خلال التاريخ الإنساني الطويل، تساءل الإنسان الأول عن الأشياء الموجودة حوله محاولًا تفسير الظواهر الطبيعية المختلفة، بقدر ما سمحت له مخيلته وملاحظاته المباشرة آنذاك. وقد تكون تلك النقطة الموغلة في القدم هي بداية التفكير الديني – بمفهومه العام – لدى الإنسان، ومنذ ذلك الوقت لعب الدين – على إطلاقه – دورًا رئيسًا في مسيرة الحضارة الإنسانية وتطورها. اليوم نتعرف إلى أحد الجوانب الحضارية التي تأثرت بالدين لتنتج روائع المنشآت المعمارية المميزة، وهو فن العمارة الذي لقبه الإغريق بـ«أم الفنون».

مصر القديمة: آمون الخفي يجب أن يظل خفيًّا

تميزت الحضارة المصرية القديمة بمجموعة من المفاهيم الدينية المركبة التي ربما لا يمكننا فهمها بشكل كامل، حتى مع معرفتنا باللغة التي كُتبت بها النقوش، وهو الأمر الذي يقره العديد من علماء المصريات، وعلى رأسهم عالم المصريات السويسري إريك هورنونج في كتابه «ديانة مصر الفرعونية – الوحدانية والتعدد». وهورنونج بالأساس متخصص فيما يُعرف بـ«كتب العالم الآخر»، وهي نصوص دينية جنائزية من عصر الدولة الحديثة.

وانطلاقًا من هذا الرابط القوي بين المصريين القدماء ومعتقداتهم الدينية؛ شيدوا المعابد الضخمة من أجل الآلهة مع التزامهم التام بالدلالة الخاصة بكل إله، فقد كانت المقاصير – الغرف – المخصصة للإله آمون – على سبيل المثال- تُصمم بحيث لا يدخلها ضوء الشمس لأن اسمه يعني الخفي أو غير الظاهر، وهنا يتدخل التصور الديني لخلق العمارة التي تتناسب معه وتمثل دلالته الرمزية.

إذا زرت في يوم ما المعبد الجنائزي للملكة حتشبسوت والمعروف بـ«معبد الدير البحري» بمدينة الأقصر جنوب مصر، فستجد في آخر المعبد من الداخل، المقصورة المخصصة للإله آمون، والتي صُمم لها مدخل أصغر – كان يُغطى هو الآخر – بحيث تُبقي تمثاله في ظلام تام تماشيًا مع اسمه ودلالته: الخفي.

 المقصورة المظلمة للإله آمون داخل معبد حتشبسوت بالدير البحري، المصدر: جامعة وارسو، بولندا

وفي مدينة الأقصر أيضًا ستجد منطقة معبد آمون رع، وهي واحدة من ملحقات المعبد الأربعة الرئيسية التي تشكل مجمع معبد الكرنك الهائل والتي بدأ تطويرها معماريًّا تقريبًا في (2055– 1650 ق. م) وعرفت المنطقة كلها باسم «إيبت إسوت» أي المختارة من بين الأماكن، وقد خُصص المعبد الرئيسي الأول للإله الرسمي للعاصمة طيبة في ذلك الوقت، وبعد توحيد الملك منتوحتب الثاني (2060– 2009 ق.م) للبلاد تحت حكمه تقريبًا في عام 2040 ق. م، صعد معه آمون بصفته إلهًا رسميًّا للدولة.

يشغل مجمع معبد الكرنك ككل، نحو 247 فدانًا، ويحتوي على العديد من المعابد الأثرية بينما يغطي معبد آمون وحده، نحو 46 فدانًا، وهي المساحة الأكبر لمعبد واحد. وقد بنى فيه الملك تحتمس الثالث (1479– 1225 ق. م) خلال التوسعات التي أقامها في مجمع الكرنك، مقر الإله آمون في مقصورة مظلمة في قلب المعبد الداخلي ليحافظ على خاصية الخفاء لآمون، وقد دمرت تلك المقصورة أثناء الاحتلال الفارسي لمصر تقريبًا في (490 ق. م)، ليعيد بناءها مرة ثانية الملك فيليب الثالث المقدوني (323- 317 ق. م) على الطراز القديم نفسه في قلب المعبد الداخلي – بعيدة عن المدخل ومحاطة بالظلام – تماشيًا مع المفهوم الديني المتوارث.

العصور الوسطي: قصص الإنجيل المصورة في كاتدرائيات أوروبا

إذا كنت واحدًا من سكان أوروبا في العصور الوسطى، ولم تكن نبيلًا أو ملكًا فلا بد أنك كنت تعيش في أكواخ خشبية صغيرة شبه مظلمة وبداخلها حيوانات مزرعتك. وقد عرفت أوروبا العصور الوسطى طراز العمارة القوطية «Gothic Architecture» أواخر القرن 12، وحتى القرن 16 ميلاديًّا، واستمر هذا الطراز في الوجود ببعض الأماكن الأخرى في أوروبا حتى القرنين 17 و18 ميلاديًّا حسب بعض المصادر.

ظهر الطراز المعماري القوطي للمرة الأولى بفرنسا واستغرق تطوره 150 سنة تقريبًا، وعلى عكس الأديرة التي كانت تقام بالأساس في مناطق بعيدة أو معزولة نسبيًّا عن السكان، كانت الكاتدرائيات القوطية تقام في مناطق عامرة بالسكان تقع تحت ولاية أسقف واحد، يتخذ من مبناها مقره الرسمي، ليتحقق بذلك معنى لفظة «كاتدرا» وهو كرسي الأسقف أو عرشه.

وهنا مرة ثانية يؤثر الدين تأثيرًا مباشرًا في تصميم الكاتدرائيات العملاقة لأنها كانت تُبنى على شكل صليب كبير يمكنك رؤيته من أعلى فقط (منظور الطائر) لتحقق – حسب التقليد المسيحي- تجسيدًا ماديًّا لمفهوم ديني، كما أن  قياساتها الداخلية كانت تتبع القياسات المذكورة في الكتاب المقدس (العهد القديم) لمعبد / هيكل سليمان، وتتجه ناحية الشرق باتجاه القدس، فكلما توغلت في الكنيسة وصولًا إلى المذبح في نهاية الرواق الرئيسي فأنت تتجه شرقًا.

رسم تخطيطي لهيكل كاتدرائية أميان ويُظهر التصميم شكل الصليب الكبير، المصدر: Journal of the Society of Architectural Historians

أشهر الكاتدرائيات القوطية الفرنسية الموجودة على قائمة اليونيسكو لمواقع التراث العالمي، هي كاتدرائية شارتر الواقعة في مدينة شارتر نحو 80 كم، غرب باريس، وكاتدرائية أميان الواقعة على بعد 120 كم شمال باريس، وكذلك كاتدرائية نوتردام بباريس، التي احترقت في عام 2019، وخصصت الحكومة الفرنسية ميزانية وجمعت التبرعات لعملية ترميمها التي تجاوزت السنتين الآن، وسوف تكلف نحو بليون دولار، حسب بعض الخبراء.

صُممت الكاتدرائيات القوطية بحيث تقوم بمهمة دينية وتعطي أجواء روحية في الوقت نفسه، ففي أوروبا العصور الوسطى كانت لغة المتعلمين والمخاطبات الرسمية ورجال الكنيسة هي اللغة اللاتينية، ولم تكن اللغات الأوروبية الحديثة مثل الفرنسية والإنجليزية ذات انتشار واسع كما هي الآن.

وبما أن معظم شعب الكنيسة حينها كان من الفلاحين والعمال الذين لم يكونوا يعرفون اللغة اللاتينية؛ فقد ظهرت الحاجة لدى رجال الكنيسة لرواية قصص الكتاب المقدس من خلال وسيلة بصرية لا يحتاج فيها الشخص إلى القراءة، ومن تلك الحاجة الدينية ولدت روائع فن الزجاج الملون الذي يحكي قصص الكتاب المقدس عبر نوافذ زجاجية ملونة وكبيرة.

وقد حققت تلك النوافذ هدفًا آخر إلى جانب تصوير القصص الديني، وهو توفير المزيد من الضوء الذي يدخل عبر نوافذها الضخمة ليبهر ذلك الأوروبي البسيط الذي كان يعيش في كوخ خشبي شبه مظلم معظم أيام حياته كما أسلفنا، وتمنحه إحساسًا بالانتقال من عالمه الأرضي إلى عالم سماوي يغمره الضوء، كما أن النوافذ الكبيرة كانت تعني ضوءًا ينير معظم أجزاء المكان طيلة النهار؛ مما يوفر في استهلاك الشموع وهي فائدة اقتصادية مهمة آنذاك.

رحلة في تاريخ "أم الفنون".. كيف شكّل الدين فلسفة العمارة في العصور المختلفة؟

نافذة زجاجية ملونة تمثل قصة آدم وحواء والشجرة المحرمة، كاتدرائية شارتر، المصدر: ويكيبيديا

ولأن الشيء بالشيء يذكر فقد احتاجت تلك النوافذ الزجاجية الكبيرة لدعامات تقوي الجدران والأعمدة الأساسية التي تحمل سقف الكاتدرائية؛ فالتوسع في وضع النوافذ الكبيرة كان له كلفته، ذلك أن الجدار الذي يحتوي على نوافذ كبيرة يحتاج إلى تقليل عدد الأحجار في الجدار الواحد لتوفير مساحات أوسع للزجاج الملون، وعليه فقد لزم تشييد الدعائم الساندة المعلقة الخارجية لتخفيف أحمال السقف عن الجدران وتوزيعها باتجاه الدعائم الخارجية، وهو أسلوب معماري ظل متبعًا في عمارة كل الكاتدرائيات القوطية حتى الحديث منها، مثل كاتدرائية واشنطون الوطنية بالولايات المتحدة الأمريكية، والتي وُضع حجر أساسها عام 1907.

العمارة الإسلامية: استخدام الخط والزخارف والمقرنصات

مرة أخرى يشكل الدين دافعًا أساسيًّا لإنتاج نوع فريد من الفنون، وهو الزخارف الإسلامية وإبداعات الخط العربي، ونظرًا إلى تحريم الإسلام تصوير الوجوه أو الأشياء التي بها روح، اتجهت أنظار معماري وفناني العصور الوسطى الإسلامية وما بعدها، إلى خلق شكل جديد للتعبير الفني المعماري.

ويمكن تتبع الزخارف الإسلامية وفنون الخط العربي في عدة منشآت معمارية ضخمة تعود للعصور الوسطى، مثل جامع الأقمر الذي شيده بالقاهرة الفاطمية الوزير مأمون البطائحي عام 1125م، وهو أول جامع في القاهرة احتوت واجهته على تصميم هندسي صُمم خصيصًا لها حسب كتاب «The Mosques of Egypt» تأليف برنارد أو كين، أستاذ الفن والعمارة الإسلامية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة.

واجهة جامع الأقمر ذات التصميم الفريد والعمارة المميزة، المصدر: ويكيبيديا 

أما ثاني أبرز المنشآت المعمارية التي ظهرت فيها الزخارف النباتية وفنون الخط العربي بقوة، فهو المسجد الجامع بمدينة أصفهان، وهو ضمن مواقع اليونيسكو للتراث العالمي بإيران. وقد بني أول مسجد فى هذا الموقع عام 771م تقريبًا في عهد الخليفة العباسي المنصور، إلا أن هذا المبني الأول كان صغيرًا نسبيًّا وتمت زخرفته على الطراز المعماري العباسي لتلك الفترة، حيث بُني بالطوب اللبن وزخرف بالجص الأبيض.

بمرور السنوات وتقادم المبنى؛ جدده ووسعه الخليفة العباسي المعتصم بالله نحو عام 840م، وفي عصر البويهيين (القرنين 10– 11م) أجروا تجديدات للمبنى وغيروا الواجهة الجصية العباسية بواحدة أخرى تزينها النقوش والزخارف النباتية وآيات قرآنية بالخط العربي، حسب موسوعة «The Grove Encyclopedia of Islamic Art and Architecture»

وتظهر في العمارة الداخلية والخارجية للمسجد ما يعرف بـ«فن المقرنصات»، وهو من عناصر العمارة الإسلامية المميزة لها، والمقرنص – مفرد مقرنصات – يشبه شكل المحراب لكنه بحجم أصغر كثيرًا يسمح بوضع العديد منه في مكان واحد، وكان الغرض من المقرنصات هو إنشاء منطقة انتقالية سلسة وزخرفية في فضاء هيكلي مكشوف بديلًا عن رسم الصور، ليعطي هذا الهيكل القدرة على التمييز بين الأجزاء الرئيسية للمبنى، ويكون نقطة انتقال بصري من جدران الغرفة إلى السقف المقبب، وتتميز الهندسة المعمارية للمقرنصات بالقباب والمداخل ذات القبة النصفية والإيوانات – شكل معماري إسلامي.

ويعد النوعان الرئيسيان من المقرنصات هما النمط الشمال أفريقي/ الشرق أوسطي، ويتألف من سلسلة من الإسقاطات المثلثة الهابطة، والنمط الإيراني، المكون من طبقات متصلة من الشرائح.

أحد الإيوانات الخاصة بالمسجد، وتظهر فيه فنون المقرنصات والزخارف النباتية وكذلك كثافة استخدام الآيات القرآنية بالخط العربي، المصدر: Khan Academy  –

فيما تقدم تعرفنا إلى ثلاث محطات رئيسية تأثرت فيها العمارة الإنسانية بالدين، وكان الوازع الديني على اختلافه محركًا لها ومحددًا للشكل النهائي الذي خرجت به تلك المنشآت المعمارية الضخمة إلى العالم، لتروي لنا قصة المعتقدات والمفاهيم التي آمن بها مصمموها الأوائل بدءًا من مصر القديمة مرورًا بأوروبا العصور الوسطى، وحتى فنون العمارة الإسلامية، لتثبت بما لا يدع مجالًا للشك أثر الدين – على إطلاقه – في الوعي الجمعي الإنساني.

تاريخ

منذ سنة واحدة
قصة «هرم العمارة الإسلامية» الذي بُني في زمن الطاعون

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد