ترجمة وتحرير الخليج الجديد

اعتقال متطرف يميني في إسرائيل الأسبوع الماضي هو تذكير بأن حتى أكثر الأعمال غير الإنسانية قد تكون بدافع شعور إنساني عميق مثل محبة المرء نفسه. واعتقلت السلطات الإسرائيلية مؤخرا «مائير إيتنغر»، حفيد المتطرف الديني الصهيوني الحاخام «مائير كاهانا»، بعد محاولة إضرام النار في منزل في الضفة الغربية في 31 يوليو/تموز الماضي. ويعاني ثلاثة أفراد من الأسرة من إصابات شديدة، ومات رضيع عمره 18 شهرا محترقا بالنيران. وبعد عدة أيام، توفي والد الطفل متأثرا بجراحه.

ولم تحمل السلطات «إيتنغر» المسؤولية عن هذا الهجوم. ولكن علاقته الوثيقة مع المنظمات اليمينية توحي بأنه فعلها اتباعا وسيرا على منوال جده، حيث إنه يحتضن نفس الأيديولوجية اليهودية المتطرفة التي من المرجح أنه دفعته إلى تعمد إشعال النار بهدف القتل. وينظر كثيرون إلى وجهات نظره بشيء من الاستغراب. وبالنظر إلى تاريخ عائلته الخاصة، فإن قصة الصراع اليهودي العربي اتخذت طابعا شخصيا خصوصا مع اغتيال جده. وفي الواقع، فإنه بموت «كاهانا» في عام 1990، أصبحت القضية الإسرائيلية الفلسطينية شخصية بالنسبة لي كذلك، وتم استدعائي للمساعدة في التحقيق في القضية.

تهديد متطرف

كان «كاهانا» متطرفا يهوديا، ومؤسسا لرابطة الدفاع اليهودية، والتي تم تصنيفها منذ فترة طويلة كمنظمة إرهابية. وفي 5 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1990 كان الحاخام يلقي كلماته الوعظية المتطرفة في فندق «ماريوت إيست سايد» في مانهاتن عندما قام مصري يدعى «السيد نصير»  بإطلاق رصاصة عليه من وسط الحشود كانت كفيلة بكتابة نهايته الدراماتيكية.

كنت وكيل الشباب في دائرة الأمن الدبلوماسي في ذلك الوقت، وتم إحضار فريقي على التو للمساعدة في التحقيق مع الشخص الذي قام بإطلاق النار. ومن خلال اتصالاتنا مع السفارة الأمريكية في القاهرة، تعرفنا على شخصية «نصير» عن طريق جهاز أمن الدولة المصرية، بل وتتبعنا كيف حصل على السلاح. بالنسبة لي، كانت كافة الأمور واضحة تماما. كان هناك مواطن مصري يستخدم سلاحا من إنتاج الجيش المصري أطلق النار على زعيم منظمة يهودية متطرفة فأرداه قتيلا. وكان واضحا تماما أنه هجوم إرهابي على الأراضي الأمريكية، ونذير سوء لما هو قادم في المستقبل.

ورغم أنه مات ووري التراب، إلا إنه كان ملهما لكثير من أتباعه الذين ينادون بحقوق للدولة اليهودية على أرض فلسطين، ويتحدون أي جهود سلام بأساليب عنيفة إذا لزم الأمر غير عابئين بقوانين أو قيود. لقد بات ابنه في قيادة المجموعة التي تم تشكيلها بعد اغتياله، والتي حملت اسم «كاهانا حي». لقد أصبحت منظمة «كاهانا حي» أحد أهم الأولويات الأمنية في خدمة الأمن الدبلوماسي. وتعارض بشدة جهود بناء السلام في الشرق الأوسط، ولا تتردد باستمرار في استهداف أي زيارات لدبلوماسيين إسرائيليين وفلسطينيين، وكذلك مسؤولو وزارة الخارجية الذين يشاركون في دفع عملية السلام. وفي عام 1992، كانت المنظمة مسؤولة على الأرجح عن زرع قنبلة أنبوبية انفجرت خارج البعثة السورية لدى الأمم المتحدة.

وفي الوقت نفسه، فإن تهديد المتطرفين اليهود يتزايد في إسرائيل أيضا. وكان مسؤولون أمنيون في إسرائيل لم يضعوا بعد مسألة التطرف اليهودي على رأس الأولويات. ولكن في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1995، تغيرت الأولويات عندما ضربت المأساة الدولة اليهودية. ففي اجتماع حاشد دعما لاتفاقات أوسلو، قُتل رئيس الوزراء الاسرائيلي «إسحاق رابين» على يد طالب متطرف يدعى «يغئال عمير».

حرب على عتباتنا

وفي مجال الاستخبارات والأمن، فإن مهمتنا تتمثل في استباق التهديدات، ولكن في كثير من الأحيان فشلنا في تحديد الخطر في وقت مبكر. منذ خمسة عشر عاما، لم تستطع أجهزة الاستخبارات الأمريكية أن تقدر تماما أهمية اغتيال «كاهانا». لقد أخذت الهجوم على مركز التجارة العالمي في عام 1993 لإيقاظنا وتنبيهنا أن الحرب تحدث الآن على مقربة منا، ليس فقط «نصير» ضد «كهانا»، ولكن التطرف الإسلامي في مقابل التطرف اليهودي.

وفي المناخ السياسي اليوم، فإن الحكومات نادرا ما ترتكب نفس الخطأ. أجهزة الاستخبارات والشرطة تتعاون بشكل وثيق لتحويل الإخفاقات الأمنية إلى فرص لجمع المعلومات الاستخبارية. وبعد اغتيال «رابين»، وأنا بالفعل ترأست فرقة عمل مشتركة بين الوكالات للتحقيق في المشتبه بهم في عملية القتل، نظرنا إلى الحادث من باب كشف ومنع المؤامرات المحتملة ذات الصلة على الأراضي الأمريكية. كنا نعلم أنه من الأمان أن نفترض أن «عمير» مثل «نصير»، وكان كل منهما يعمل كجزء من مجموعة أكبر.

وفي إسرائيل أيضا، دفعت تلك المأساة أجهزة الاستخبارات وملحقاتها إلى العمل والبحث والتحري. وأدى اغتيال «رابين» بالشرطة الإسرائيلية إلى تكثيف الجهود المتزايدة لإغلاق منظمات يهودية متطرفة وعرقلة كافة أنشطتها وسد الطريق على ظهور تلك المنظمات في أثواب جديدة. وكان نجاح عملية الاغتيال بمثابة خلل أمني هائل لجهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي. وفي الآونة الأخيرة؛ وبعد الهجوم الذي وقع في الضفة الغربية يوم 31 يوليو / تموز، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» أن إسرائيل سوف تبذل قصارى جهدها بشكل أكثر تضافرا للقضاء على التطرف اليهودي في البلاد وغلق قنواته. وفي الواقع؛ كانت هناك حملة تالية أدت إلى اعتقال السلطات الإسرائيلية للشاب «إيتنغر»، حفيد «كاهان» وحامل فكره وإرثه المتطرف الذي لا يبالي باستخدام النار لحرق من يضعهم ضمن أعدائه.

وفي هذه اللعبة الخطرة، فإن حالة وفاة واحدة قادرة على تمهيد الطريق لمائة أكثر. ولا شك أن «إيتنغر» يضع جده في موضع الإله، والذي فقد حياته في سبيل نفس الأفكار التي يسعى «إيتنغر» لتكريسها في بلده. كم عدد الشهداء من وجهة نظر «كاهانا»؟ كم عدد الشهداء هناك من وجهة نظر الفلسطينيين؟ في غضون الأسبوعين الماضيين، تحول المئات في الضفة الغربية إلى الاحتجاج العنيف للانتقام لقتل طفل بريء. وعلى جميع الأطراف، فإن موت شخص، وخاصة إذا كان لا جريرة عليه إنما هو وقود يشعل القضية، في الوقت الذي يعزز فيه الحب لهذا الشخص الرغبة في الانتقام، وتبني الأفكار التي من أجلها مات.

وبناءً عليه؛ فإن الإرهاب ليس مجرد حرب أفكار، بل هو حرب دورية من الانتقام وسفك الدماء التي تنتج المزيد من إراقة الدماء. ويتم تمرير القضية ليس فقط من جيل إلى جيل يليه، ولكن من شهيد إلى أتباعه. وإذا كان لاغتيال «كاهانا» أن يعلمنا شيئا، فهو أن إنفاذ القانون ورجال الأمن المحترفين لا يكون لديهم متسع من عرض وفاة شخص أو عمل إرهابي بشكل منفصل. إن الحياة تعتمد على رؤية الصورة الأكبر.

المصدر | ستراتفور
عرض التعليقات
تحميل المزيد