بالرغم من أن الولايات المتحدة تتبنى رسميًا مبدأ العلمانية القائم على فصلِ الحكومة ومؤسساتها عن السّلطة الدّينيّة ورموزها، إلا أن ثمة علاقة جدلية بين الدين والسياسة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ والثقافة الأمريكية، وتبرز ملامح الدين بوضوح في مظاهر الحكم؛ فالشعار الرسمي للدولة هو «نحن نثق في الرب»، وهي ذات العبارة التي طبعت على العملة الورقية الرسمية للبلاد (الدولار)، كما نجدها مثبتة أيضًا خلف منصة الرئيس داخل مجلس النواب الأمريكي، ومحفورة أيضًا فوق مدخل مبنى مجلس الشيوخ. 

صحيح أن مؤسسي الدولة وضعوا مبادئ شاملة للفصل التام بين الحكومة والدين، ضمانًا لمشاركة مختلف الأطياف في المجتمعات التي ينتمون إليها دون تعصب، لكن بالرغم من ذلك لا يزال الدين يتغلغل في الحياة السياسية، وهو ما تكشفه تصريحات وتصرفات عدد من الرؤساء.

فبداية من عهد دوايت أيزنهاور (1953 – 1961)  إلى رونالد ريجان (1981 – 1989)، وصولًا إلى بيل كلينتون (1993 – 2001) وجورج بوش الابن (2001 – 2009) وباراك أوباما (2009 – 2017) وأخيرًا الرئيس الحالي دونالد ترامب، صدرت عدة تصريحات ومواقف تكشف بامتياز عن تغلغل الدين في صميم سياساتهم.

وبالمقارنة بين أحدث رئيسين عهدًا (أوباما وترامب)، باعتبارهما نموذجين متناقضين إلى حد ما، يمكن إلقاء الضوء على هذه العلاقة الجدلية بين الدين والسياسة، وكيف تغيرت علاقة الولايات المتحدة بالدين في عهدهما.

الدين في مذهب ترامب.. بين الثروة والسياسة

تقول صحيفة «واشنطن بوست» في تحقيق نشرته في فبراير (شباط): إن الرئيس ترامب أحاط نفسه منذ البداية بمجموعة من القساوسة المحنكين والزعماء الإنجيليين الذين يثنون عليه لمواقفه المحافظة اجتماعيًا ودعمه لحكومة إسرائيل. وكثيرًا ما يدعو ترامب هؤلاء القساوسة لأداء الصلوات، ويؤكد العديد منهم أن الرئيس «مسيحي مؤمن».

لكن فكرة «تدين ترامب»، حسب وصف توني شوارتز، الذي شارك في تأليف كتاب «فن الصفقة»، والذي رافق ترامب لبعض الوقت خلال ثمانينات القرن الماضي، إنما ارتبطت بجني الثروة قبل دخوله المعترك السياسي، وتلفت «واشنطن بوست» إلى أن معظم علاقات ترامب الحالية مع القساوسة الإنجيليين، تطورت فقط عندما كان يفكر في الترشح للرئاسة لأول مرة، وأضافت أن ترامب «غيّر بعض معتقداته في السنوات الأخيرة حيال عدة أمور، من بينها تحوله لمعارضة الإجهاض» في محاولة لاستمالة المحافظين وكسب دعمهم.

وفي سياق متصل يشير موقع «ديزرت نيوز» الإخباري الأمريكي إلى أن ترامب يواصل حاليًا هذا النهج لتعزيز قاعدة داعميه في انتخابات الرئاسة المقبلة، وأثناء ترشحه لمنصب الرئاسة لأول مرة، وعد ترامب بالدفاع عن المتدينين، ويعتقد معظم مؤيديه أنه «بقي وفيًا لكلمته»؛ إذ عيّن قضاة محافظين، ووسع نطاق الحماية القانونية للمنظمات المرتبطة بالدين، وحث مرارًا صناع السياسة على الاهتمام باحتياجات أتباع الدين.

وقال ترامب في حفل إطلاق تحالف «الإنجيليين من أجل ترامب» في حملته الانتخابية مطلع الشهر الماضي: «في اليوم الذي توليت فيه منصبي، انتهت حرب الحكومة الفيدرالية على الدين»، وتشير هذه التصريحات إلى ما يعتبره العديد من مؤيدي ترامب المتدينين أهم إنجازاته: «إلغاء سياسات عهد أوباما التي تمارس ضغوطًا على الأشخاص المؤمنين الذين يعترضون على زواج المثليين، على سبيل المثال». 

«حين تقول لا للرئيس ترامب.. كأنك تقول لا للرب»

إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعلن بأقوى صوته، وسط هتافات المعجبين: «سنحمي المسيحية»، فلا غروَ أن تصرخ القسيسة باولا وايت، المستشارة الروحية الخاصة بالرئيس الأمريكي، قائلة: «حين تقول لا للرئيس ترامب؛ كأنك تقول: لا للرب».

وتضيف في إحدى عظاتها المتلفزة: «حين أطأ أرض البيت الأبيض؛ فإنّ الله يطأ أرض البيت الأبيض. لديّ كامل الحقّ والسلطة لأعلن البيت الأبيض أرضًا مقدسة؛ لأنّني كنت أقف هناك، وكلّ مكان أقف فيه هو مكان مقدّس».

وقال روبرت جيفريس، القس الأول للكنيسة المعمدانية في دالاس بتكساس، لموقع «ديزرت نيوز» الأمريكي في نوفمبر (تشرين الثاني): «على مدى الأعوام الخمسين إلى الستين الماضية، كانت هناك حملة ضد القيم المسيحية في بلادنا بقيادة المحاكم اليسارية. يعتقد الكثير من المسيحيين أن هناك حاجة إلى عكس مسارها، وأعتقد أن هذا هو السبب في أنك ترى مثل هذا الدعم الساحق للرئيس ترامب من المسيحيين الإنجيليين».

وحسب «ديزرت نيوز» فإن أكثر من ثلاثة أرباع البروتستانت الإنجيليين البيض (77%) يوافقون على أداء الرئيس الوظيفي. ومع ذلك، لا يمثل ترامب شخصية تتمتع بالقيم الأخلاقية أو الدينية التي يدافع عنها المسيحيون المحافظون، فهو رجل ارتبط اسمه بفضائح وصلت إلى عتبة ممثلة الأفلام الإباحية ستورمي دانيالز. لكنه لا يزال يحظى بدعم كبير من الإنجيليين؛ لأنه في الأخير يدفع عن أجنداتهم وإن لم يكن رجلًا متدينًا.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 4 شهور
الدين يلعب الدور الأخطر.. لماذا تدافع أمريكا عن مصالح إسرائيل دائمًا؟

باراك «حسين» أوباما.. مسيحيّ متهم برعاية التطرف الإسلامي 

خلال فترتي رئاسة أوباما، لم يكن الرئيس السابق يخجل من الحديث عن معتقداته الدينية الشخصية خلال اللقاءات العامة وغيرها من المناسبات. إلا أن المعتقد الديني لباراك «حسين» أوباما، على وجه التحديد، كان مثار جدل بسبب جذوره المسلمة.

وعلى الرغم من أن أوباما تحدث صراحة عن عقيدته الدينية، واصفا نفسه بأنه «مسيحي باختياري» خلال تجمع انتخابي في نيو مكسيكو في عام 2010، وأكد على إيمانه بأهمية التسامح الديني، إلا أن الشكوك ظلت تلاحق عقيدته، وقال أوباما حينها: إن الدين أصبح له معنى أقوى في حياته عندما صار رجلًا بالغًا. وأضاف قائلًا: «أمي كانت من أكثر الناس الذين عرفتهم تدينًا، لكنها لم تربني في الكنيسة. لذلك وصلت إلى عقيدتي المسيحية في مرحلة لاحقة في حياتي».

وبالرغم من ذلك كشف استطلاع للرأي نشرته شبكة «سي إن إن» الأمريكية عام 2015 أن 39% من الأمريكيين يعتقدون أنه مسيحي، مقابل 29% ممن أعربوا عن اعتقاده بأنه مسلم، لكن هذا أشار إلى انشغال الأمريكيين بقضية الدين، ولا غروَ، فرئاسة أوباما جاءت بعد أن اشتد الجدل عن الدين في عهد إدارة بوش الابن ومحاولته إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام والمسلمين. في مقابل ذلك، تقول صحيفة «ديلي بيست» الأمريكية: إن أوباما سعى خلال رئاسته للتأكيد على استبعاد أن يكون للدين دور في الإرهاب العالمي، وقال بدلًا عن ذلك في أحد خطاباته بالبيت الأبيض: إنه لا يوجد دين مسؤول عن الإرهاب «بل هناك بعض الأشخاص مسؤولون عن الإرهاب». وشدد أوباما على أن الولايات المتحدة «ليست في حرب مع الإسلام، نحن في حرب مع أشخاص شوهوا الإسلام».  

لكن جمهوريون مثل السيناتور تيد كروز ورودي جولياني انتقدوا الرئيس السابق أوباما لمحاولته فصل «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» عن الإسلام، بالرغم من أنه يطلق على نفسه اسم «الدولة الإسلامية»، ويعلن عن رغبته في إقامة خلافة على الطراز الإسلامي، بحسبهم.

«اليمين المسيحي».. فكرة لاهوتية تتحكم في أجندة أمريكا السياسية

تغلغل ما يعرف بـ«اليمين المسيحي» في السياسة الأمريكية، وتعاظم تأثيره تدريجيًا خلال السنوات الخمسين الأخيرة، بحسب أستاذة اللاهوت الأخلاقي في جامعة تكساس سان أنطونيو ميل ويب، التي تقول لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»: إنّ القسيس جيري فالويل وضع البذرة الأولى لتأثير اليمين المسيحي المتديّن في السياسة الأمريكية، من خلال إنشاء مؤسسة باسم «الأكثرية الأخلاقية» هدفها إرساء القيم المسيحية بواسطة السبل القضائية والسياسية في أواخر السبعينات.

ويتمتع اليمين المسيحي بقوة ونفوذ سياسي في الولايات المتحدة وهدفه من وراء ذلك هو: تمرير أفكاره وبلورتها على أرض الواقع من خلال الحكومة، واتضح نفوذ هذا التيار بجلاء في عهد إدارة ترامب من خلال التأثير على قراراته تجاه إسرائيل والفلسطينيين على وجه الخصوص، وهو ما بدا جليًا في اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل.

ويعد موقفهم العقائدي انعكاسًا لمبدأ يؤمن بفكرة المجيء الثاني للسيد المسيح، بعد حرب كبرى تنشب بين العرب وإسرائيل، يتمنون فيها انتصار الأخيرة، وهم في غالبيتهم ينتمون إلى الحزب الجمهوري.

كانت البداية التنظيمية لليمين المسيحي، في أوائل الثمانينات، وأخذ يتوسع وانتهى المطاف به بتشكيل ائتلاف أوسع مدى، سمي «الائتلاف المسيحي»، والذي عرف – طبقا لعقيدته – بالمسيحية الصهيونية، ليكون له دور سياسي أكبر وعلاقات أوثق مع المؤسسات السياسية في واشنطن.

وأصبح لقادته اتصال وثيق مع القيادات السياسية للحزب الجمهوري، من خلال مجلس السياسات القومية الذي يجتمع مرتين في العام، ويضم في عضويته رؤساء عدد كبير من شبكات الإذاعة والتلفزيون، والإعلام المطبوع، وعدد من القيادات البارزة في الكونجرس، وأعضاء من عائلات الممولين الرئيسين للقضايا التي تهم اليمين المحافظ.

في هذا المناخ، تمكّـن الحزب الجمهوري منذ السبعينات من الفوز بأربع انتخابات رئاسية من ستة سباقات للرئاسة الأمريكية وتمكن الأعضاء الجمهوريون من السيطرة على مجلس الشيوخ الأمريكي سبع دورات من 12 دورة، كما تحكّـم الجمهوريون في مجلس النواب الأمريكي خلال السنوات العشر الأخيرة.

ونظرا لإدراك اليمينيين المسيحيين في أمريكا أن الحزب الجمهوري يُكرس جهوده لاستمالتهم وكسب أصواتهم، شعروا بأنهم أصبحوا قوة مؤثرة في العملية السياسية الأمريكية بعد أن كانوا تقليديًا بعيدين عن حلبة النشاط السياسي، وبالتالي أصبحوا أكثر اهتمامًا من الناخبين العاديين بالمشاركة في الانتخابات لدرجة أنهم أصبحوا يشكّـلون واحدًا من كل سبعة ناخبين، وأصبح بوسعهم تحديد أجندة الحزب الجمهوري في حوالي نصف عدد الولايات الأمريكية الخمسين، وخاصًة في ولايات الغرب الأوسط والولايات الجنوبية.

كثير من السياسة قليل من العقيدة.. هكذا يتغير المشهد الديني الأمريكي

في مقابل تنامي نفوذ اليمين المسيحي، كشفت دراسة لمركز «بيو» للأبحاث، ومقره واشنطن، في عام 2015 عن تصاعد مطرد في أعداد المسيحيين الذين يهجرون العقيدة، ليس فقط على مستوى ما يعرف بـ«أجيال الألفية» فحسب، أي مواليد ما بعد عام 1980، بل على مستوى أوسع بصرف النظر عن الجنس والسن والتواجد الجغرافي، في ظاهرة تباينت الآراء بشأنها.

  

معظم الأمريكيين يعتبرون أنفسهم «روحانيين» أكثر من كونهم «متدينين». المصدر: فوكس.

وسجلت الدراسة الصادرة تحت عنوان «تغيير المشهد الديني في أمريكا»، وشملت استطلاع آراء 35 ألف أمريكي بالغ تراجعًا في عدد الأمريكيين الذين يدينون بالمسيحية، بواقع ثمانية نقاط مئوية ليصبح عند 70% فقط مقارنة بـ78% عام 2007.

وقال كريج سميث مدير الأبحاث الدينية بالمعهد، والباحث الرئيس في الدراسة: «نعلم أن اللادينين في تزايد منذ عقود.. لكن الأمر المذهل حقًا هو وتيرة النمو».

لماذا يهجر الأمريكيون الدين؟ المصدر: فوكس.

وأوضحت الدراسة أن التراجع في أعداد المسيحيين في البلاد يأتي مواكبًا لانخفاض أعداد إتباع الديانات الأخرى، باستثناء الإسلام والبوذية، اللذين حققا مكاسب صغيرة لكن مهمة، وفي الوقت نفسه تشكل الفئة التي لا تنتمي إلى أي دين قرابة 23% من السكان البالغين بالبلاد، بارتفاع قدره 7% عن عام 2007.

ويقدم حوالي ثُلث الأجيال الشابة أنفسهم على أنهم لا يدينون بأي ديانة، بزيادة قدرها 10% عن عام 2007، وهي السنة التي أجرى فيها مركز «بيو» آخر دراسة دينية مماثلة.

المصادر

تحميل المزيد