(1)

عجوز يجلس على أحد الأرصفة، أمامه طيور ملونة وأوراق صغيرة مطوية، يضع الناس بعض المال في يده، فيسحب العجوز طائرًا ليلتقط بمنقاره إحدى الورقات التي يستنبط منها الزبون طالعه أو حظه اليوم. ليس في الورقات إلا أبيات من شعر حافظ الشيرازي، أحد أكبر وأهم شعراء إيران، أو ربما أهمهم على الإطلاق. لا يخلو بيت إيراني تقريبًا من ديوانه، ولا منطقة من عجوز على رصيف يقرأ للناس طالعهم بأشعاره، يتبارك الناس بديوانه ويتفاءلون بشعره درجة تصل حد التقديس، بل يسمى حافظ الشيرازي عند الإيرانيين “الرسول”.

يعتبر التراث الإيراني من أكثر الحضارات الشرقية روحانية ومعنوية وتصوفًا، التراث المشبع بآثار جلال الدين الرومي والعطار والحكيم سنايي إضافة إلى حافظ الشيرازي والسهروردي وغيرهم ليس من المحتمل أن تندثر الروحانية فيه بسهولة حتى مع كل تأكيدات الباحثين بوجود انحسار هائل للدين بمعناه الرسمي، من الممكن القول أن الشيعي الفارسي طور نسخته الخاصة من التدين الذي لا يشبه بالتأكيد التدين النظامي الحكومي.

(2)

أحدثت الثورة الإيرانية أثرها العنيف وتغييرها الكبير ليس على المستوى السياسي فقط بالتأكيد، بل على مستويات أخرى كالاجتماعي والمذهبي والديني أيضًا! ربما لم يعد كثير من المسلمين في إيران مسلمين بنفس الشكل والتعريف الذي اعتاد النظام أن يعطيه للمسلم في أشكاله الأكثر بساطة وأولية. يرى مجيد حميدي أستاذ علم الاجتماع الإيراني أن الدين يتحول أكثر فأكثر إلى مجموعة من التقاليد ولا شيء سواها.

ربما يحب بعض المتدينين أن يصفوا المجموعة المتمسكة بالتقاليد بالرياء والنفاق، لكن الأمر صار ظاهرة تتطلب دراسة أعمق كثيرًا على ما يبدو، مما استدعى اهتمام بعض الباحثين وعلماء الاجتماع الإيرانيين ببحث علاقة الروحانية والتدين خاصة بين الشباب في إيران.

(3)

يصف مجيد حميدي عالم الاجتماع الإيراني في بحثه المسلم الإيراني المعاصر بأنه مسلم “متعدد الأديان”، ربما هو لا يستطيع التنصل من فكرة الإله الذي ورثها وتشربها لمئات السنين، لكنه لا يستطيع أيضًا أن يتقبل فكرة الدين الواحد والإله الواحد والجنة التي يرثها أشخاص بعينهم، يصبح حينها الإيراني أكثر ميلاً لتقبل الآلهة جميعًا، والأديان جميعًا، وعدم تفضيل واحد على آخر، خاصة في عصر يعاني فيه الإيرانيون من انهزام نفسي نتيجة وضعهم المتأخر عن ركب العالم!

ثمة ذكريات ترتبط جذريًّا بالإسلام في ذهن المسلم الإيراني، ليس من السهل أن يتنزع الإنسان ولاءه لذكرى جدته وهي واقفة للصلاة، أو ذكرى أذان المغرب ودعاء الإفطار بعده أو المشاعر الجياشة التي انتابته بعد زيارة للمساجد الأثرية في إصفهان وشيراز، بل إن المساجد العريقة نفسها تتحول شيئًا فشيئًا إلى قطع تراثية مجردة من المعنى الأساسي الذي بنيت من أجله، فكم هي متكررة حالات اللقاءات العاطفية قرب المساجد الجميلة كمكان يمكن فيه التقاط صورة خالدة، أو حتى حضور شاب وفتاة بينهما علاقة عاطفية لمراسم عزاء الحسين، ليعودا بعد انتهاء المراسم إلى منزلهما الذي يتشاركان الحياة فيه دون عقد زواج، الظاهرة المعروفة حاليًا في إيران بـ “الزواج الأبيض”. تقول إحصائيات غير رسمية أن 70% من فتيات العاصمة الإيرانية طهران يتزوجن وهن غير عذراوات، تفشل حتى الجهود الروحانية بإقناع الشباب بزواج المتعة، وهو الزواج المحدد بمدة بعينها، والذي ينتشر بين الأوساط الروحانية أكثر كثيرًا من انتشاره بين أوساط الشعب الإيراني الذي لم يتقبله حتى الآن.

(4)

يصف حميدي الإسلام الإيراني بالإسلام الاستعراضي أيضًا، وهو الذي يعتنقه مسلم لا يؤمن كثيرًا بمعظم تعاليم التشيع، لكنه يكلف نفسه عناء السفر والحج إلى مكة وكربلاء والنجف التي يسميها الشيعة “النجف الأشرف”، ربما حتى يصوم أو يمسك بيديه مسبحة، لكن عبادته هنا تصبح في أغلبها كاختبار قصة تراثية أو تجربة إثارة معينة، لا عبودية عبد لربه.

“العبادات التي تتكرر مرة واحدة تستحق التجربة والإثارة، نخوضها كمغامرة، أما الصلاة مملة جدًّا وأعتقد أن الله سيتفهم هذا، فعصرنا عصر السرعة والتجديد ولا يحتمل تكرار فعل بعينه خمس مرات في اليوم” وهذا ما تقوله الطالبة مهناز محمدي.

يقول بعض باحثي جامعة طهران الذين أجروا بحثًا لقياس نسب الصلاة بين الشباب، أن الصلاة تحولت بالفعل إلى سلوك غريب بينهم. شاهين سعيدي طالب آخر، يقول أن الله لا يجب أن يطلب منه الصلاة بالعربية التي لا يفهمها، هو على استعداد كامل للالتزام لو قرر أحد الروحانيين أن يفتي بصلاة فارسية.

في الأوساط الشبابية بالذات، تصبح العبادات القريبة من التراث الشيعي هي الأكثر قربًا من نفوسهم، حيث لم تحظ قصص مثل شق القمر أو الإسراء والمعراج بجزء ولو بسيط من اهتمام الشيعة مقارنة بملحمة كربلاء، الشباب يريدون العبادات ملحمية مثل قصة كربلاء المثيرة والتي يمكن أن يُرى حتى اليوم شباب يحضرون مراسم العزاء – بالرغم من التناقص الهائل في الإقبال على المراسم- لكنها كما يصف البحث أكثر العبادات إقبالاً من أولئك الذين لا يظهر الدين في حياتهم تقريبًا، تصبح كربلاء المناسبة الوحيدة التي يشعر فيها الشيعي منهم بروحانية في حياته، وأنه قريب من الله.

(5)

من الممكن القول إن الإيراني طور نسخة فارسية من الإلحاد أيضًا، الذي تربى في بيئة روحانية يحتاج غالبًا إلى تراثه وروحانياته التي تهبه السكينة والطمأنينة، لكنه لا يحتاج بالضرورة إلهًا أو دينًا منظمًا كما لا يحب كثير منهم أن يوصف بالإلحاد. يقول محمد صفوري الباحث في علم الاجتماع: “وجدنا في بحثنا من يصرون على أنهم مسلمون بينما يعترفون أنهم لا يؤمنون بالله أو رسله أو أئمة الشيعة، لكنهم يصممون على عدم وصف أنفسهم باللادينيين أو حتى التفكير بالانضمام لدين آخر، يحدث هذا حتى خارج إيران، حين لا يكون من الضروري أن تخاف من كونك لست مسلمًا”.

يفهم علم الاجتماع إصرار الأشخاص على إبراز هوياتهم الدينية واختيار انحيازاتهم بناءً عليها في تجمع متعدد الديانات لا يحظى بالتسامح الكافي، يظهر حينئذ “الدين” كعامل أساسي لشعور الإنسان بهويته وانتمائه، كمجموعة يهودية مثلاً تنعزل على نفسها في مجتمع كاثوليكي. لكن دراسة سلوك الإيرانيين خارج البلاد، تظهر تمسك الكثير منهم بمسمى “مسلم” حتى حين يكون هناك أمريكيون وأوروبيون، صينيون وهنود، ملحدون، نباتيون، شواذ جنسيًّا وغيرها من الاهتمامات. إذًا من الكافي جدًّا في مجموعات كهذه أن يعرف الإنسان نفسه كإيراني ليحظى بتمايزه وشعوره بالهوية، لكن ما لاحظه البحث كان إصرار أغلبية الحالات على تعريف أنفسهم بالمسلمين حتى بين أولئك الذين يقرون بأنهم لا يلتزمون بأي شيء يصلهم بالإسلام ويصرحون بشكهم في وجود الله أو يقينهم بعدم وجوده.

(6)

قد يكون أحد أكثر الأمور انتشارًا في هذا الإسلام هو الحنين للماضي والتفاخر به. يقول حميدي أن الشعور بالانتماء للماضي يغلب على هؤلاء أكثر من انتماءاتهم الدينية. إذ يتناقص يوميًّا عدد المسلمين الإيرانيين المستعدين لتقبل إله الإسلام الذي جاء من عرب الحجاز، المنطقة التي أنهت دولة عظمى مثل الدولة الساسانية، يعاني الإيراني كثيرًا في التوفيق بين مشاعره الوطنية وتقبل الإسلام في نسختها العربية الحرفية، يقول باحثون إن الإيرانيين قبلوا الإسلام لكنهم لم يستطيعوا التخلي عن اعتزازهم بقوميتهم الفارسية.

لا يتقبل المسلم الإيراني المعاصر قطع الأيادي أو الرجم، ولا زواج النبي محمد من فتاة في التاسعة، ولا تحريم الموسيقى والمجسمات والفنون، لهذا قد يلجأ لإسلام أكثر فارسية من ذاك الإسلام العربي، ربما هذا السبب تحديدًا من الأسباب المهمة التي جعلت إيران أرضًا خصبة لانتشار التشيع والتصوف، وأحد أكثر دول المشرق انفصالاً عن سيطرة السعودية الدينية. يبدو أن حتى إيران المسلمة لم تستطع تقبل فكرة التبعية لدولة عربية، لهذا كان لا بد من وجود نمط ديني جديد مثل التشيع يكون للدولة الفارسية شديدة الاعتزاز بقوميتها دور الريادة فيه.

(7)

ربما لا يدرك الروحانيون بعد حجم التحول الهائل الذي أصاب المجتمع الإيراني، 35 عامًا يحاول الروحانيون حذف كل مشكك في المقدسات بكل الطرق، 35 عامًا تصدر أحكام الإعدام للمخالفين كحل وحيد للمشكلة، دون التفكير في فهم جذري أو دراسة علمية حقيقية. محسن أمير أصلاني هو أحدث حالة إعدام بسبب مخالفة التدين الرسمي، علق على المشنقة في سبتمبر العام الجاري بتهمة التفسير المبتدع للقرآن، وإهانة نبي الله يونس؛ حيث قال إن الله لم يخرج النبي يونس من بطن الحوت.

“الروحانية أمام المجتمع تصاب بالعمى والصمم” كما يقول محمدي! فالمجتمع كما يصفه صفوري في خاتمة بحثه لم يعد يحافظ إلا على تراثه الروحاني المتجذر في نفسه قبل قيام الثورة، وأنه على الرغم من إصرار الكثير من الإيرانيين على تعريف أنفسهم بالمسلمين، لكن بعد 35 عامًا من قيام الثورة الإسلامية يشهد المجتمع الإيراني أقل نسبة للتدين في تاريخه. ربما في حال زوال الجمهورية الإسلامية ستضطر المؤسسة الروحانية لتقديم نسخة مخففة من التشيع لتضمن استمرارها. تمامًا كما تخفف المؤسسة المسيحية الكاثوليكية الآن لهجتها حتى تجاه الشذوذ الجنسي ونظريات داروين.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد