رُبما فكرتي كثيرًا من قبل فيما إذا كان الطعام الذي تُعطينه لطفلكِ يُساعده على بناء جسد صحي وعظام قويّة، وما إذا كان الطعام الذي تزودينه به يمدّه بالطاقة اللازمة التي تُمكنّه من أداء مهامه الحركية والذهنية بشكل جيد أم لا، لكن هل فكرتي من قبل فيما إذا كان الطعام الذي يتناوله طفلكِ يؤثر إيجابًا على صحته النفسية أو العقلية؟ إذا كانت إجابتكِ بـ«لا» فتابعي فقط قراءة السطور التالية لمعرفة كيفية تأثير الطعام الذي يتناوله طفلكِ على صحته العقلية أو النفسية.

الطعام والصحة العقلية

قد يواجه طفلكِ ضغطًا اجتماعيًا للحفاظ على شكل جسمه، لكن إذا كان طفلكِ يُعاني من زيادة الوزن فهذا يجعله أكثر عُرضة للإصابة بمشاكل الصحة العقلية، وقد يكون مُعرّضًا لمُشكلات مثل الاكتئاب، والقلق المرضي، والاضطرابات الناتجة عن الصورة الذاتية السلبية عن الجسد.

وفقًا لإحصاءات أصدّرتها «إن إتش إس ديجيتال NHS Digital» حول الصحة العقلية للأطفال والشباب في إنجلترا، وجد استطلاع أُجري في عام 2004، أن طفلًا من كل 10 أطفال تتراوح أعمارهم بين الخامسة و15 عامًا، يُعاني من اضطراب في الصحة العقلية، هذا الاضطراب إما عاطفي، أو سلوكي، أو فرط نشاط، أو غير ذلك من الاضطرابات؟

وفي عام 2017 ارتفعت هذه النسبة إلى طفل من كل تسعة أطفال، وإذا تم تضمين الأطفال الأكبر سنًا، لتشمل الإحصائية الأطفال والشباب الذين تتراوح أعمارهم بين الخامسة و19 عامًا، نجد أن طفلًا من كل ثمانية يُعاني من اضطراب نفسي واحد على الأقل.

Embed from Getty Images

وقد أظهرت الدراسات أنه يُمكن ربط الحالة الصحيّة النفسية والعقلية بما يتم تناوله من طعام، وذلك وفقًا لمقال تم نشره على مدونة هارفارد الصحيّة، فتناول أحماض أوميجا 3 الدهنية – التي تتواجد في الأسماك والمأكولات البحرية – يعمل على لتحسين الحالة المزاجية، ونظرًا لأن الاكتئاب يبدو أقل شيوعًا في الدول التي يأكل فيها الناس كميات كبيرة من الأسماك، فقد بحث العلماء فيما إذا كانت زيوت السمك قد تمنع أو تعالج الاكتئاب واضطرابات المزاج الأخرى.

وقد وجدوا أن أحماض أوميجا 3 يمكن أن تنتقل بسهولة عبّر غشاء خلية الدماغ وتتفاعل مع الجزيئات المرتبطة بالحالة المزاجية داخل الدماغ، وأن لها أيضًا قدرة مضادة للالتهابات وهو ما قد يُساعد في تخفيف الاكتئاب.

تأكيدًا على ما سبق، وجدت دراسة نُشرت عام 2017 أن اتباع نظام غذائي على طراز البحر الأبيض المتوسط​، وهو نظام غذائي غني بالخضروات، والفواكه، والبقوليات، والمكسرات، والفاصوليا، والحبوب، والأسماكئ والدهون غير المشبعة، مثل زيت الزيتون، والذي يتم التركيز خلاله على زيت السمك، أدى إلى تقليل الاكتئاب بين المشاركين في الدراسة.

كذلك ووفقًا للدراسات ترتبط النظم الغذائية السيئة التي تحتوي على نسبة عالية من الدهون المُشبّعة، والأطعمة المُصنّعة، والكربوهيدرات المُكررة، بصحة عقلية أسوأ لدى الأطفال والمراهقين.

مُراجعة أخرى أُجريت على نحو 12 دراسة، لتحديد ما إذا كان هناك ارتباط بين جودة وأنماط النظام الغذائي من جهة وبين الصحة العقلية لدى الأطفال والمراهقين من جهة أخرى؛ توصلت إلى وجود علاقة مقطعية كبيرة بين الأنماط الغذائية غير الصحية وضعف الصحة العقلية لدى الأطفال والمراهقين ووجود اضطرابات، مثل الاكتئاب أو القلق، وقد لاحظ الباحثون أيضًا وجود رابط بين النظام الغذائي الجيد وتحسين الصحة العقلية.

إذًا.. ما هو سر تأثير الطعام الذي نتناوله على الصحة العقلية؟

هناك ثلاث طرق رئيسة وفقًا لموقع ناتشورال سوبر كيدز، يُمكن من خلالها فهم تأثير الطعام على الصحة العقلية، وهي:

1. مدى توفيره العناصر الغذائية اللازمة لعمل الدماغ بكفاءة

الدماغ مثل أي عضو آخر بجسدك، يحتاج إلى توافر العناصر الغذائية لكي يعمل بكفاءة، هذه العناصر غير مُتوافرة في كثير من الأطعمة السريعة والمُصنعة التي يتناولها الأطفال حاليًا، وهو ما يعني أن نسبة كبيرة من الأطفال اليوم تُعاني من نقص التغذية.

هذه العناصر الغذائية تأتي من الأطعمة الكاملة الغنية بالألياف مثل الفاكهة والخضروات، ومن الدهون الجيدة ومصادر البروتين عالية الجودة. أحد الجوانب الرئيسة التي يتم النظر إليها عند التعامل مع الحالة المزاجية للطفل ووظيفة الدماغ هو ما إذا كان يحصل على ما يكفي من العناصر الغذائية لتغذية نظامه العصبي أم لا.

2. الالتهاب وتأثيره على الدماغ

قد تعرفين أن الالتهاب له علاقة بالعديد من المشكلات الصحية الشائعة. لكن ما تم اكتشافه مؤخرًا أن تأثير الالتهاب يمتد إلى الدماغ أيضًا، ويمكن للأطعمة المُصنّعة والمُكررة والسكرية أن تُعزز الالتهاب، بينما يمكن للأطعمة الصحيّة والمُغذيات أن تُقلل من مستويات الالتهاب في الجسم.

3. القناة الهضمية وتأثيرها على الدماغ

العلاقة بين القناة الهضمية والدماغ علاقة ذات اتجاهين، فلكل منهما تأثير على الآخر، فيمكن أن يكون للقناة الهضمية آثار هائلة على الحالة المزاجية ووظيفة الدماغ.

فقد أظهرت الدراسات التي أُجريت على الحيوانات أن زرع البراز من شخص بالغ مكتئب في فأر أدى إلى ظهور أعراض الاكتئاب على الفأر، بينما عندما تم زرع الفضلات من شخص غير مكتئب، لم تكن هناك تغييرات، ما يدل على أن حالة بكتيريا الأمعاء يمكن أن يكون لها تأثير كبير على الدماغ.

لكن.. كيف يُمكننا إقناع الأطفال بتناول الطعام الصحي؟

هناك بعض النصائح والخطوات البسيطة التي يُمكنكِ الاستعانة بها لإقناع أطفالكِ بتناول الطعام الصحي الذي يُحسّن حالتهم المزاجية ويُعزز صحتهم النفسية، ومنها:

1- تحدثي مع طفلك حول الطعام الصحي والعناصر المُغذية

المعرفة هي نصف طريق الإقناع، حاولي تنمية وعي طفلكِ حول الطعام والعناصر المُغذّية، عرّفيه أهمية الفيتامينات والمعادن، علّميه أن الخضراوات والفاكهة هي أطعمة مُفيدة ولذيذة ويُمكن الاستمتاع بمذاقها، وأنه لن يتم حرمانه بالكامل من الوجبات السريعة التي يحبها، ولكن النسبة الغالبة من طعامه يجب أن تكون من الأطعمة الصحيّة.

Embed from Getty Images

2- اجعلي الطعام يحتوي على العناصر الغذائية الرئيسة اللازمة لصحة الدماغ

العناصر الغذائية الرئيسة التي تجب مراعاتها هي:

  • أحماض أوميجا 3 الدهنية، والتي يُمكن أن تجدينها في الأسماك الزيتية، مثل السردين، والسلمون، والماكريل.
  • الزنك ويوجد في البروتينات الحيوانية، مثل الدجاج، والبيض، وكذلك البقوليات، وبعض المكسرات، والبذور.
  • فيتامين ب 12 وحمض الفوليك يلعبان دورًا في إنتاج المواد الكيميائية في الدماغ.
  • الماغنيسيوم، ويوجد في المكسرات، والبذور، والبقوليات، والخضروات ذات الأوراق الخضراء.
  • الألياف والتي تجدينها في الخضراوات والفاكهة.

إذا وجدت مُقاومة من طفلكِ لهذه الأطعمة، فيُمكنكِ إدخالها بهدوء وبنسب قليلة للغاية في طعامه المألوف، يُمكنكِ مثلًا إدخال بعض قليل من أوراق الجرجير المُفيدة إلى عصيره المُفضّل، أو إضافة بعض الأعشاب الطازجة إلى صلصة السباجيتي.

3- كوني قدوة جيدة

يتأثر طفلكِ بما يراك تفعلينه أكثر مما تقولينه له، تناولي طعامًا صحيًّا ومُغذيًّا ودعي طفلكِ يُقلّدكِ، لن يقتنع طفلكِ أبدًا بأهمية الخضراوات والفاكهة والأسماك، إذا كان يرى أن نظامكِ الغذائي مُنصبًا بشكل رئيس على الأطعمة السريعة والمُصنعة.

4- تجنبي المكافآت القائمة على الأطعمة السيئة

كيف يمكن لطفلكِ فهم أن ساندويتش البرجر، أو علبة الشوكولولاتة، هي أطعمة «سيئة» إذا كُنتِ تستخدمينها لمُكافآته على سلوكه «الجيد»، لا تُخبري طفلكِ أنه سيُكافأ بقطعة شوكولاتة كبيرة إذا جلس هادئًا، أو أنه إذا أنهى واجبه المدرسي ستُحضرين له ساندوتش البرجر من محله المُفضّل.

صحة

منذ سنة واحدة
«الكولين».. المادة الضرورية لبناء عقولنا التي ننساها في طعامنا

المصادر

تحميل المزيد