«عليك أن تسترخي في إجازتك الأسبوعية حتى تستعيد نشاطك في العمل لاحقًا»، «المهم هو أن تسترخي ولا تقوم بأي عمل في إجازتك الصيفية التالية حتى تعود نشيطًا»، هذه بعض النصائح التي دائمًا ما نسمعها حول أهمية الاسترخاء في أوقات الإجازات، والابتعاد عن العمل، لكن هل بالفعل نعرف الطريقة الصحيحة للاسترخاء؟

ربما مررت بهذه التجربة، أن تعود من إجازة طويلة إلى العمل بكثير من الخمول والكسل، رغم أنك سافرت وابتعدت تمامًا عن أجواء العمل، معتقدًا أنك ستعود بكامل نشاطك وحماستك. البعض منا يربط فكرة الاسترخاء بالجلوس دون فعل شيء، لكن الاسترخاء لا يقتصر على هذا الفعل فقط، بل له أشكال وطرق أقوى تأثيرًا. لنتعلم  طريقة الاسترخاء الصحيحة!

مهمة مستحيلة.. كيف تسترخي وسط عالم التقنيات الذكية؟

ربما تكون الصورة النمطية للاسترخاء عند كثير من الناس هي قضاء الأمسيات على أريكة مريحة ومشاهدة التلفاز لساعات. وربما لا مانع من إلقاء نظرات بين الحين والآخر على «فيسبوك» و«إنستجرام»، وربما حتى «تيك توك»، بالإضافة إلى متابعة بعض مجموعات الأصدقاء على «واتساب». لكن هذه الصورة النمطية عن الاسترخاء، ليست صحيحة بالتأكيد.

الاسترخاء أصبح أمرًا صعبًا على نحو متزايد وسط عالمنا الرقمي. البعض تصيبه الكثير من الحيرة عندما يجد نفسه في المنزل بمفرده بعد أسبوع عمل شاق، إذ غالبًا يكون هذا الشخص بلا أي فكرة عما يجب عليه فعله في هذا الوقت المتاح. البعض يقع في هذا الفخ وينتهي به المطاف بالتحديق لساعات في شاشة هاتفه المحمول متنقلًا بين وسائل التواصل الاجتماعي وربما بعض الألعاب الخفيفة، قبل أن ينظر إلى الساعة ليحمل نفسه نحو فراشه وسؤال كبير يدور برأسه: أين ذهب هذا الوقت الطويل؟

Embed from Getty Images

(الاسترخاء لا يعني الجلوس أمام التفاز لساعات)

من الواضح أن هذه مشكلة شائعة، ليس فقط في حياة المواطنين البسطاء، ولكن حتى بين كبار المشاهير في العالم. قالت الممثلة ديان كيتون في تصريح صحفي: «لن أعلم ما الذي سأفعله خلال إجازة لمدة أسبوع». كلما حصلت هذه الممثلة على إجازة فإنها تشعر بالقليل من الذعر بالفعل، أو تحاول التخطيط لخطوتها التالية في العمل. هي بالفعل لا تعلم كيف تسترخي، وهذا أمر ليس جيدًا على الإطلاق لصحة الإنسان الذهنية والجسدية.

وعند سؤال إيلون ماسك، المدير التنفيذي لشركتي «سبيس إكس» و«تسلا»، حول كيفية قضاء وقت راحته بعد العمل، أجاب أن أجندته بعد العمل غالبًا ما تكون المزيد من العمل.

يمكن ملاحظة الحاجة إلى مصدر بسيط للاسترخاء في الزيادة الكبيرة في مبيعات الكتب التي توفر التوجيه الروحي حول كيفية العيش في عالم محموم. يمكنك أيضًا التأكد من هذا من خلال تطبيق التأمل الذي تم تنزيله أكثر من 15 مليون مرة على الهواتف الذكية حول العالم. أولئك الذين أنفقوا أموالهم على مثل هذه المنتجات كانوا يبحثون عن إجابات للأسئلة نفسها، وما زال الكثيرون منا يواصلون البحث.

