يعد البعوض البري واحدًا من أخطر الحشرات على صحة الإنسان لما يحمله أحيانًا من أمراض خطيرة، وأبرز أنواع هذا البعوض هو بعوض «الزاعجة المصرية – Aedes aegypti»، أو ما يطلق عليه اسم «بعوضة الحمى الصفراء»، وينقل أمراضًا مثل فيروس زيكا، وحمى الضنك، والحمى الصفراء، ويسعى الباحثون من سنوات لإيجاد طرق ووسائل لمكافحة انتشار هذا البعوض.

أحد أبرز هذه الوسائل هو إطلاق بعوض معدل وراثيًا يمكنه قتل البعوض البري والسيطرة عليه. والسؤال: ما هذه التقنية؟ وكيف تعمل؟ وهل يمكنها بالفعل القضاء على الأمراض المنقولة عبر البعوض؟

البعوض المُعدَّل وراثيًّا

في أواخر شهر أبريل (نيسان) 2021، أطلقت الشركة البريطانية «Oxitec»، للتكنولوجيا الحيوية، بعوضًا معدلًا وراثيًّا في ولاية فلوريدا الأمريكية. وهذه هي المرة الأولى التي يُطلق فيها هذا النوع من البعوض المعدل وراثيًّا في أمريكا، بعدما سبق أن أطلقته الشركة في البرازيل وجزر كايمان وبنما وماليزيا. وأفادت الشركة أن البعوض البري من نوع «الزاعجة المصرية»، انخفضت كميته بنسبة 90% على الأقل في تلك المواقع بالفعل، وهو ما شجع على إطلاق التجربة في أمريكا لأول مرة.

وضعت الشركة صناديق من بيض البعوض في ستة مواقع، وعلى مدار 12 أسبوعًا التالية، من المفترض أن يخرج من الصناديق حوالي 12 ألف ذكرٍ من البعوض الذي فقَّس حديثًا، وسيكون هذا النوع من البعوض بمثابة تجربة أولية حتى تتمكن الشركة من جمع البيانات قبل تنفيذ تجربة ثانية مع ما يقرب من 20 مليون بعوضة في وقت لاحق من هذا العام.

Embed from Getty Images

بعوض «الزاعجة المصرية – Aedes aegypti»، ويسمى أيضًا بـ«بعوضة الحمى الصفراء»

صممت هذه الشركة البعوض المعدل وراثيًّا، وجميعه من الذكور، ليحمل جينًا قاتلًا، هذا الجين ينتقل إلى السلالات الجديدة من البعوض عندما يتزاوج البعوض المعدل وراثيًّا مع إناث البعوض البري الطبيعية، وصُمم هذا الجين بحيث لا يؤثِّر في الذكور، إلا أنه يمنع الذرية من الإناث من بناء إحدى البروتينات الأساسية، وبالتالي يتسبب في موتها قبل بلوغ مرحلة النضج.

هذا يقلل من عدد الإناث تدريجيًّا ومعه سيقلُّ أعداد البعوض بشكل عام، تخيَّل أن تقضي على كل نساء بلد ما، بالطبع سيشهد انخفاضًا حادًّا في أعداد السكان بشكل سريع نتيجة عدم ولادة أطفال جدد.

أمراض قاتلة ينقلها البعوض

تقليل أو القضاء على مجتمع الإناث بين البعوض يعني عدم إمكانية أن يصاب الإنسان بلدغات البعوض، لأن إناث البعوض هي فقط التي تلدغ الإنسان، بينما يتغذى ذكور البعوض على الرحيق حصرًا، لذلك لا يستطيع البعوض المعدَّل وذريتهم الناجون (لأنهم ذكور) من نقل الأمراض إلى البشر.

في مناطق انتشار البعوض في ولاية فلوريدا، تشكل بعوضة الزاعجة المصرية حوالي 4% من البعوض في المنطقة، ورغم قلته، فإنه يسبب الغالبية العظمى من الأمراض التي ينقلها البعوض إلى البشر.

صحة

منذ شهرين
لماذا نصاب بالحمى؟ تعرف إلى جرس إنذار الجسم ضد غزو الميكروبات والأمراض

وبعوضة الزاعجة المصرية، أو بعوضة الحمى الصفراء، بعوضةٌ يمكنها نشر حمَّى الضنك، وداء الشيكونجونيا، وفيروس زيكا، والحمى الصفراء، وعوامل ممرضة أخرى. فيروس زيكا، على سبيل المثال، يتسبب في ولادات متزايدة لأطفال برأس صغيرة بشكل زائد عن الطبيعي، ويسبب اضطرابًا عصبيًا يمكن أن يؤدي إلى الشلل والوفاة. وفي البرازيل فقط، أصيب مليون ونصف شخص بهذا الفيروس، كما ظهرت 3500 حالة من حالات الرأس الصغيرة في الفترة بين عامي 2015 و2016.

أما الحمى الصفراء فتصيب قرابة 200 ألف شخص سنويًّا حول العالم، غالبيتهم في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، ومن بين هؤلاء، يدخل 15% منهم إلى المرحلة القاتلة للمرض والتي تتمثل في مشكلات بالقلب ونوبات الصرع وغيرها من الأعراض الشديدة.

الزاعجة المصرية.. من أفريقيا إلى العالم

يمكن التعرف إلى هذه البعوضة من خلال علامات بيضاء على أرجلها، وعلامة على شكل قيثارة على السطح العلوي من صدرها، ظهرت هذه البعوضة في أفريقيا، ولكنها توجد الآن في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية والمعتدلة في جميع أنحاء العالم.

Embed from Getty Images

وكما ذكرنا، فإن الأنثى فقط هي التي تلدغُ من أجل الحصول على الدم الذي تحتاجه لإنضاج بيضها، وينجذب هذا البعوض إلى المركبات الكيميائية المنبعثة من الثدييات، بما في ذلك الأمونيا وثاني أكسيد الكربون وحمض اللاكتيك، ويُفضِّل هذا البعوض التكاثر في مناطق المياه الراكدة، مثل مزهريات الزهور، والبراميل المكشوفة، والإطارات المهملة، ولكن أخطر المناطق هي أرضيات الاستحمام الرطبة والمرحاض، لأنها تسمح للبعوض بالتكاثر في البيوت نفسها.

وداعًا للمبيدات الحشرية

تفتح هذه التقنية الباب لإمكانية التخلص من كل الأمراض المنقولة عبر البعوض، والتي تسبب الكثير من الوفيات خصوصًا في الأمريكتين وأفريقيا. والمهم في هذه التقنية، هي أن إطلاق البعوض المعدل وراثيًّا يوفر وسيلة للسيطرة على انتشار البعوض دون استخدام المبيدات الحشرية؛ إذ تلجأ الحكومات إلى تخصيص مليارات الدولارات لمكافحة البعوض، وفي الولايات المتحدة تضطر مجالس الولايات إلى بعض التدابير المكلفة، مثل رش المبيدات الحشرية عبر الطائرات مثلًا.

وطبقًا لما أظهرته تجارب إطلاق البعوض المعدل وراثيًّا في أمريكا والبرازيل وبنما وغيرها من المناطق، فإن إطلاق الملايين من هذا البعوض قد يكون خيارًا أقل كلفة وفعَّالا أكثر، خاصةً وأن مجموعات كبيرة من البعوض أصبحت بالفعل مقاومة للمبيدات الحشرية.

البعوض المعدل وراثيًّا.. بعض الغموض

من المهم أن نذكر أنه ما زالت هنالك أسئلة عن الآثار السلبية لهذا البعوض في الطبيعة، والسؤال الأبرز إذا ما سيكون للبعوض المعدل وراثيًّا تأثيرات غير مقصودة على الحيوانات الأخرى أو النظام البيئي ككل، فعلى سبيل المثال، بعد أن أطلقت شركة «Oxitec» بعوضًا معدلًا وراثيًّا في منطقة جاكوبينا في البرازيل، ظهرت جينات من البعوض المعدل وراثيًّا في مجموعات البعوض المحلية.

هذا الأمر يعني أن الجين القاتل فشل في قتل بعض الإناث قبل البلوغ وحدوث عملية التزاوج، وليس هذا فحسب، بل انتقلت لهذا البعوض المحلي من الإناث جينات من مجموعات البعوض الكوبية والمكسيكية الأصلية التي استخدمت لأول مرة في تكوين البعوض المعدل وراثيًّا.

بكلمات أبسط، فإن البعوض المعدل وراثيًّا لم يتسبب في قتل جميع الإناث كما يفترض، بل نقل بعض جيناته المُعدَّلة والأصلية إلى البعوض المحلي ما أحدث تغيرًا جينيًّا في هذا البعوض، ومن غير الواضح ما إذا كانت هذه الجينات الجديدة قد غيرت بيولوجيا البعوض المحلي أم لا، ولكن العلماء يعكفون على دراسة هذا الأمر حاليًا ومعرفة تأثيراته.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد