بعد عدة سنوات من تراجع علاقة إيران بحركة المقاومة الإسلامية “حماس”  إثر موقف الأخيرة من الأزمة السورية، عاد ملف تلك العلاقة يطفو على السطح مجددًا، فحماس التي أكدت في السابق على أن العلاقات مع إيران لم تنقطع ولكن خفت وتيرتها تسعى الآن لتوطيد العلاقة مع إيران عبر توجه قادة الحركة للقاء المسئولين الإيرانيين، ومحاولة معاجلة كل الخلافات التي نشأت في السابق بين الجانبين.

أحد أبرز المواقف التي أججت تلك القضية هي قيام الناطق باسم كتائب القسام “أبو عبيدة” بتوجيه شكر لإيران خلال خطابه قبل أيام بمناسبة الاحتفال بانطلاقة الحركة في غزة، كما أكد على هذا الشكر القيادي محمود الزهار عندما قال “أن العلاقة مع إيران مرتبطة بتقديم الدعم للمقاومة، والحركة ملتزمة بتقديم الشكر لكن من يمد يده للمقاومة في غزة”. وكانت تلك المواقف قد سُبقت بزيارة وفد من المكتب السياسي لحركة حماس للعاصمة الإيرانية طهران، في الثامن من كانون الأول.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

وأحدثت هذه التطورات ردود فعل متباينة، بدأت بموقف السعودية التي عبرت عن غضبها من سياسة حركة حماس الخارجية حيال إيران ولم تنتهِ عند تعالي الأصوات المؤيدة والمعارضة لهذه المواقف.

“ساسة بوست” تفتح ملف العلاقة بين حماس وإيران منذ بدأت وإلى ما ستؤول إليه في المستقبل:

كيف بدأت علاقة حركة حماس بإيران؟

في نوفمبر عام 1990 شارك وفد من حماس في مؤتمر لدعم الانتفاضة في إيران، وكانت هذه المشاركة هي نواة العلاقة بين حماس وإيران، ثم ساهم تطور العلاقة مع تنظيم حزب الله اللبناني بعد إبعاد عدد كبير من قادة حماس إلى مرج الزهور في لبنان أواخر سنة 1992 في تقوية تلك العلاقة.
حيث تأسست العلاقة بين الطرفين اتساقاً مع رؤيتها الثابتة القاضية بالتعاون مع كافة الدول والجهات في المنطقة، لخدمة القضية الفلسطينية، ضمن ما كان يعرف بـ”محور الممانعة” الذي كان يضم إيران، وسوريا، وحزب الله اللبناني، وحركة حماس، في مقابل “محور الاعتدال”، الذي كان يضم مصر والسعودية والإمارات، والأردن.

 وحققت العلاقات قفزة نوعية بعد فوز حركة حماس بانتخابات المجلس التشريعي في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتشكيلها للحكومة الفلسطينية، حيث قدمت إيران لحماس دعمًا كبيرًا في مواجهة الحصار والعدوان الإسرائيلي على القطاع. وأصبحت حماس جزءًا أساسيًا في محور الممانعة والمقاومة الذي شاركت فيه إيران وسورية وحزب الله.
وبلغ الدعم ذروته في أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة في حرب الفرقان (الرصاص المصبوب) في نهاية 2008 ومطلع 2009. وبطبيعة الحال لم تتوافق سياسات الطرفين دائماً خلال الفترة الماضية، إلا أنهما تمكنا من إدارة العلاقة بينهما بقدر كبير من النجاح، وتشكل بينهما ما يشبه الالتقاء الإستراتيجي؛ غير أن العلاقة تأزمت بسبب تداعيات ما عُرف بـ “الربيع العربي” وبسبب الخلاف الكبير تجاه الأزمة السورية؛ وخصوصاً بعد خروج قيادة حماس من دمشق مطلع سنة 2012.

ما هي أسباب تراجع العلاقة بين حماس وإيران؟

عدة أسباب أثرت على العلاقة بين إيران وحماس؛ أولها  بروز دور الإسلاميين في الثورات العربية وعمليات التغيير، فتقدم تلك الحركات للحكم أو المشاركة فيه في تونس ومصر وليبيا واليمن والمغرب، أتاح بدائل ومجالات أوسع لعمل حركة حماس، وخصوصاً في مصر. كما أن سلوك هؤلاء الإسلاميين الحذِر تجاه إيران، وعدم استعجالهم الدخول في عداء مكشوف تجاه “إسرائيل” وأمريكا حسب تقديراتهم لظروفهم الخاصة قد أثار مخاوف الإيرانيين.
وأسهمت أيضًا الأزمة السورية في تعميق الخلاف بين الطرفين، إذ إن خروج قيادة حماس من دمشق مطلع سنة 2012، بسبب تداعيات هذه الانتفاضة التي تحولت إلى ثورة، ووقوف حماس إلى جانب الإرادة الشعبية، وامتناعها عن تأييد النظام السوري زاد من شقة الخلاف بينهما. ثم إن الأزمة السورية لم تؤثر على علاقة حماس بطهران فقط، بل إنها أعطبت أسس محور المقاومة والممانعة بأكمله.

وكما يقول الكاتب مصطفى البنا في مقاله “حماس وإيران.. علاقة المد والجزر” أن هذا الموقف الذي أبدته حركة حمـاس بالتنصـل من دعـم نظـام الأسـد خلافاً لما فعله حزب الله وغيره ممن تدعمهم إيــران، كـان دافعاً لتحـول مهـم في علاقـة حـركة حمـاس بـــإيران حيث تظهر التقاريـر فقـدان حـركة حمـاس للدعـم الإيـرانـي الذي كـان يصلهـا مسبقـاً، وأصبحـت حـركـة حمـاس تعيـش في ضائقـة ماليـة واضحـة بعـد توقـف الدعـم الإيـرانـي لهـا علـى خلفيـة مـوقـفـها من الثورة السوريـة.

ما هي الأسباب التي دفعت حماس للعودة للحضانة الإيرانية؟

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

بعد الفتور الواضح في العلاقات بين إيران وحماس منذ العام 2011، توجهت مؤخرًا أروقة قيادة حركة حماس لفتح صفحة جديدة مع إيران، هذا التوجه يرجعه مراقبون في الشأن الفلسطيني لحاجة الحركة لكسب تحالفات تخدم تطلعاتها الداخلية والخارجية، خاصة بعد الأزمة التي تعاني منها وضعف كل حلفائها في المنطقة وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين في مصر.

يرى المحلل السياسي هاني البسوس، أن حماس معنية بتثبيت العلاقات مع إيران لحاجة الحركة إلى حليف إستراتيجي قوي في المنطقة بعد حالات الانقطاع بالعلاقات العربية المجاورة، مضيفًا: “أنه يخفي من قوة الدعم الإيراني لحماس في الأمور العسكرية والصواريخ والتدريب، كما والدعم المادي الكبير للحركة وبالتالي من المنطقي أن تحافظ حماس على علاقاتها لمعاودة الدعم الإيراني بعد صعوبة الوضع المادي لحماس بفعل الحصار وتفكك العلاقات، حتى وإن كانت تملك (70%) من مخزون أسلحتها”.

واعتبر البسوس أن شكر حماس لإيران حمل العديد من الرسائل للاحتلال بتواصل العلاقات والدعم العسكري كذلك وهو ما يعني معاودة القوة لحماس، كما هي رسالة لا بد منها حتى داخليًا وخارجياً، لافتًا أن قيادات الحركة أوضحوا مرارًا أسباب العلاقة بإيران.

 من جهته، يؤكد المحلل السياسي الفلسطيني أكرم عطا الله، أن حماس لجأت لإيران  بعد العزلة الشديدة التي تعيش فيها بقطاع غزة، وجراء الحصار الذي تتعرض له منذ عدة سنوات، خاصة أنها  تعاني من عدة أزمات داخلية وخارجية، وهو ما أجبرها على  البحث أو العودة إلى طريق التحالف مع إيران لسد العجز الذي تعاني منه، خاصة بعد الحرب الأخيرة ومعالجة النظام المصري الحاكم لها في القطاع.

ويقول الباحث في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، والمتخصص بالشؤون الشرق أوسطية والسياسة الخارجية الإيرانية  “لألكس فاتنكا” أن حركة حماس لا تجد أمامها من بديل سوى العودة إلى الدوران بالفلك الإيراني بعد جمود استمر لأربع سنوات في العلاقات بين الجانبين. كما تتطلع حماس إلى العودة للحصول على السلاح الإيراني، أما طهران فهي تريد لفت نظر العالم الإسلامي إلى دورها في حماية الفلسطينيين، وهذا سيفيد نشاطاتها في المنطقة، والتي تأثرت كثيرًا بوقوفها إلى جانب الأسد بنظر الرأي العام الإسلامي.

ما هي ردود الفعل على شكر حماس لإيران؟

بين مؤيد ومعارض لشكر حماس لإيران تفاوتت ردود  الفعل خاصة على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث قام مجموع الرافضين لمواقف إيران بتدشين هاشتاج «#حماس_تشكر_ إيران»، وكان من أبرز من  عاتب حماس على شكرها مؤسس حزب الأمة في الكويت حاكم المطيري حيث قال: “إيران تشارك أمريكا وروسيا بقتل وتهجير الملايين في العراق وسوريا فشكر حماس لها خطيئة كبرى! فهل حماس مع الأمة وتحررها أم مع أعدائها؟”، كما كتب د.كساب العتيبي وهو أحد أشهر المغردين الإسلاميين فقال: “القسام تشكر إيران، سقطة كبيرة رُغم تفهمُي لحسابات حماس، إيران لم تُقدّم شيئًا في السنوات الأخيرة علاوةً على جرائمها في سوريا، قطر وتركيا وبس”.

و استنكر المحلل الفلسطيني ياسر الزعاترة شكرَ حماس لإيران، متسائلًا: “لماذا الشكر الآن؟!” ورأى “الزعاترة”، خلال تغريدات عبر حسابه على “تويتر”، أن حماس لن تحصل على شيء بالمقابل لأن إيران بوضع اقتصادي صعب دفعها لتقليص الدعم عن الأتباع، لذلك قد لا تحصد الحركة دعمًا قريبًا بالمقابل.

أما الشيخ اللبناني أحمد الأسير قد أكّد في تغريدة سابقة له الأسبوع الماضي، أن “إيران الرافضية” تقتل أهل السنة في “الأحواز واليمن والعراق وسوريا ولبنان”، مطالبًا حركة “حماس” أن “تقلع عن سياسة التودُّد والتقارب منها”.

وفي سياق متصل لمح مغردون خليجيون إلى أن حماس ربما تكون مضطرة إلى توجيه خطابها لإيران بهذا الشكل وبخاصة في ظل التقاعس وربما التآمر العربي، حيث غرد أحدهم مخاطبًا الدكتور كساب العتيبي قائلا: “بالعكس دكتور قولي ماذا قدموا العرب لحماس؟ وأسلحة حماس معظمها من إيران وسوريا وحزب الله”.

ما هو مستقبل العلاقة بين حماس وإيران؟

يُرهن مستقبل العلاقات ما بين حركة حماس وإيــران بعدة عوامل،  أهمها الثورة السورية ومآلاتها، وسياسة التقارب بين حركة حماس والوسط العربي المحيط، فنمو علاقة حماس مع دول الخليج العربي على وجه التحديد يأتي على حساب علاقتها بإيران على اعتبار الخلاف بين دول الخليج العربي وإيران، فزيادة التقارب مع دول الخليج يزيد التباعد مع إيـــران التي تحاول أن تعبث بــــأمن الخليج العربي .

كل هذا يدل على أن العلاقة الإيرانية – الحمسـاويـة مجـرد عـلاقـة تقـارب أهـداف لا أكثر، فحسب الخبراء حمـاس مصممـة على ألا تـكـون ورقـة إيرانيـة في المنطقـة وأن تكـون خاضعـة لهـا علـى الدوام، كمـا أن هــذه المتغـيرات التي طـرأت علـى علاقـة حمـاس بـــإيران هي العلاقـة متـجهـة لأن تـكـون عـلاقـة عـاديـة وليسـت عـلاقـة تـحالـف كمـا في السـابـق.

المصادر

تحميل المزيد