6 فوائد لليوجا قد تجعلك تبدأ في تعلمها من الآن

تملك هاتفًا ذكيًّا؟ وداعًا للاسترخاء وأهلًا بالطبيب

وفق تقرير صادر عن مؤسسة «Ofcom» صيف عام 2018، فإن معظم الناس في المملكة المتحدة يعتمدون على أجهزتهم الرقمية ويحتاجون إلى اتصال دائم بالإنترنت. ووجد أن 78% من البريطانيين يمتلكون الآن هاتفًا ذكيًّا، وترتفع هذه النسبة بين الشباب بين سن 16 إلى 24 عامًا إلى 95%. ويقول التقرير إننا نتحقق من هذه الهواتف في المتوسط ​​كل 12 دقيقة من حياتنا خلال فترة الاستيقاظ، مع شعور 54% من هؤلاء أن هذه الأجهزة تقاطع محادثاتهم مع الأصدقاء والعائلة، ويشعر 43% منهم أنهم يقضون وقتًا طويلًا عبر الإنترنت. كل هذه البيانات توضح أنه لا يمكننا الاسترخاء بسبب هذه الأجهزة المحيطة بنا، بل إننا لا نعرف كيفية الاسترخاء بدونها. سبعة من كل 10 بريطانيين لا يطفئون هذه الأجهزة أبدًا.

Embed from Getty Images

تقول عالمة النفس راشيل أندرو إنها ترى هذه المشكلة كل يوم في غرفتها الاستشارية، ويزداد الأمر سوءًا. فلقد لاحظت ارتفاعًا في إقبال الناس على استشارتها، على مدى السنوات الثلاث إلى الخمس الماضية، لأشخاص يجدون صعوبة متزايدة في إغلاق هواتفهم والاسترخاء. وأوضحت أن هذه الممارسة الخاطئة تمتد من عمر 12 إلى 70 عامًا. وتبرز المشكلات نفسها مرارًا وتكرارًا؛ التكنولوجيا والهواتف ورسائل البريد الإلكتروني الخاصة بالعمل ووسائل التواصل الاجتماعي.

الجلوس أمام شاشة الهاتف أو التلفاز قد يتسبب في إدمان المتابعة، حتى ولو كنا نشاهد دون تركيز، بل ربما نأخذ غفوة غير مقصودة في أثناء الفرجة، لنلاحظ أننا نستيقظ بعدها بعقل مرهق للغاية كما لو أنك تناولت الكثير من الوجبات السريعة. ربما تستيقظ وأنت في حالة ارتباك، كان يفترض أن يشعر عقلي بالراحة لكنه الآن يشعر بالوفاة السريرية!

تقنيات الإلهاء للهروب من الذات

يعتقد المحللون النفسيون أن هذا الشعور السلبي يعود إلى حقيقة أننا لم نعد نعرف كيفية الاسترخاء والاستمتاع بأنفسنا. شاشاتنا وما نستخدمها فيه تمثل كلها تقنيات تشتيت الانتباه. لقد اعتاد الناس على البحث عن إلهاء إلى درجة أنهم لا يستطيعون قضاء أمسية مع أنفسهم. إنها طريقة لعدم رؤية الذات؛ لأن الحصول على نظرة ثاقبة إلى النفس يتطلب حيزًا ذهنيًّا، وتستخدم كل تقنيات الإلهاء هذه وسيلة لتجنب الاقتراب من الذات.

دائمًا ما نسمع الناس يشتكون ويقولون إنهم مشغولون جدًّا في أداء أعمالهم، سواء كانت الوظيفة أو رعاية الأسرة. لكن بحلول وقت المساء أو عطلة نهاية الأسبوع عندما تكون هناك احتمالية جيدة لأن يفعلوا ما يريدون، تلاحظ أنه لم يعد هناك طاقة أو حافز لأي شيء سوى التخبط. هذه مشكلة، لأنه كيف يعقل أن تكون الحياة ممتعة أو مرضية على المدى الطويل إذا كنت تفعل فقط ما يجب عليك فعله طوال الوقت؟

لكل منا طريقته في الاسترخاء

قد يكون الأشخاص الذين نشأوا في بيئة أسرية تركزت حول احتياجات الأخ أو الأهل قد أمضوا حياتهم بأكملها ولم يُسألوا أبدًا عما يريدون فعله. وبالتالي يصعب على هؤلاء معرفة ما يريدون فعله بالضبط عندما يحين الوقت. والمشكلة الأخرى هي أنه قد يكون من الصعب فصل رغباتنا عن رغبات الناس من حولنا.

