أبرزت المعارك في ميدان التحرير في القاهرة المطالبة الشعبية بالديمقراطية ووضع حد للحكم الاستبدادي – وهو الدافع الكامن وراء الربيع العربي الأوسع. وبينما جرى بث التحول السياسي على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم، فشلت وسائل الإعلام الدولية في تسليط الضوء على الاتجاه المتنامي في منطقة الشرق الأوسط – وهو زيادة الاستقطاب حدة داخل المجتمع الإسلامي. فتزايد الخلافات الدينية بين الأحزاب العلمانية والمحافظة يهدد المستقبل السياسي لمنطقة تمر بمنعطف حرج في طريق تحولها نحو الديمقراطية.

يعلم العديد من الناس بوجود المذهب السني والشيعي في الإسلام، ولكن ما دون هذا التقسيم ثمة فجوة متنامية بشكل متسارع بين المسلمين المعتدلين والجهاديين الراديكاليين. فالأحزاب المحافظة تدعو مجددًا إلى دولة إسلامية وإعادة الخلافة التي كانت ممتدة على أرض واسعة ذات يوم. في نفس الوقت، فإن الميل نحو العلمانية في تصاعد، مع وجود بعض الليبراليين في الشرق الأوسط يدعون لفصل الدين عن الدولة. ثمة أمثلة واضحة على هذا الاستقطاب في مصر وسوريا والعراق من بين دول الشرق الأوسط الأخرى. وتضع هذه المعركة التي تصاعدت في أعقاب الربيع العربي الإسلاميين الأصوليين في مواجهة نظرائهم المعتدلين الذين، جنبًا إلى جنب مع العلمانيين، يدفعون نحو تشكيل حكومة ديمقراطية من دون تطبيق للشريعة.

لقد صعدت الأصولية الإسلامية مؤخرًا الى الواجهة مع فراغ السلطة في أعقاب الإطاحة بصدام حسين وحسني مبارك والمحاولة الجارية للإطاحة ببشار الأسد. وكان هؤلاء الحكام المستبدون قد أنشأوا حكومات على النمط العلماني، ولكن غالبًا ما كانت تستخدم في قمع الحركات الدينية للحفاظ على سطوتها على الشعب. وقد مثل الربيع العربي فرصة للمواطنين العلمانيين والإسلاميين على حد سواء الذين قد همشوا أو اتهموا بالتطرف أو تعرضوا للقمع.

حاول الإخوان المسلمون إقامة دولة إسلامية في مصر بعد مبارك، ولكن ذلك قوبل بمعارضة قوية دعت إلى حرية الدين ورفض الحكم الاستبدادي مثل الذي أطاحوا به للتو. وفي غضون سنة، أطيح بالإخوان المسلمين واعتبرت منظمة إرهابية. وفي الأسابيع الأخيرة، حاكمت الحكومة المؤقتة المئات من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين ما اعتبره العديد محاكمة باطلة، فأدانت العديد بعقوبة الإعدام بتهمة الخيانة. كما تسعى أحزاب مثل حزب الوفد والحزب الديمقراطي الاشتراكي المصري لحشد الأحزاب ذوي التوجهات العلمانية والليبرالية لمقاومة ما تبقى من تهديد المعارضين الإسلاميين الأصوليين.

كما أن الصراع في سوريا لا زال يشمل مزيجًا من المعارضة السياسية والصراع الديني والانهيار التام للقانون. تتألف حكومة الأسد العلمانية من الأقليات العلوية، وهي في معركة مع الأغلبية السنية التي تشمل مجموعات ليبرالية ومنظمات ترعاها القاعدة. وقد فشلت جماعات المعارضة تلك في التوحد على أرضية مشتركة، فهناك جماعات مثل الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) تدافع عن العقيدة الإسلامية وتمجد الجهاد. وقد ذكرت تقارير أنها تستخدم تكتيكات وحشية بما في ذلك قطع رؤوس الجنود والمسيحيين والمدنيين الأبرياء. وكانت هناك معارضة قوية لمثل هذه الأساليب البشعة في سوريا والمجتمع الدولي. كما أن هناك جماعة قوية تقاتل من أجل الحرية من الفاشية الدينية والاضطهاد الذي ينتهجه الأسد والقاعدة هي الجيش السوري الحر، ولكن أعدادهم صغيرة ومتناثرة. ومع تصاعد وتيرة الحرب الأهلية في البلاد، فإن الأصوات المطالبة بالحرية الدينية والسياسية يتم إسكاتها.

