أظهرت دراسة علمية جديدة، أن الناس الذين يحضرون الطقوس الدينية بانتظام، من المرجح أن يعتبرهم الناس أعضاءً صالحين في المجتمع، أكثر من غيرهم، خاصة أكثر من هؤلاء الآخرين، الذين يشاركون في عروض دينية دراماتيكية، كالمشي على الجمر، أو التعرض للطعن.

وأمضت «إليانور باور»، من معهد سانتا في مدينة نيو مكسيكو، سنتين، وهي تعيش في قريتين من قرى «التاميل»، جنوب الهند؛ بهدف دراسة مزيج من الناس معظمهم من المسيحيين والهندوس.

كرم وتفاني

وجدت «باور»، أن الناس كانوا أكثر عرضة لاعتبارهم كرماء، ومجدين في عملهم، وجديرين بالثقة، ومصدرًا لأخذ النصائح الجيدة، إذا ما كانوا يذهبون في الغالب إلى الكنيسة أو المعبد، حتى ولو كان من ينظر إلى هؤلاء المتدينين هم من الملحدين، أو أناس من ديانات مختلفة.

وتشير النتائج إلى أن ممارسة الشعائر الدينية، يمكن أن يكون «إشارة صادقة» تعبر عن التزام الفرد في المجتمع، وذلك طبقًا لما اقترحته باور، لكن، وبشكل غير متوقع، فإن علامات التدين التي يأخذ بها الناس كانت تلك العلامات اليومية من العقيدة الدينية، مثل الذهاب للصلاة وغيرها، بدلًا من الطقوس الخطيرة والعنيفة التي يمارسها البعض، وأظهرت الدراسة أن علامات التدين اليومية كانت أكثر أهمية من منظور اجتماعي.

وقالت باور إن حقيقة كون العبادة العادية اليومية ليست لافتة للنظر، ولا تتسبب في حشد الناس حولها، مثلما تفعل الطقوس الغريبة، فإن هذا في الواقع يعمل كضامن لها، وأضافت في الورقة البحثية التي نشرتها في دورية التطور وسلوك الإنسان أن «هؤلاء المتدينين لا يزالون يقومون بطقوس العبادة المعتادة يوميًا وأسبوعيًا وشهريًا وسنويًا، وهو ما يجعل هذه الممارسات تظهر بشكل نسبي كإشارة تجعل من العبادة العادية علامة واضحة على ما يبدو أنه تفانٍ تجاه المجتمع المحيط.

وأوضحت باور أن الطقوس العامة هذه تشمل مجموعة واسعة من الأعمال، بدءًا من صنع عرض صغيرة في معبد مجاور، وحتى رفع رموز معينة للآلهة في مواكب احتفالية.

طقوس الدين اليومية أكثر تأثيرًا على المجتمع المحيط

طقوس تقليدية وطقوس دراماتيكية

وقالت «طقوسهم الدينية العامة الأكثر دراماتيكية يمكن أن تتطلب فترة طويلة من الصيام، والامتناع عن بعض الأفعال، وهي أمور تنطوي على تكاليف مالية غير تافهة، وتنطوي على ألم واضح، وإمكانية إلحاق ضرر بجسد الإنسان». وعلى سبيل المقارنة، فإن العبادة أو الصلاة في الكنيسة أو المعبد قد يظهر للناس أنه مجرد التزام بسيط، ومتواضع بالوقت، ولكنه أيضًا استثمار تراكمي على مدى الأشهر والسنوات التالية.

وتزيد فكرة أن يتحول الشخص إلى نموذج «الدرويش»، من احتمالية الظهور أمام الناس بمظهر المتدين، ولكن هذا الأمر أيضًا يقلل من احتمالية اعتبار الناس له أنه شخص دءوب في العمل، ويعتبرها البعض علامات على بعض الخصائص الأخرى غير الجيدة.

وذكرت باور أن النتائج المعروضة هنا تلفت الانتباه بشكل خاص إلى قيمة العبادة العادية. وأضافت «على الرغم من أن الطقوس الدينية الدراماتيكية قد تجذب حشودًا أكبر – سواء من المتفرجين المحليين أو من علماء البحوث – فإنه غالبًا ما يكون الفعل المتقن للعبادة العادية أكبر فائدة وتحظى بسمعة أكبر بين الناس».

وذكرت الدراسة بوضوح أن العبادة المنتظمة ترتبط بشكل أكثر قوة مع العديد من الصفات جيدة السمعة، أكثر من الطقوس الدينية الأكثر دراماتيكية، لاسيما صفات الكرم وحسن الخلق، وهما الصفتان اللتان ترتبطان بشكل أكثر وضوحًا مع الموالاة الاجتماعية.

العاطفة والتحليل

ويرجح العلماء أن البشر يثبطون المناطق في الدماغ المسئولة عن التفكير التحليلي، وفي المقابل فإنهم يُشغّلون المناطق المسئولة عن التعاطف، وذلك في سبيل أن تؤمن بوجود إله. العلماء يرجحون أيضًا أن العكس صحيح، فعندما تقوم بالتفكير حول عالَم الفيزياء، فإن مناطق التعاطف في الدماغ يقل نشاطها، ويزداد نشاط المناطق المسئولة عن التفكير التحليلي.هل ترى أن هذا الترجيح صحيح؟ دعنا نتعرف على التفاصيل.

ويقول البروفيسور «توني جاك»، رئيس فريق الباحثين الذي قدم هذه النتيجة المثيرة للجدل في شهر مارس(آذار) 2016، إنه عند وجود سؤال ما يتعلق بالإيمان، فإنه من وجهة النظر التحليلية يبدو أمرًا «سخيفًا»، هكذا وصف نظرة أناس كثيرين لهذا السؤال. الفكرة هنا مبعثها أن الإيمان لا يحتاج منك إلى عملية تحليلية معقدة؛ لأنه اعتقاد ما راسخ في الوجدان، ولا يحتاج كثيرًا للتفكير بشأنه.

جاك يقول: إن ما فهموه عن الدماغ، هو أنه عندما يقفز الإيمان في لحظة ما إلى الواجهة بقوة، فإنه يقوم بدفع فكرة التفكير بصورة نقدية، أو بصورة تحليلية جانبًا، وذلك بغرض مساعدتنا على تحقيق مزيدٍ من التبصر الاجتماعي والعاطفي. هذا الأمر ليس مستغربًا في الواقع، ففي كثير من الديانات نلاحظ هذا الأمر بوضوح، عندما يتعلق الأمر بدينك، فإنك تعتمد مبدأ التصديق التام لما فيه، وبالتالي فإن الجزء التحليلي من دماغك، يتوقف بشكل نسبي عن العمل.

في المقابل، نلاحظ أن المبدأ الأساسي لغالبية الأديان، يتمثل في الجانب الروحاني، وبالتالي فإن الجزء من الدماغ المسئول عن التعاطف يبدأ في العمل بمنتهى القوة، بناءً على ما يعطيه الجسم من علامات عاطفية وروحانية من الهدوء النفسي والسكينة الداخلية.

العادات الدراماتيكية تجذب الجمهور لكنها ذات تأثير محدود اجتماعيًا

هذا البحث المُكوّن من ثماني تجارب، نُشر في إحدى المجلات المتخصصة، ومن بين الأمور المميزة التي أبرزها البحث، كانت ملاحظة أن البشر الذين يتميزون بإيمان قوي، ظهر بوضوح أنهم أكثر تعاطفًا من الآخرين. بمعنى آخر، فإن الإيمان يبرز فيك الجوانب العاطفية على حساب الجوانب التحليلية المنطقية.

نلاحظ هذا الأمر بوضوح في عالمنا الحالي، الذي يميل نحو المادية، والقسوة كلما اتجه نحو العلم فقط. قلة الاهتمام بين الناس والسلبية فيما يخص المشاكل التي تحدث للآخرين، بدءً من جارك الذي يفصلك عنه جدار واحد إلى دول تدمر وشعوب تهجر وأطفال تقتل، دون أن يهتم أحد بما يجري. وفي الوقت الذي يتجه فيه العالم إلى العلم بشكل كامل، نجده يبتعد بوضوح عن الدين والإيمان بأي أمور روحانية.

وفي بحث آخر سابق، أشار البروفيسور «جاكس برين»، باستخدامه صور رنين مغناطيسي على الدماغ، إلى أن مخ الإنسان يملك شبكةً تحليليةً من الخلايا العصبية، التي تمكن البشر من التفكير بشكل نقدي. البروفيسور أوضح أيضًا أن الإنسان يملك شبكة اجتماعيةً من الخلايا العصبية التي تمكنه من إبداء والشعور بالتعاطف.

ويعود هنا البروفيسور جاك، لتوضيح الأمر، فيشير إلى أنه نتيجة لوجود توتر بين هاتين الشبكتين، فإنه بالقيام بإزاحة وجهة نظر طبيعية خاصة بالعالم حولنا، فإن هذا يعمق من الجانب الاجتماعي والعاطفي عندنا. ويضيف البروفيسور إلى أن هذا الأمر ربما يكون المفتاح لفكرة «لماذا توجد المعتقدات الخاصة بالقوى فوق الطبيعية في تاريخ جميع الثقافات الموجودة على سطح الأرض تقريبًا؟» فهذا الأمر تقبل أن تكون وسيلة ضرورية غير مادية لمحاولة فهم هذا العالم وطبيعة وجودنا فيه.

يقول العلماء إن العقل البشري يستخدم كلا الشبكتين في استكشاف الكون من حوله. فعندما يقع العقل البشري أمام مسألة فيزيائية ما، فإنه يقوم بتشغيل شبكة التفكير التحليلي والمنطقي، ويُثبّط عمل الشبكة الاجتماعية. والعكس أيضًا، فإذا ما وضع العقل البشري أمام معضلة أخلاقية معينة فإنه يقوم بتشغيل الشبكة الاجتماعية والعاطفية فيه، ويقوم بتثبيط عمل الشبكة التحليلية.

ويضيف العلماء هنا أن عملية التثبيط التي تحدث لإحدى الشبكتين، ربما تكون هي المسئولة عن الصراع الذي يحدث بين الدين والعلم. يقول «ريتشارد بوياتزيس»، أستاذ السلوك التنظيمي في جامعة «كيس ويسترن ريزيرف»، إنه بسبب قمع كل شبكة للشبكة الأخرى فإن هذا يخلق حالةً من المبالغة تجاه كل منهما. نلاحظ كيف أن بعض المجتمعات العلمية ترفض الدين بشدة ويصل الأمر إلى حد محاربته. ونلاحظ أيضًا كيف أن بعض المجتمعات الدينية ترفض التفسيرات العلمية بالكلية، ولا تعتقد أنها صحيحة.

اقرأ أيضًا: https://www.sasapost.com/religion-and-science/

المصادر

عرض التعليقات
s