Embed from Getty Images

(لكل منا طريقته في الاسترخاء)

إذا ذهبت في رحلة إلى أوروبا مع زوجتك، فربما تزور كل الآثار التاريخية في كل مدينة تذهب إليها، وبالتالي تسير لساعات طويلة يوميًّا؛ لأنك تحب وتستمتع بهذا السير واستكشاف الأماكن الأثرية. لكن في نهاية الرحلة ستعود زوجتك إلى المنزل وهي في كامل التعب، لأن كل ما كانت تتمناه هو التمدد على الشاطئ وقراءة بعض الروايات، هذا بالنسبة لها هو الأمر الجيد للشعور بالاسترخاء.

حاول أن تجلس بينك وبين نفسك قليلًا لتتذكر كيف كنت تحب قضاء وقتك عندما كنت صغيرًا، استرجع تلك الأوقات الهادئة وأنت جالس تقرأ كتابًا، وأيضًا تلك الأوقات الصاخبة بينما كنت تلعب، تساعد والدتك في خبز الكعك، أو حتى الإرهاق اللذيذ الذي كنت تشعر به بعد مباراة رائعة مع الأصدقاء. ضع قائمة الأشياء التي كنت تشعر من خلالها بالسعادة، هذه بداية جيدة لك أن تستبدل بهذه الأفعال شاشات التلفاز والموبايل.

حوِّل الاسترخاء إلى عادة.. إليك بعض الطرق الفعالة

الاسترخاء عادة، والعادات دائمًا ما يمكن اكتسابها لكنها تحتاج إلى ممارسة ووقت. عندما يتعلق الأمر باستراتيجيات الاسترخاء، كلما كان الأمر أسهل كان هذا أفضل. إذا تمكنت من إيجاد خمس دقائق من يومك لنفسك، سيمكنك الانزلاق بسهولة إلى استراتيجية الاسترخاء البسيطة، والتي من بينها ما يلي:

  1. تمارين التنفس: واحدة من أبسط استراتيجيات الاسترخاء، ويمكن أن تهدئ بفعالية الجسم والعقل المجهدين في أي مكان في أي وقت. الجلوس أو الاستلقاء في مكان هادئ وآمن، على سريرك أو الأرض في منزلك، ووضع واحدة من يديك على بطنك. قم بالاستنشاق مع العد ببطء إلى ثلاثة، ثم قم بالزفير بالعدد نفسه ببطء. اشعر بارتفاع البطن وتحرك الصدر لأعلى وأسفل. كرر ذلك خمس مرات، أو طالما كنت تشعر بالراحة.
  2. حرر جسدك من التوتر: عندما نشعر بالتوتر العقلي، نشعر بالتوتر النفسي أيضًا. إن إطلاق أي توتر جسدي يمكن أن يساعد في تخفيف التوتر في جسمك وعقلك. استلق على سطح ناعم، مثل سريرك أو سجادة أو سجادة يوجا. شد جزءًا واحدًا من أجزاء جسمك في كل مرة، ثم حرر عضلاتك ببطء. في أثناء القيام بذلك، لاحظ كيف تتغير أحاسيس جسمك.
  3. اكتب أفكارك: التخلص من الأشياء عن طريق كتابتها قد يساعدك على الاسترخاء. عندما تشعر بالتوتر، خذ بضع دقائق لتدوين بعض الملاحظات القصيرة حول شعورك أو كيف يسير يومك. يمكنك فعل ذلك في دفتر ملاحظات أو في تطبيق ملاحظات على هاتفك الذكي. لا تقلق بشأن أن تكون التهجئة صحيحة. ركز فقط على التعبير عن نفسك للمساعدة في إطلاق بعض الضغوط.
  4. أنشئ قائمة الامتنان الخاصة بك: يمكن أن يساعد وضع قائمة حول ما تشعر بالامتنان له على شعور بعض الناس بالراحة. يقول الخبراء إنه عندما يتم التشديد علينا، فإننا نميل إلى التركيز على الأجزاء السلبية للحياة بدلًا من التركيز على الإيجابية. قد يساعدك التفكير في الأجزاء الإيجابية من حياتك وتدوينها على الاسترخاء. حاول التفكير في ثلاثة أشياء جيدة حدثت لك اليوم واكتبها، حتى لو كانت أشياء صغيرة مثل إنهاء العمل في الوقت المحدد أو تناول وجبة غداء لذيذة.
  5. أطلق لخيالك العنان: نعم، تخيل أنك هادئ ومسترخٍ. اجلس في مكان هادئ وآمن، مثل غرفة نومك، وابدأ التفكير في مكان في العالم تشعر فيه بالهدوء. أغمض عينيك وتخيل كل التفاصيل المرتبطة بهذا المكان: المعالم السياحية، والأصوات، والروائح، والأذواق، والمشاعر الحسية. على سبيل المثال، إذا كنت تفكر في الشاطئ، فقد تتخيل الأمواج الهادئة، وصوت الأطفال الذين يلعبون على الرمال، ورائحة الواقي من الشمس، ومذاق الآيس كريم البارد، وشعور الرمال تحت قدميك. كلما زاد نشاطك في التصور، زاد الاسترخاء.

Embed from Getty Images

(ابتعد قليلاً عن العالم التكنولوجي)

نصائح أخرى مهمة للاسترخاء.. لا تتردد

  • إذا كنت تقضي وقتًا مع العائلة أو الأصدقاء خلال فترة الاحتفالات والمناسبات والأعياد، يمكنك أن تطلب أن تكون مسؤولًا عن «جدول المرح» الخاص بالمجموعة. لا تفرض نشطًا بعينه، بل اجعل كل فرد يختار نشاطًا ما يجعله سعيدًا ومسترخيًا، ووزعوا الوقت عليها جميعًا. قد يقرر أحد الأطفال أنه يتعين عليكم جميعًا تشغيل لعبة فيديو، وسيقرر شخص آخر الخروج للمشي بالحديقة المجاورة، وثالث سيجبركم جميعًا على خبز الكعك. بهذه الطريقة، يحصل كل شخص على وقته المناسب، وذكرياته الجميلة، وراحة البال والأعصاب.
  • حاول أن تتذكر أكثر ما استمتعت به عندما كنت طفلًا، ثم حدد أهم جانب في هذا النشاط، وابحث عن النسخة المقابلة المناسبة للبالغين. قد لا يمكنك تذكر ذلك، وعليك بالتالي أن تسأل الأصدقاء أو العائلة، أو أن تبحث عن ألبومات الصور القديمة. على سبيل المثال، إذا كنت تحب اللعب في الحفر الرملية، فربما ترغب في تجربة صناعة الفخار، أو إذا كنت تحب بناء الأشياء، فقد ترغب في صنع الخبز.
  • جرب أن تنظر إلى العالم بطريقة جديدة. اسمح لنفسك بالاستكشاف. فقط تجوّل أينما كنت وشاهد ما يمكنك أن تجده من أشياء جديدة كليًّا. حاول أن تجرب أن تتوه قليلًا، كلما وصلت إلى منعطف، اسأل نفسك هل تريد الذهاب إلى اليسار أو اليمين، وانظر إلى أين ينتهي بك الأمر.
  • إذا لم تكن لديك فكرة عن كيفية البدء في الاسترخاء، ربما عليك أن تنظر إلى العلم. هناك مجموعة متزايدة من الأبحاث التي تشير إلى أن الوجود في الطبيعة هو الأمر الذي سينعشك ويرفع من معنوياتك. إن قضاء بضع دقائق في الطبيعة عندما تشعر بالتوتر قد يساعدك على الاسترخاء. عندما تشعر بالإجهاد، اخرج من مكتبك واذهب للسير لمسافة قصيرة، أو مجرد الجلوس في الطبيعة.
  • لكن لا يلزمك بالضرورة أن تكون في الطبيعة لكي تشعر بآثارها التي تقلل من الإجهاد. لقد وجد العلماء أن مجرد النظر إلى صور طبيعية حقيقية وواقعية مليئة بالخضرة لمدة خمس دقائق على شاشة الكمبيوتر يمكن أن تساعد في تهدئتك. لذا، بفضل التكنولوجيا، ما يزال حتى الأشخاص الذين يعيشون ويعملون في مدن كبيرة بعيدًا عن الطبيعة يمكنهم الحصول على آثار الطبيعة المهدئة.

وأخيرًا، تذكر أن الاسترخاء ليس للبالغين فقط، إنه مهم للأطفال والمراهقين أيضًا. إذا شعرت أن طفلك بحاجة إلى الاسترخاء، ساعده في هذه التمارين. والأفضل من ذلك، شارك في تمارين الاسترخاء السهلة هذه مع طفلك. يمكن أن يساعد ذلك في تشجيع التنظيم الذاتي وسلوك الاسترخاء لدى طفلك.

حتى لا تغرق في الفوضى.. هكذا تحافظ على إنتاجيتك خلال الأزمات!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد