بعد الربيع العربي، اتبعت المملكة المغربية خطة متكاملة للتطور، بما يسهل بعد ذلك احتواء أو قمع الأصوات الراديكالية الشبابية، حين تطالب بالتغيير.

وأيًا كانت نوايا هذه الخطة حين وُضعت، فقد عادت بفوائد ظاهرة وملحوظة على المملكة، وجعلتها تشهد رواجًا غير مسبوق، وسط منطقة ملتهبة بالأحداث، وتعاني من فشل كبير في تلبية طموحات قطاعات واسعة من شعوبها، بعد الربيع العربي.

بحسب إحصائيات البنك الدولي، فقد ارتفعت قيمة الناتج المحلي الإجمالي للمغرب من 98.2 مليار دولار عام 2012، إلى 110 مليار دولار في نهاية عام 2014، بالإضافة إلى الانخفاض الملحوظ في نسبة البطالة، التي صارت لا تتعدى 16%.

وفي إطار خطتها الاقتصادية الليبرالية، وفي إطار أيضًا هروب رؤوس الأموال من الدول المجاورة التي شهدت الربيع العربي، واستقرارها في المملكة المغربية، شهدت القطاعات الاقتصادية المختلفة في البلاد رواجًا ملحوظًا، فعلى صعيد القطاع الصناعي، تطورت بشدة صناعة مكونات وأجزاء الطائرات، وشهد قطاع الاتصالات أيضًا تقدمًا كبيرًا.

في الواقع، باتت المغرب تصدر بقوة منتجاتها الصناعية، التي تطورت بعد اعتماد خطتها الإصلاحية، في أعقاب الربيع العربي، حيث بلغت صادرات المغرب من مكونات السيارات للسوق الإفريقية والأوروبية أيضًا، حوالي 3.5 مليار دولار، إبان الأشهر الأولى من عام 2015.

ولم يشهد القطاع الصناعي وحده بنشاط صادراته التقدم الملحوظ، وإنما ارتفعت أيضًا مساهمة الزراعات في الصادرات المغربية، مع بقية القطاعات التقليدية، نتيجة التطور في البنية التحتية، وفتح باب توفير الحوافز من الدولة على مصراعيه لتشجيع المستثمرين.

لكن على كل حال، لم تكن هذه فقط هي البضائع التي ازداد عليها الطلب لأجل استيرادها من المغرب، فهناك بضاعة أخرى كانت البلدان المحيطة بالمملكة في أمس الحاجة إليها.

هل تخيلت أن تطلب دولة استيراد شيء مثل هذا من قبل؟

في فبراير (شباط) من عام 2014، وصل إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، طلب رسمي جديد من نوعه، من ثلاث دول، متمثلة في: معهد الإمامة والخطابة الملحق بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بليبيا، والأمانة العامة للشؤون الإسلامية بجمهورية غينيا كوناكري، ووزارة الشؤون الدينية بالجمهورية التونسية.

كان الجزء الأول من الخطابات الرسمية الثلاثة، متعلق بطلب الاستفادة من التجربة المغربية في مجال عمارة المساجد، لكن الجزء الثاني من الطلبات الرسمية، كان متعلقًا باستيراد الخبرة المغربية في مجال تدبير شأنها الديني.

كانت تلك الطلبات اعترافًا رسميًّا من الدول الثلاثة، ومنهم تونس وليبيا كدول اختبرت تجربة الربيع العربي، بأن المغرب هي واحة من الاستقرار الديني، في وسط منطقة ملتهبة بالعنف، وبالنغمات الدينية التي تراها تلك الدول معيقة للتقدم، ومؤثرة بالسلب على السلم الاجتماعي.

أضواء على التجربة المغربية الفريدة

تعود الاستراتيجية الفريدة في نجاحها، والخاصة بتدبير الحقل الديني بالمغرب، إلى ما بعد الهجمات «الإرهابية» التي تعرضت لها العاصمة المغربية «الدار البيضاء»، في السادس عشر من مايو (أيار) 2003، والحقيقة أن كثيرًا من الدول العربية آنذاك كانت تتعرض لضربات قاسية مما أسمته بـ«الإرهاب الديني»، لكن المغرب كانت الأنجح على كل حال، في اتخاذ خطوات عملية مبنية على خطة مدروسة، لمواجهة خطر ما يُسمى بـ«الإرهاب»، من داخل الحقل الديني ذاته.

لكي تحقق المغرب استراتيجيتها في التحكم بالحقل الديني، رفعت اعتماداتها المالية المرصودة للسيطرة على مجال التدين، من 189 مليون درهم عام 2003 إلى 591 مليون في عام 2011.

في الواقع كانت استراتيجية المملكة واضحة، في مقاومة ما اعتبرته المد الوهابي والإرهابي؛ حيث أقامت المغرب خطة محكمة لتصدير نسختها الخاصة من الإسلام، التي تتلاءم مع متطلباتها كما صاغتها دولتها العميقة أو «المخزن» بالتعبير المغربي، لعموم الشعب المغربي.

وكانت تلك النسخة تعتمد في مختلف جوانبها على مقاربة مالكية، وأشعرية، وصوفية، تعلي – في نظر المملكة – من شأن قيم التسامح والاعتدال والوسطية والانفتاح على الآخر، وصيانة الهوية الروحية والثقافية المغربية، في مواجهة ما أسمته بالتشدد.

وفي بلد يبلغ عدد المسلمين السنة المالكيين فيه حوالي 99%، وللتصوف الجنيدي حضور طاغٍ فيه منذ قرون، كانت أحلام المملكة في تصدير نسخة خاصة من الإسلام خالية من الشوائب التي تعيق الحياة، من وجهة نظرها، بكثير من الجهد والتخطيط العلمي، أحلامًا ممكنة للغاية.

حتى تتمكن المملكة من تنفيذ خطتها، اتبعت سياسات صارمة، فيما يخص مراقبة المساجد، وإغلاقها عقب انتهاء كل صلاة من الصلوات، وعدم السماح ببناء أي مسجد إلا بعد أخذ الموافقة من الحكومة، حتى لو كان هذا المسجد سيشيد بأموال خاصة، بالإضافة إلى الإشراف الصارم من وزارة الأوقاف على خطب الجمعة، كما اتخذت الدولة تدابير خاصة بمنع تدريس أي مذهب إسلامي آخر، غير مذهب أهل السنة المستند على مقاربة مالكية صوفية.

حين بدأت المغرب خطتها المشهود لها بالنجاح، والتي تود الدول المجاورة لها أن تستوردها منها، بدأ الملك يكرس في خطاباته مفهوم أن الدولة المغربية أنعم الله عليها بوحدة العقيدة وهي الإسلام، ووحدة المذهب وهو المذهب المالكي، ونسقت المغرب حقلها الديني على هيئة هرم من المؤسسات المخطط لها بحكمة، لتستولي على المجال الديني، وبحسب الباحث ريمي ليفو، فإن تلك المؤسسات تنتظم في هرم منظم، يجلس على أعلى قمته الملك، باعتباره العالم الأول بين علماء المغرب، حيث أن الملك في المغرب، بالإضافة إلى كونه ملكًا، هو أمير المؤمنين أيضًا.

وحتى فيما يخص التصوف، فإن الطرق والزوايا الصوفية بالمملكة، كانت وفق الخطة العلمية المدروسة، إحدى الوسائل الأساسية التي تعتمد عليها السلطة، للسيطرة على المجال الديني، بحيث استطاعت المملكة أن تضبط التصوف في البلاد بما يخدم منظور الدولة للأمن القومي، وبما يخدم تغولها الناعم في البدان الإفريقية المتشوقة للتصوف.

الأنقاض التي بنيت عليها تلك التجربة

لأول وهلة قد يظن القارئ أن التجربة المغربية التي قامت على مقاربة صوفية، في مواجهة الهجمات الأصولية عام 2003، كان المتضرر الأكبر منها بالأساس هم السلفيون الوهابيون الأصوليون، لكن الحقيقة أمر مختلف.

في الواقع قامت التجربة المغربية الرائدة، على احتواء الوهابيين، حتى بعض الجهاديين منهم، وبحلول الربيع العربي، أصدر الملك عفوًا بشأن العديد من القيادات السلفية في المملكة، وحرص على الظهور معهم في أكثر من مناسبة أيضًا، وحرص على تأكيد تسامحه تجاههم، حيث قال الملك إن «التيار السلفي رغم تشدده لكنه يمكن أن يندمج في الخطاب الديني العام بالمملكة».

وبالفعل رغم كل المخاوف التي يثيرها السلفيون المغربيون بشأن قانون الإرهاب، إلا أن ممارساتهم ووجودهم كذوات في حد ذاته، أمر لم تحاربه الاستراتيجية المغربية لتدبير الحقل الديني.

في الواقع وجدت السلطة في الوهابيين عمومًا، سلاحًا جيدًا في مواجهة الشباب المغربي المطالب بتغييرات راديكالية بالمغرب.

وعمومًا لم تصطدم خطة الدولة في إعادة تشكيل المجال الديني، بعنف مع الرؤى الدينية التقليدية، بل احتوتها، بالتالي هي لم تصطدم مع السلفيين وهي تصدر خطابها الصوفي، وكذلك لم تصطدم مع المسيحيين الأجانب المتواجدين في المغرب منذ عقود، ولا مع الطائفة اليهودية التي تلقى معاملة جيدة جدًا في البلاد.

في الواقع كانت الدولة إبان تنفيذها لخطة السيطرة على المجال الديني، أكثر عنفًا مع الاتجاهات الدينية الفردية الثورية، التي ترتبط بالاختيار الحر في الاعتقاد، وبالتحول من مذهب الآباء والأجداد لمذهب آخر، فكانت الدولة عنيفة للغاية مع من تحولوا من الإسلام للمسيحية، ومن تحولوا للإلحاد، وكذلك مع المتحولين للمذهب الشيعي، أو المعتقدين في البهائية.

هؤلاء تحديدًا الذين يريدون الخروج عن النسق التقليدي الذي اعتمدت الدولة محدداته، هم من يواجهون بالعنف من قبلها، ولا يستطيعون التعبير عن اختياراتهم الدينية أو ممارسة تلك الاختيارات بحرية، ولا تعترف بهم المملكة.

المصادر

تحميل المزيد