لقد كان من المفهوم أن يكون واحد من أوائل الناس الذين قاموا بالتعليق بعد مذبحة «تشارلي إبدو» هو سلمان رشدي، الرجل الذي أمضى سنوات حياته متحديًا تهديدًا بالقتل برعاية الدولة بدافع فعل يُعتبر من الكفر.

على الرغم من أن رشدي ليس واحدًا من كتابي المفضلين، إلا أنني دائمًا ما أعجبت بموقفه الصارم دفاعًا عن حرية التعبير، وأشعر بالسعادة أن الحكومة البريطانية كان لديها الشجاعة للدفاع عن حقوقه.

ومن نفس المنطلق، لا أعترض بأي طريقة على حقه في إطلاق التصريحات عن الحادث، على الرغم من أنني أجد نفسي أرفضها بقوة. إليك ما قاله:

الدين، شكل من أشكال حماقات العصور الوسطى، وعندما يجتمع مع الأسلحة الحديثة فإنه يصبح تهديدًا حقيقيًا لحرياتنا. هذا الاستبداد الديني تسبَّب في طفرة قاتلة في قلب الإسلام، ونحن نرى اليوم بأعيننا النتائج المأساوية لذلك في باريس.

أقف بجوار تشارلي إبدو، كما يجب علينا جميعًا القيام بذلك؛ للدفاع عن فن السخرية، الذي طالما كان قوة للحرية وضد الطغيان وخيانة الأمانة والغباء.

«احترام الدين» أصبحت عبارة رمزية تعني «الخوف من الدين». الأديان، مثل جميع الأفكار الأخرى، تستحق النقد، والسخرية، ونعم، عدم احترامنا الذي لا يعرف الخوف.

ليس لدي أي مشكلة على الإطلاق مع الجملة الأخيرة. لا أعرف كيف يمكن أن تمتلك مجتمعًا حرًا إذا لم تسمح بإمكانية عدم الاحترام. إذا كان بإمكان أي شخص منا قطع الحديث بزعم بأننا تعرضنا للإساءة أو الألم بسبب شيء قاله شخص آخر، فإننا لن نتحدث على الإطلاق. لذلك فنحن متفقون في هذه النقطة.

لكن الكلمات الأولى لتصريح رشدي هي التي تزعجني. «الدين». كل الدين. ليس إيمانًا محددًا (الذي سيكون تعميمًا ضخمًا في حد ذاته)، ولكن أي شخص مؤمن.

أعتقد أن البعض سيقول إن هذا الزعم الجامح مقيدٌ بهذه العبارة الغريبة «عندما يجتمع مع الأسلحة الحديثة»، ولكن لا أعتقد أنني سأهتم بذلك.

تشير عبارة «شكل من أشكال حماقات العصور الوسطى» إلى أن فكرة الاعتقاد الديني هي صميم المشكلة بالنسبة لرشدي. إذا كنت مقتنعًا أن جميع الأديان شكل من أشكال الحماقة، لا يمكنك بالتأكيد توقع إجراء محادثة عقلانية معهم. وفقًا لهذا الرأي، فإن المؤمنين من أي نوع هم مجرد مجانين.

من المحتمل أن «الدين» الذي يقصده رشدي هو مرادف دبلوماسي لـ «الإسلام». على كل حال، فالمهاجمون، الذين ادعوا الولاء لتنظيم القاعدة، اختصوا «تشارلي إبدو» بوضوح لرسوماتها الكاريكاتورية المسيئة إلى الإسلام.

مع ذلك، فإلقاء اللوم بشأن الهجوم على جميع المعتنقين لمجتمع ديني بأكمله يضم أكثر من 1.7 مليار شخص يبدو وكأنه تعدٍ للحدود. لقد استنكر العديد من المسلمين حول العالم عملية القتل، وأدانت الجامعة العربية ومجموعة كاملة من الحكومات ذات الأغلبية المسلمة الحادث. ووصفت جامعة الأزهر، أبرز المعاهد التعليمية للإسلام السني، الحادث بأنه «عمل إجرامي».

هذا لا يعني عدم وجود الكثير من المشكلات في أجزاء مختلفة من العالم الإسلامي اليوم. فمشكلة عدم التسامح تجاه الآراء المخالفة كما تتجلى، على سبيل المثال، في قوانين التكفير المتعصبة والمؤسفة؛ تعد مشكلة كبيرة (حاول فقط بناء كنيس في الرياض لتتأكد من هذا).

ولكن من السهل للغاية إلقاء اللوم بشأن كل هذا على ما يزعم بكونه «إسلامًا» موحدًا. لقد قرأت تعليقًا من أمريكي محافظ يقول إن «عدم التسامح بشأن حرية التعبير أمر متأصل في الإسلام التقليدي»، على الرغم من أنني أتوقع أن تعريفه لـ «التقليدي» لا يغطي الفترات التي كان العالم الإسلامي يتمتع بازدهار ثقافي واستطلاع حر أكثر من نظيره المسيحي.

في الواقع، يمكن للمرء أن يجادل بنفس السهولة أن الأمراض الراسخة في أماكن مثل باكستان، أو المملكة العربية السعودية، أو إيران تتعلق بالسياسة الحديثة بنفس القدر الذي تتعلق به بالقرآن، وهو كتاب، كما يشير فريد زكريا، وهو على حق، لا يستخدم كلمة «التجديف».

ربما يمثل هذا صدمة، ولكن على مدار حياتي قابلت الكثير من المسلمين، ولم يعبر أي منهم عن اهتمامه بقتلي بسبب معتقداتي. ربما هم لا يفهمون «الإسلام التقليدي».

إذن، ماذا عن الزعم الأكبر لرشدي، أن الدين في حد ذاته نوع من أنواع المرض العقلي الذي يمكن أن يصبح «تهديدًا حقيقيًا لحرياتنا» في أي لحظة؟ هذه وجهة نظر يبدو أنها تزداد شعبية بين أتباع المفكرين الإلحاديين مثل «ريتشارد دوكينز» و«سام هاريس»، اللذيْن يفخران بأمانتهم الواضحة واستعدادهم البطولي للتخلص من ركائز «الاعتقاد غير العقلاني». (دوكينز خرج إلى مواقع التواصل الاجتماعي كما هو متوقع لإلقاء اللوم بشأن الهجوم على جميع المسلمين في كل مكان).

تكمن مشكلة مثل هذه الحجج في أن صفوف المتدينين تضم أشخاصًا قاموا بخير عظيم للبشرية. لا نستطيع أن نفهم حملة مارتن لوثر كينج السلمية من أجل العدالة دون أن نفهم خلفيته كواعظ مُعمد، وأعدم النازيون القس اللوثري ديتريش بونهوفر لأنه استنكر الهولوكوست وتذمر من إجرام نظام هتلر. البوذيون المتحمسون مثل أونج سان سو كيي والدالاي لاما، كرسوا حياتهم دفاعًا عن حقوق الإنسان. والراهب جريجور مندل كان مؤمنًا بأنه يخدم الله بوضع أسس علم الوراثة الحديثة. الحائزتان على جائزة نوبل مؤخرًا، الإيرانية شيرين عبادي واليمنية توكل كرمان، تذكراننا أن المسلمين يمكنهم أن يكونوا نشطاء مدنيين رائعين أيضًا.

ولا يضمن كون الفرد ملحدًا أنه سيكون صاحب سلوك جيد. الجرائم «الجهادية» بشعة، ولكن حتى القاعدة و«داعش» يجب أن يقطعوا طريقًا طويلًا قبل أن يصلوا إلى عدد القتلى المذهل الذي تسبَّب فيه علمانيو القرن العشرين مثل ماو وستالين وبول بوت، الذين ذبحوا مجتمعين عشرات الملايين من البشر. (هتلر، الذي يجب ذكره، كان يحلم بولعٍ باليوم الذي يتمكن فيه من شنق البابا في ساحة القديس بطرس).

أكثر نظام غير متسامح في العالم اليوم هو كوريا الشمالية تقريبًا، حيث أن أي مواطن يلمح بإيمانه بأي شيء سوى سلالة «كيم» سيكون مصيره الإعدام أو قضاء وقت طويل في المعتقل.

المشكلة الحقيقية ليست الدين، وإنما هي فشل نفسي أعمق، يصيب البشر من كافة الأصناف، أصحاب الديانات أو غيرهم.

إنه يسمى «التعصب»، وهو صفة مخيفة لأحادية الأفق يمكن أن تؤدي بالذكي والمتعلم إلى الاعتقاد بأن وجهات النظر التي يحملونها يمكنها أن تكون عذرًا لأي شكل من أشكال الوحشية.

نعم، ينجذب العديد من أولئك الناس إلى فهم الدين المؤيد للاستبداد، ولكن يوضح التاريخ أنهم ينجذبون بدرجة متساوية إلى الأشكال العلمانية للتطرف السياسي.

أشك في أننا سننجح في اقتلاع هذا الأمر من التجربة الإنسانية؛ وأعتقد أن الكفاح ضده سيستمر ما دامت الحياة. ولكن هذا لا يعني أنه من الواجب علينا الاستسلام. وهذا الأسبوع خاصة يعني الدفاع عن القيم التي كان يحاول القتلة في شارع «نيكولا أبير» تدميرها.

ربما إلقاء اللوم على الدين ليس الطريقة الأفضل كبداية.

علامات

حريات, حرية, دين, فكر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد