«حين يقول الحزب الذي يتمسّح بالمسيحية: إنه لا بأس من الاعتقاد بأن الرب سيسعد لمرأى العائلات المُمَزَّقة بأيدي العملاء الفيدراليين، وأن الرب سيتغاضى عن وضع الأطفال في أقفاص؛ فإنه يخسر كل مصداقية لاستخدام اللغة الدينية مرة أخرى».

لم يكن هذا الطرح مجرد موقفٍ فرديّ، عبَّر عنه عمدة مدينة ساوث بند في ولاية إنديانا والمرشح الديمقراطي للرئاسة، بيت بوتيجيج، بل «لحظةً مذهلةً، أبرزت تطوُّرًا في الطريقة التي يتحدث بها الديمقراطيون عن الإيمان في حملة 2020»، على حد وصف وكالة «أسوشيتد برس».

والأهم أن هذا الخطاب الديمقراطي غير المعتاد قد ينذر بـ«تحوُّلات أكبر في السياسة الأمريكية»، حسب توقعات الباحثة المشاركة في «برنامج الإصلاح السياسي في أمريكا الجديدة»، شاين بوليميديو، عبر مجلة «باسيفيك ستاندرد».

صحيحٌ أن الجمهوريين كانوا دائمًا أكثر ميلًا لتوظيف «الإيمان» في خطابهم السياسي، خاصة منذ صعود اليمين الإنجيلي في ثمانينيات القرن المنصرم، لكن ثمة تغيير يحدث الآن في الولايات المتحدة يتمثل في أن العديد من مرشحي الرئاسة الديمقراطيين أصبحوا يربطون صراحة بين وجهات نظرهم السياسية والقيم الدينية.

العلمانية لا تكفي.. الجمهوريون يُطعنون في «أعزّ ما يملكون»

«يبدو أن الديمقراطيين قد استوعبوا أخيرًا حقيقة أن الانتخابات الوطنية قد يكون من الصعب الفوز فيها بحملات علمانية بحتة»، وأدركوا- كما أشارت الباحثة شاين بوليميديو- أن «الإيمان يلعب دورًا كبيرًا في حياة ملايين الأمريكيين، والقيم الدينية تقود خيارات التصويت للعديد منهم».

«هذا التطور في كيفية مناقشة الإيمان في الفضاء العام، وهوية من يقود هذا النقاش، يرجع جزئيًا إلى تغيُّر الهوية الدينية الأمريكية: فالكنيسة الإنجيلية قد وَخطها الشَّيْب، وتخسر المزيد من الأعضاء، وعدد اللامنتمين إلى دين آخذ في الارتفاع، وتزايد السكان اللاتينيين والآسيويين يعني أن الدين في الولايات المتحدة أصبح أقل بياضًا وأكثر تنوعًا»، بحسب بوليميديو.

عازفًا على هذا الوتر، وجَّه بوتيجيج دَفَّة المناظرة ببراعةٍ إلى اتجاهٍ غير مُتَوَقّع، مُحَوِّلا الجدال السياسي حول طريقة معاملة المهاجرين على الحدود إلى ساحة «الإيمان»، منتقدًا «تخفي الحزب الجمهوري تحت عباءة الدين»، ومطالبًا الأمريكيين بـ«شجب النفاق عندما نراه».

وإذا كان الشاب بوتيجيج (37 عامًا) مثليّ الجنس، إلا أنه اختار كنيسته لتكون شاهدًا على اقترانه بشريكه، وأكد مرارًا وتكرارًا على «إيمانه المسيحي» أثناء حملته الانتخابية، وكثيرًا ما يشتبك قِيَمِيًا مع نائب الرئيس المسيحي الإنجيلي، مايك بينس، ويقول للحشود في جولاته «دعونا نذكر الجميع بأن الله لا ينتمي إلى حزب سياسي».

آندرو يانج.. رجل الأعمال الشاب الذي يسعى لهزيمة ترامب بـ«خطة الألف دولار»

أما إليزابيث وارين، نائبة ولاية ماساتشوستس، فهي ميثودية ملتزمة دَرَّسَت سابقًا في مدرسة الأحد، وتستشهد بالإنجيل في خطابها، وأعلنت صراحة أن جميع مقترحاتها السياسية التوسعية «تبدأ بفرضية تدور حول الإيمان». ونافسها نائب نيو جيرسي، كوري بوكر، حين أعلن أن السيد المسيح «محور حياته»، وشجب دور ترامب فيما أسماه «التخريب الأخلاقي». 

وحتى لو استطاع الجمهوريون إقناع شريحةٍ كبيرةٍ من الناخبين المتدينين بأن إنجيل مَتّى يقصد منافسيهم الديمقراطيين بقوله اللاذع: «من ثمارهم تعرفونهم. هل يجتنون من الشوك عنبًا أو من الحسك تينًا»، لكن يبدو أن الديمقراطيين قرروا المقاومة هذه المرة، ولم يكن عليهم في الواقع سوى استدعاء الآية السابقة: «احترزوا من الأنبياء الكذبة؛ الذين يأتونكم بثياب الحملان، ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة».

وإذا كان إنجيل متى ينصح أتباعه في الإصحاح 5 : 39: «لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا»، فهو القائل أيضًا في الإصحاح 34:10: «لا تظنوا أني جئت لألقي سلاما على الأرض. ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا ونارًا وانقسامًا».

دونالد ترامب في خدمة خصومه الديمقراطيين

«بفضل دونالد ترامب، أصبحت الحواجز التي تمنع الديمقراطيين من الوصول إلى شرائح واسعة من المجتمع الديني الأمريكي أقل من أي وقت مضى»، على حد قول مايكل وير الذي عمل في البيت الأبيض خلال فترة ولاية أوباما الأولى، وأصبح «أمام الديمقراطيين الآن فرصة لإقناع الناخبين المؤمنين بأنهم لا يملكون فقط مقعدًا على الطاولة، بل إن القيم هي جدول أعمالهم».

يُغّذي هذا التحوّل في الخطاب السياسي روح التفاؤل بأن المرشح الذي سيتفق عليه من قبل الديمقراطيين في النهاية ستكون لديه فرصة كبيرة للفوز بأصوات شريحة معتبرة من الناخبين المتدينين الذين نفَّرهم الخطاب الصادم الذي يتبناه الرئيس دونالد ترامب وعلامات الاستفهام المُحَلِّقة حول شخصه.

Embed from Getty Images

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

ومع احتدام الانتخابات التمهيدية، تتصاعد التكهنات بأن المرشح المناسب يمكن أن يوقظ مخزون الطاقة الدينية في أوساط الناخبين الديمقراطيين، حتى لو كان التحالف الديمقراطي لا تسيطر عليه جماعة دينية واحدة. 

لينضبط هذا النهج؛ ينصح جون كار، الذي قضى أكثر من عقدين مستشارًا للمؤتمر الأمريكي للأساقفة الكاثوليك، الديمقراطيين بالتركيز أكثر على عقيدتهم الشخصية، وتجنب استغلال الدين باعتباره سلاحًا سياسيًّا، قائلًا: «عندما تستخدم الإيمان وسيلةً لملاحقة خصومك، فإن الأمر يبدو أشبه بالتكتيك وأقل تعبيرًا عن هويتك».

الديمقراطيون بين يدي الناخبين المتدينين.. «السير فوق حبل مشدود»

لكن بغض النظر عن تغيُّر تكتيكات الديمقراطيين، تُرَجِّح نتائج الانتخابات السابقة واستطلاعات الرأي الراهنة أن ترامب والجمهوريين سيواصلون هيمنتهم على أحد الكتل الانتخابية الدينية الأكثر نفوذًا: الإنجيليين البيض. تُعَضِّد ذلك نتائج مسحٍ أجرته وكالة «أسوشييتد برس» وأظهر أن ثمانية من كل 10 أشخاص ينتمون إلى هذه الفئة صوتوا للجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي عام 2018.

والعجيب أن ترامب نادرًا ما يناقش هويته الدينية الشخصية، ولا يُنظر إليه حتى على أنه متدين على نحو خاص، إلا أنه برغم ذلك حصل على ولاء العديد من الإنجيليين؛ بفضل نجاحه في ترشيح شخصيات محافظة في سلك القضاء، والتركيز على سياسات مكافحة الإجهاض، حتى لو لم تهدأ الفضائح الجنسية عن ملاحقته منذ 30 عامًا.  

لذلك، لطالما اضطر الديمقراطيون إلى «السير فوق حبل مشدود» حين ترسو سفنهم على شاطئ الناخبين المتدينين، بالنظر إلى دعمهم للإجهاض وحقوق المثليين ما وضعهم في خلاف مع زعماء العديد من الطوائف الدينية البارزة. واللافت أن مرشحي 2020 لم يتراجعوا عن هذه المواقف الخلافية، بل لا تزال إليزابيث وارن، على سبيل المثال، تعارض حظر الكنيسة الميثودية لزواج المثليين وتنصيب القساوسة ذوي الميول الجنسية المشابهة. 

لكنها تمتلك ما يكفي من الذكاء لتبرير هذا الموقف بمسحة دينية؛ لأن «المساواة تعني المساواة، سواء في الزواج أو في مكان العمل أو في أي مكان آخر»، كما تقول سالوني شارما، المتحدثة باسم حملة وارن. وبدلًا من «الإغراق في الخطاب الديني»، ينتهز الديمقراطيون الفرصة للحديث عن الدين باعتباره محركًا لقيمهم الأساسية، وليس اختبارًا لتحديد مدى تأهيلهم لشغل المنصب الرئاسي.

اعتاد الديمقراطيون على تأمين أصوات قاعدة قوية من الناخبين الدينيين؛ فمنذ عقد مضى، كان أكثر من 80% من الديمقراطيين ينتمون إلى نوع من الدين، وفقًا لمركز بيو للأبحاث. لكن هذه الأرقام تحولت بشكل كبير بحلول عام 2014؛ حيث وجد استطلاع بيو أن 28% من الديمقراطيين أعلنوا أنهم غير تابعين لدين، حسبما أشارت إيما جرين في مجلة «ذي أتلانتك» تحت عنوان «السياسة باعتبارها دينًا جديدًا للديمقراطيين التقدميين».

لكن في هذه الانتخابات يبدو أن حظوظ الديمقراطيين أوفر وجاذبيتهم أشد ألقًا لدى شريحة مختلفة من الناخبين الدينيين؛ حيث أظهر استطلاع «ڤوت كاست» أن الديمقراطيين استحوذوا على نصف أصوات الكاثوليك و42% من أصوات البروتستانت في انتخابات التجديد النصفي العام الماضي.

نموذج التديُّن الديمقراطي.. «علاقة مختلفة مع الرب»

يأتي التركيز الديمقراطي على الدين مصحوبًا بتطور جديد: في حين أن بعض المرشحين الديمقراطيين السابقين استخدموا عقيدتهم للتواصل مع الناخبين المحافظين أو التقليديين، فإن مرشحي عام 2020 من أمثال بيت بوتيجيج وكيرستن جيلبراند وكوري بوكر وغيرهم يستخدمون الدين لتبرير مواقفهم الليبرالية، مثل زواج المثليين والإجهاض.

ولأن المرشحين الديمقراطيون يأتون من خلفيات دينية متنوعة، فإنهم يختلفون تبعًا لذلك في طريقة حديثهم عن الإيمان في حملاتهم الانتخابية: فبينما تُعَرِّف نائبة نيويورك، كيرستن جيلبراند، نفسها بأنها «كاثوليكية، تحضر القداس والخدمات الإنجيلية بانتظام». يقول نائب تكساس السابق، بيتو أورورك: إنه تربى على حضور القداس الكاثوليكي، لكن «باعتباره شخصًا بالغًا، وجدت علاقة قوية مع الرب خارج الكنيسة».

بخفوتٍ أكثر يتحدث نائب كاليفورنيا كامالا هاريس ونائب فيرمونت بيرني ساندرز عن عقيدتهما. فيما يكافح نائب الرئيس السابق، جو بايدن، للتوفيق بين عقيدته الكاثوليكية وموقف حزبه الأكثر ليبرالية من الإجهاض. 

Embed from Getty Images

المرشح الديمقراطي الأمريكي بيرني ساندرز

في السبعينيات، قال بايدن إن المحكمة العليا «ذهبت بعيدًا» في تشريع الإجهاض على مستوى البلاد، وفي وقت لاحق قال: إن الإجهاض يجب أن يكون قانونيًا، لكن ليس بتمويل حكومي. لكنه تراجع عن موقفه مؤخرًا تحت ضغط شديد من خصومه الديمقراطيين، مما أثار انتقادات علنية من رئيس أساقفة فيلادلفيا. كما يستخف بمواقف كنيسته المتشددة ضد المثلية الجنسية والزواج المثلي، ويعلن: «نحن جميعًا أبناء الرب».

ويتحدث كوري بوكر في كثير من الأحيان عن إيمانه خلال جولاته الانتخابية، وتعلن حملته مواظبته على حضور الخدمات في كنيسة متروبوليتان المعمدانية في مدينة نيوآرك بولاية نيو جيرسي كلما كان كان متفرغًا.

ورغم تجنب نائب نيوجيرسي الاستخدام المباشر للدين في انتقاد الحزب الجمهوري، لكنه أخبر أحد القساوسة في ساوث كارولينا في مارس (آذار) الماضي بأن «الكتاب المقدس يتحدث أكثر عن الفقر، وعن تحية الغريب، وعن الوقوف إلى جانب المدانين، أكثر مما يتحدث عن هذا النوع من الأشياء السامة التي تسمع الرئيس يتفوه بها في كثير من الأحيان».

هذا النهج الديمقراطي الفريد يوضح لماذا صوَّت سبعة من كل 10 ناخبين لا ينتمون إلى دين لصالح المرشحين الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي الأخيرة، وهو ما يتطابق تقريبًا مع حصتهم من الشريحة الانتخابية ذاتها في عامي 2014 و2010، بحسب بيانات مركز «بيو» للأبحاث.

«ذي أتلانتك»: هل تخلت إيفانكا ترامب عن والدها؟

المصادر

تحميل المزيد