لطالما كانت الرياض في علاقة وطيدة مع تونس قبل هروب زين العابدين بن علي، ولذلك لم يكن من المستغرب أن تكون الملاذ الذي اهتدى إليه الرئيس التونسي المخلوع.

لطالما كانت الرياض في علاقة وطيدة مع تونس، قبيل هروب زين العابدين بن علي من قصره، لذا لم يكن من المستغرب أن تكون السعودية الملاذ الذي اهتدى إليه الرئيس التونسي المخلوع، بعد اندلاع «ثورة الياسمين» في 2011، وما تزال السعودية تحتضنه في أرضها حتى الآن.

وبين فترة «بن علي» وزمن ما بعد «بو عزيزي»، جرت الكثير من المياه تحت جسر العلاقات التونسية السعودية، فكيف إذًا يمكن رسم هذه العلاقة خلال العهد التونسي الجديد؟

سياق علاقات الرياض وتونس خلال الفترة الجديدة

دشنت تونس، قبل خمس سنوات، ثورات ما سمي بـ«الربيع العربي». وأطاحت ثورة الياسمين برئيسها السابق زين العابدين بن علي، لتصل بعدها رياح «الربيع» جُلّ البلدان العربية، فأسقطت النظام السياسي لبعضها، وأجبرت البعض الآخر على إجراء إصلاحات.

في خضم ذلك، عرفت الثورات العربية الكثير من المطبات والانحناءات، إذ شهدت البلدان التي مستها حالة استقطاب سياسي غير مسبوقة، بين صف الإسلاميين من جهة، وصف العلمانيين من جهة ثانية، وصف الأنظمة التقليدية من جهة ثالثة، ساعيًا كل واحد منهم إلى الاستفراد بالسلطة، وتطور هذا الاستقطاب في بعض الحالات إلى عنف دموي.

كانت بلدان الخليج المؤثرة (السعودية، وقطر، والإمارات) تدرك جيدًا من البداية أن تغييرًا جذريًّا قادمًا لا محالة سيمس المنطقة، ومن ثمة علمت أن بإمكانها التأثير في مستقبل بلدان «الربيع العربي»، بحكم امتلاكها الأدوات السياسية والمالية، والإعلامية الكافية؛ للقيام بهذا الغرض، لتحريف المسار الثوري نحو خط مصالحها.

لكن بلدان الخليج المعنية، لم تتفق دائمًا حول الجهة التي يجدر بها دعمها، نظرًا لاختلاف مصالحها، ورؤاها المستقبلية. فبينما دعمت الدوحة الإخوان المسلمين في مصر، ساندت السعودية والإمارات النظام العسكري والقوى العلمانية. أما في البحرين فقد عملوا سويًا على ردع الاحتجاجات الشعبية والحفاظ على النظام القائم.

في ليبيا، بعد إطاحة نظام القذافي، وقفت الإمارات والسعودية وراء البرلمان الليبي المحسوب على ما يُسمى بالتيار المدني، في حين فضلت قطر الوقوف وراء المؤتمر الوطني المحسوب على الإسلاميين. وفي سوريا واليمن، اتفق الجميع على دعم المعارضة باختلاف أطيافها ضد نظام الأسد المدعوم من إيران، ونظام عبد الله صالح المتعاون مع الحوثيين.

بدا الأمر أشبه بحرب وكالة تدور رحاها في دول الثورات العربية، بين قطر والسعودية والإمارات، أحيانًا تقتصر على المجال السياسي، وأحيانًا أخرى تتطور إلى مواجهة عسكرية بأجندات محلية كالحال في ليبيا. بيد أن هذا الشقاق الخليجي لا يظهر جليًا على السطح، حفاظًا على اللُحمة الخليجية ضد الخطر الإيراني.

لم تكن تونس استثناءً من التجاذبات الخليجية، حيث حظيت حركة النهضة بدعم قطر، بينما تدعم الإمارات والسعودية حزب نداء تونس، إلا أن هذه التجاذبات الخليجية تبقى على أي حالٍ أخف حدة بالمقارنة مع دول الثورات الأخرى، إذ أبدت القوى السياسية والمدنية التونسية نوعًا من التمنع أمام محاولات الاحتضان التام من قبل الأطراف الخارجية الخليجية، ما أكسبها بعض الاستقلالية في القرار.

وحتى ندرك طبيعة العلاقة التي ربطت تونس والسعودية، بعد ثورة الياسمين، ينبغي التمييز بين فترتين: فترة حكومة «الترويكّا» بقيادة حركة النهضة التونسية، والفترة الحالية بقيادة حزب نداء تونس.

برود بين تونس والسعودية في ظل حكومة الترويكا

«إن المملكة السعودية مهددة بثورة»، كان هذا تصريح راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة التونسية، خلال زيارته إلى الولايات المتحدة الأمريكية، في ديسمبر (كانون الأول) 2011، وذلك على خلفية استقبال السعودية للرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي. وقد أثار التصريح حملةً إعلامية سعودية ضد حركة النهضة.

اعتُبر ذلك حينها مؤشرًا كافيًا لطبيعة العلاقات التونسية السعودية المقبلة، وبالفعل بعد مجيء حكومة الترويكا بقيادة حركة النهضة التونسية، عرفت العلاقة فتورًا حادًا ليس له مثيل في تاريخ العلاقات بينهما، بلغ مداه عندما بدا واضحًا الغياب السعودي في احتفالية تونس، بمناسبة استكمال دستور ثورتها المتوافق عليه، في الوقت الذي حضر فيه ممثلو مختلف البلدان لتهنئة تونس بهذا الإنجاز. الأمر الذي أظهر «الموقف الصفري» للرياض تجاه الثورة التونسية ككل.

وفي محاولة لإذابة الجليد في العلاقات الثنائية بين البلدين، قام أحمد الجبالي، القيادي في حركة النهضة ورئيس حكومة الترويكا حينها، بزيارة إلى الرياض، صرّح خلالها: «نحن نرى أن السعودية حجر الزاوية للسياسة الخارجية التونسية، ونسعى إلى تحقيق هدف إستراتيجي مهم، هو دعم العلاقات بين تونس والسعودية، ولسنا مستعدين للتضحية بهذه العلاقات في سبيل تسليم زين العابدين»، إلا أن ذلك لم يغير من برودة الرياضة في تعاطيها مع حكومة الترويكا.

ويعود التوتر بين السعودية وحركة النهضة التونسية، حسبما روى زعيمها راشد الغنوشي، في مداخلة له على شاشة قناة الجزيرة، منذ أن منعته السلطات السعودية، أواسط التسعينات من القرن الماضي، من أداء فريضة الحج، مرغمة إياه على مغادرة الأماكن المقدسة، وهو بلباس الإحرام حينها، بإيعاز من «بن علي».

كما لم يرق للسعودية الرئيس التونسي السابق، منصف المرزوقي، الذي وُصفَ بـ«الصدامية وافتقاد الدبلوماسية»، إذ لم ينفك يندد باحتضانها الرئيس المخلوع «بن علي»، مستنكرًا: «كيف يمكن لبلاد الحرمين، أن تستقبل شخصًا أساء للإسلام والمسلمين».

ولربما كان الموقف الوحيد الذي توافقت فيه السعودية مع حكومة النهضة، هو تجاهل الأخيرة تلبية دعوات زيارة عدة من قبل الرئيس الإيراني السابق أحمد نجادي، إلا أنه في كل مرة كانت الزيارة تُؤجل، رغم وعد إيران بتقديم مساعدات سخية، بحسب ما كشفت عنه ويكيليكس.

بعد رئاسة السبسي.. مد وجزر في العلاقة بين تونس والسعودية

كانت زيارة الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، في 23 ديسمبر (كانون الأول) 2015، بمثابة ميلاد جديد للعلاقات السعودية التونسية، وعودتها إلى ما كانت عليه في عهد «بن علي»، وقّع البلدان خلالها على اتفاقيتي قرض بقيمة 659 مليون دينار، لتمويل مشروع محطة توليد الكهرباء بمدينة المرناقية، شمال تونس العاصمة.

أيضًا بلغت استثمارات الرياض 900 مليون دولار، أما قيمة المشاريع التنموية التي يمّولها الصندوق السعودي للتنمية، فوصلت إلى 500 مليون دولار، ناهيك عن قرض للسكن الاجتماعي بقيمة 150 مليون دولار لبناء أربعة آلاف وحدة سكنية في سبع ولايات تونسية.

وكان من الواضح، أن الإمارات والسعودية تدعم، منذ 2011م، حزب نداء تونس ضد حركة النهضة، التي بدا واضحًا دعم قطر لها، في سياق الصراع الخليجي- الخليجي، للتحكم في «الربيع العربي»، حسب مصالح كل جهة. ذلك ما كشفت عنه إحدى وثائق ويكيليكس، التي تظهر أن المملكة السعودية تبدي اهتمامًا بالغًا بالإعلام في بلاد الياسمين، فحسب الوثيقة، السعودية تحاول السيطرة على وسائل الإعلام المؤثرة، سواء بتمويلها أو باستمالة القائمين عليها، وتوطيد العلاقة معهم ودعوتهم للقاءات والندوات.

لكن بالمقابل، لم تكن العلاقة تبعية بالشكل الذي كانت ترغبه الرياض، بعد تسلم حزب نداء تونس السلطة، إذ اختلفت القيادتان السعودية والتونسية في عدة قضايا إقليمية، منها مسألة قطع العلاقة مع سوريا، فبحسب رويترز اعتبر وزير الخارجية التونسي، الطيب البكوش، القرار أمرًا غير صائب، قائلًا، إنّ «من مصلحة الجالية التونسية، ومن مصلحة تونس، أن يكون هناك تمثيل قنصلي في سوريا»، بخلاف حكومة النهضة التي طردت السفير السوري مبكرًا في 2012.

كما أنّ تونس أيدت وجود «حوار وطني واسع» في كلٍّ من ليبيا وسوريا واليمن، فحسب ما جاء في بيان مشترك بين الخارجية التونسية ونظيرتها الروسية، فإنّ «ضمان التوصل إلى توافق دون تدخلات خارجية وإملاءات، هما الطريقان الوحيدان الموثوق بهما لتحقيق تسوية سياسية طويلة الأمد للتوتر الداخلي والمواجهة في ليبيا وسوريا واليمن ودول أخرى»، وهي رُؤية لا يبدو أنها مُتفقة مع تحركات السعودية.

وكانت آخر معارضات تونس لسياسة السعودية، استياء رئيس الجمهورية، الباجي قائد السبسي، علنيًّا، من قرار مجلس وزراء الداخلية العرب، الذي صنف حزب الله «منظمة إرهابية».

ونتيجة لهذا التعنت الذي يبديه حزب نداء تونس الحاكم في السلطة، أمام التوجهات السعودية، ولا سيما بعد رواج تقارب بين تونس وإيران في الآونة الأخيرة، عادت السعودية للتصالح مع النهضة، حين استقبلت قائدها راشد الغنوشي رسميًّا، في التاسع من يونيو (حزيران) 2015، وهو ما لم تفعله الرياض طيلة فترة حكم النهضة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد