إلى أن المغاربة معروفون بحب آل البيت الذي تشربوه من خلال التدين الصوفي، وبالفعل فإن بعض المناطق بالجنوب الشرقي للمغرب تتواجد بها عادات لباس وتقاليد وممارسات دينية تعود في أصلها إلى التراث الشيعي، ناهيك عن أن الأسرة الملكية ذاتها ذات نسب شريف. كل ذلك من شأنه أن يشجع إيران على التطبيع الثقافي والديني مع المغرب.

علاقات حذرة

ورغم أن لكل من المغرب وإيران مصالح إستراتيجية في استئناف العلاقات بينهما، إلا أن هناك دواعيًا في نفس الوقت تجعل فرملة هذه العلاقة في أي فترة ممكنة الوقوع، إذ تفتقد هذه العلاقة إلى الثقة في مجملها.

يربط المغرب علاقات جد موالية لدول الخليج وفي مقدمتها السعودية والإمارات، حيث كان واحدًا من المشاركين في عاصفة الحزم، وهو ما من شأنه أن يغضب الجانب الخليجي في حال توطيد علاقته مع إيران، ولا سيما مع ازدياد حالة عدم الثقة في السياسات الإقليمية لإيران بسبب دورها في سوريا، واليمن، ولبنان، والبحرين، كما أن الشكوك التي تحوم حول سياسات الإيران الخارجية، تجعل الرباط تنظر بعين الريبة والحذر لهذه العلاقة.

بالإضافة إلى ذلك، فعادة ما ينظر لأي دور نابع من إيران بكونه محملًا بالنزعة المذهبية، والمغرب واحد من هذه البلدان التي تنظر بهذه النظرة، مما يجعل علاقته مع إيران رهينة بمدى ابتعادها عن أنشطة يمكن أن تعد محاولة لنشر التدين الشيعي بالمغرب، ولطالما يؤكد المسؤولون المغاربة أهمية احترام القيادة الإيرانية لثوابت السيادة المغربية، والتعامل وفق الاحترام المتبادل.

ومما يزيد هذا التوجس المغربي تجاه إيران بشأن سياساتها المذهبية، هو ظهور تقارير إعلامية تفيد تزايد المتشيعين المغاربة في أوروبا خصوصًا ببلجيكا، والذين يحاولون بدورهم استقطاب أعداد كبيرة من المغاربة داخل الوطن، وهو ما قد يعتبره المغرب تهديدًا للوحدة المذهبية المالكية التي يعتنقها جل سكانه.

بينما ترى إيران أن المغرب تابع للسياسات السعودية، الأخيرة التي تعتبرها مرادفة “للصهيونية”، ولا سيما أن المغرب قد شارك في ما تسميه طهران “العدوان على اليمن”، مما يجعلها مستاءة جدًّا من المغرب في بعض مواقفه اتجاه قضايا المنطقة.

وبالتالي فإن لكل من إيران والمغرب دوافع لاستئناف العلاقة، وفي نفس الوقت لديهما أسباب كافية لفرملتها، مما قد لا ينبئ بمستقبل واعد لهذه العلاقة، بقدر ما يبدو أنها تسير ببطء وستظل محدودة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد