انطلق يوم الجمعة الماضي، 22 أبريل (نيسان)، صاروخ روسي يحمل قمرًا صناعيًا فرنسيًا، يهدف لاختبار نظرية عالم الفيزياء الأشهر ألبرت أينشتاين، النظرية النسبية.

القمر الصناعي الذي أطلق عليه اسم «ميكروسكوب»، وهو اختصار لعبارة بالفرنسية تعني القمر الميكرو لملاحظة وتعويض مبدأ التكافؤ، صمم بهدف اختبار قلب النظرية النسبية العامة التي أعلن عنها أينشتاين عام 1915، والتي تعطينا أفضل وصف ممكن للجاذبية تمكن البشر من الوصول إليه.

قلب النظرية النسبية

يهدف القمر الصناعي التابع للمركز الوطني لأبحاث الفضاء الفرنسي، إلى اختبار فكرة عالمية السقوط الحر لأول مرة في الفضاء، باستخدام تجربة أكثر دقة بحوالي 100 ضعف من أي تجربة سقوط حر أجريت على كوكب الأرض. ونقصد بمبدأ التكافؤ هنا هو فكرة وصول جسمين مختلفي الكتلة إلى سطح الأرض في نفس الوقت عند إلقائهما في نفس اللحظة في مجال الجاذبية الأرضية. عندما تلقي مسمارًا وجهاز تكييف من أعلى ناطحة سحاب فإنهما يصلان إلى الأرض في نفس اللحظة رغم اختلاف الكتل بشكل واضح، هذه هي الفكرة.

وحتى نفهم الأمر أكثر دعونا نعد للبداية. في القرن السابع عشر، تصور العالم الإيطالي غاليليو إمكانية القيام بتجربة، لكنه لم يقم بها عمليًا، يتم فيها إلقاء جسمين لهما تركيب مختلف وكتل متفاوتة في نفس اللحظة من فوق قمة برج إيفل في باريس. نظريته كانت تقول إنه نتيجة لوصول الجسمين في نفس اللحظة إلى سطح الأرض، فإنه في الفراغ تسقط جميع الأجسام بنفس السرعات.

هذه النظرية هي ما أطلقنا عليها عالمية السقوط الحر أو التساوي بين كتلة الجاذبية وكتلة القصور الذاتي. بعد ذلك، جاء العالم الألماني ألبرت أينشتاين ليعبر عن هذه النظرية من خلال مبدأ التكافؤ، وهو الذي جعله أساس النظرية النسبية العامة. من هنا فإذا قمنا بإثبات خطأ مبدأ التكافؤ، فإننا نثبت خطأ النظرية النسبية ونعيد تغيير مفاهيمنا الفيزيائية.

مبدأ التكافؤ

وعلى الرغم من أنه في الآونة الأخيرة تحقق العلماء من هذا المبدأ بدرجة دقة تصل إلى جزء من الرقم عشرة مرفوعًا للأس رقم 13 بالسالب، إلا أن هذا المبدأ يحاول بعض العلماء الدفع به إلى أقصى حدوده، من خلال نظريات جديدة تسعى للتوفيق بين قوة الجاذبية والقوى الثلاث الأخرى الأساسية والمهيمنة على الكون؛ القوة الكهرومغناطيسية، والقوة النووية الصغرى، والقوة النووية الكبرى. هذه النظريات تتوقع حدوث انتهاكات لمبدأ التكافؤ في المستويات الضعيفة جدًا جدًا.

للمزيد عن القوى الكونية، اقرأ: 4 قوى كونية رئيسية تهيمن على كل ذرة من ذرات الكون

نسبية أينشتاين

المركز الفرنسي لأبحاث الفضاء

ميكروسكوب يسعى لسبر أغوار هذه الحدود بشكل أكبر والوصول لمستويات أكثر بعدًا، واختبار مبدأ التكافؤ بدقة تصل إلى الرقم 10 مرفوعًا للأس سالب 15. في الفضاء من الممكن دراسة الحركة النسبية لجسمين في حالة سقوط حر مثالي ودائم بواسطة الأقمار الصناعية، بعيدًا عن الاضطرابات والتداخلات الموجودة على سطح الأرض، وبخاصة الاضطرابات الناتجة عن الهزات الأرضية. عمليات القياس الخاصة بالسقوط الحر للأجسام في الفضاء يمكن أن تستمر لعدة أشهر وهو ما يعطي نتائج أكثر دقة.

ولا يعلم العلماء تحديدًا السر وراء مبدأ التكافؤ هذا، ولماذا تقوم الأجسام المختلفة بنفس هذا السلوك المتشابه. الكثير من العلماء يقولون أن مبدأ التكافؤ هو مبدأ صحيح تقريبًا في انتظار تجارب أكثر دقة تثبته أو تنفيه.

التجربة الموضوعة

ومن أجل تحقيق هذا الأمر، فسيتم استخدام أسطوانتين من مادتين مختلفتين ومتحدتي المركز، إحداهما مصنوعة من التيتانيوم والأخرى مصنوعة من سبيكة البلاتين والروديوم. وستتم السيطرة عليهما بدون حراك بشكل دقيق جدًا نسبةً إلى القمر الصناعي داخل متسارع كهربائي مستقل.

إذا تعرضت هاتان الأسطوانتان إلى نفس عملية التسارع، فهذا معناه إثبات إضافي على صحة مبدأ التكافؤ، بينما إذا اختلفت قيمة التسارع التي تعرضت كل أسطوانة لها، فهذا يعني انتهاكًا لمبدأ التكافؤ، وهو ما يعني أن أسس الفيزياء ستتعرض لهزة قوية غير مسبوقة.

هذه التجربة ستجرى على متن قمر صناعي يبلغ وزنه 300 كيلوغرام، وهو أثقل من الأقمار الصناعية المعتادة التي يبلغ وزنها بين 100 إلى 150 كيلوغرامًا.

النظرية النسبية والجاذبية

وكان العالم الشهير ألبرت أينشتاين قد نشر بحثين: الأول عام 1905 بعنوان النسبية الخاصة، والثاني عام 1915 بعنوان النسبية العامة. هذان البحثان كانا سببًا في تغيير عدة مفاهيم فيزيائية بشكل ثوري من بينها مفهوم الجاذبية. فحسب نظرية نيوتن فإن الجاذبية ما هي إلا «قوة»، ونصت نظريته على أن الأجسام تجذب بعضها البعض طبقًا لكتلتها، وتعتمد قوة الجاذبية على مربع المسافة بين الجسمين المتجاذبين. هذه القوة هي التي تُبقي الكواكب في مساراتها.

تفسير نيوتن جاء من خلال توصله إلى أن مدار حركة القمر يعتمد على نفس نوع القوة التي تجعل التفاحة تسقط على الأرض. هذه النظرية تتطلب أن يتناقص مقدار هذه القوة وأن يتناسب هذا التناقص عكسيًّا مع مربع المسافة بين الجسم ومركز الكرة الأرضية.

نسبية أينشتاين

الجاذبية في الفضاء


لكن طبقًا لأينشتاين فإن الجاذبية هي «مجال» وخاصية من خصائص المكان. النسبية تقول إن الجاذبية عبارة عن انحناءات في الفراغ تتسبب بها الكتلة، وكلما كانت كتلة الجسم أكبر كلما كان انحناء الفضاء أو الفراغ حوله أكبر. وتشير أيضًا إلى أن الأجسام ذات الكتلة الأقل سوف تقع في الانحناء الذي صنعه الجسم الرئيسي ذو الكتلة الأكبر، وبالتالي فإن الجسم الرئيسي سيقوم بأسر الأجسام الصغيرة في مجال جاذبيته.

ونتيجة لهذا التغيير الثوري في مفهوم الجاذبية – بالإضافة لدمج الزمن بعدًا رابعًا – فإن النظرية النسبية أصبحت واحدة من أشهر نظريتين في القرن العشرين مع نظرية الكم. النسبية رغم نظرة العلماء لها بريبة في فترتها الأولى، إلا أن التجارب العديدة التي أجريت لإثبات معادلاتها الرياضية واستنتاجاتها النظرية، جعلتها هي أفضل نموذج توصل إليه البشر يصف قوة الجاذبية، وهي إحدى القوى المهيمنة على الكون، وتصف حركة الأجسام الكبيرة في الفضاء بدقة كبيرة.

للمزيد عن مفهوم الجاذبية، اقرأ: كيف تغير مفهومنا لمصطلح الجاذبية على مر السنين؟

السقوط الحر

هناك الكثير من الناس يعتقدون أن ليس هناك جاذبية في الفضاء الخارجي، وأنه بمجرد أن نقوم بالخروج من الغلاف الجوي للأرض، فإننا لا نكون تحت تأثير جاذبية الأرض أو أية أجرام سماوية أخرى. قد يبدو هذا الأمر صحيحًا ظاهريًّا، لكن الحقيقة تختلف عن هذه النظرة البسيطة؛ فكيف يمكن إذًا أن نفسر دوران القمر حول الأرض؟ ودوران الأرض حول الشمس؟ ودوران المجموعة الشمسية حول مركز المجرة؟ أليس هذا كله بفعل الجاذبية.

هنا علينا أن نفرق بين ما يشعر به رواد الفضاء من «انعدام الوزن»، وبين ما يذهب البعض لتسميته بانعدام وجود الجاذبية في الفضاء. فكل كائن في الفضاء هو في الحقيقة تحت تأثير عدد لا يحصى من قوى الجاذبية، إلى درجة أنه خاضع لجاذبية الثقوب السوداء أيضًا.

كل جسم أو مركبة فضائية موجودة خارج سطح الأرض هي في الحقيقة تحت تأثير عملية سقوط حر باتجاه الأرض. الأجسام التي تدور حول الأرض هي أجسام تسقط باتجاه الأرض، لكن ما يمنعها من الاقتراب من الكوكب هو أنها تقوم بتوليد سرعة أفقية (أو يطلق عليها السرعة المماسية) بحيث يظل الجسم ينزلق في مسار دائري عمودي على اتجاه قوة الجاذبية الأرضية، مما يشكل «مدارًا» لهذا الجسم حول الأرض.

عرض التعليقات
تحميل المزيد