في العراق، الذي ستجري فيه انتخابات برلمانية في أبريل، نشأت منافسة جديدة في وجه المرشحين الإسلاميين. فاضل الدباس، رئيس مجموعة الدباس الدولية، الذي جنى شهرته من العمل في مجال الخدمات المصرفية والاستثمارية، يخوض الانتخابات على قائمة علمانية وغير دينية. على الرغم من أنه واحد من العديد من المرشحين، إلا أن ترشح فاضل يقدم أملًا للمجموعات العلمانية في العراق التي تقاتل من أجل التغيير. في نفس الوقت، انتقلت الفصائل الدينية في البلاد مؤخرًا نحو سن مشروع قانون خفض سن الزواج القانوني للمرأة إلى تسعة. وقد استشهد رعاة مشروع القانون إلى التعاليم الدينية القديمة كمبرر، وقد مضوا قدمًا في التشريع رغم الاحتجاجات التي اندلعت في جميع أنحاء البلاد. هذا الانتهاك لحقوق المرأة والطفل يطرح السؤال، كيف يمكن لهذا أن يحدث في عالم اليوم؟

فيصل آل مطر، لاجئ عراقي ومؤسس المنظمة العالمية العلمانية والاستراتيجية، يقول إن التمسك بالتفسيرات الحرفية للنص الديني الإسلامي سببه عدم وجود تنوير علماني. ويقول إن القضية “تثير القلق لأن التكنولوجيا الحديثة تسمح للمنظرين الدينيين وللأصوليين أن يسببوا المزيد من الضرر على هذا الكوكب”، يسلط فيصل الضوء على القلق الذي يتملك العديد في الشرق الأوسط؛ فحركات الجهاد لا تضر فقط بالمصالح الغربية، ولكن أيضًا تضر بحياة المواطنين في الشرق الأوسط.

أصدرت حكومة المملكة العربية السعودية مؤخرا إعلانًا يحظر “الدعوة للفكر الإلحادي بأي شكل من الأشكال”. وقد صدر هذا المرسوم إلى جانب العديد من المراسيم التي تحظر الجماعات الأصولية المتطرفة التي تجند السعوديين للقتال في الحرب السورية وإسقاط الحكومات. وقد كان رد آل سعود على النحو التالي – محاكمة كل من المتطرفين دينيًا والعلمانيين التقدميين الذين يتحدون السلطة. وقد شمل تهديد تحدي السلطة شقين. تدعو الجبهة العلمانية لقدر أكبر من المساواة والديمقراطية، في حين تدعو نظيرتها الإسلامية الراديكالية إلى دولة أكثر تحفظًا.

هناك جهات من خارج المنطقة تعمل على تحدي الفكر الجهادي. هانا ستيوارت ورشاد علي من جمعية هنري جاكسون، وهي مؤسسة فكرية مقرها لندن، جمعا “دليلًا لتفنيد الجهادية: نقد مزاعم الإسلاميين المتشددين بالعودة إلى الأصول الدينية” يهدف إلى تفنيد الأساس التاريخي للفكر الإسلامي العنيف والقمعي. هما يمثلان حركة متنامية من المسلمين الليبراليين لمنع الحركة الجهادية من الانتشار. ويبقى التعليم قوة دافعة في نقد مثل هذه الإيديولوجية العنيفة والعدوانية.

موقع جهاد ووتش، التي أسسها المخرج روبرت سبنسر، تحاول أيضًا الحد من تأثير الجهاد من خلال معالجة ذلك أكاديميًا. يؤكد سبنسر أن تهديد الجهاد حقيقي، حتى خارج منطقة الشرق الأوسط، “إن الجهاد العالمي ضد الغرب اليوم يساعد أيضًا تجمعات المسلمين بالتحول في الغرب من بين الجماعات التي تشعر أنها مضطهدة ومهمشة.” والنقاش بين المواطنين في الشرق الأوسط يمتد على الصعيد العالمي، ليثير المخاوف والأفكار من داخل وخارج المنطقة.

السوريون والعراقيون والمصريون وغيرهم، يعبرون عن مطالبهم بتشكيل حكومة تمثلهم. خلقت سنوات من القمع جيل يكافح للحصول على فرصة. تحول أساليب الشباب في الشرق الأوسط يثير التساؤلات سواء حول المؤسساتية الدينية والقيادة الاستبدادية. سيتم ربط النضال من أجل التحول السياسي بالنزاعات بين المجموعات الدينية المختلفة.

فبينما يدعو العلمانيون لإصلاح ديمقراطي أكبر، يطالب الإسلاميون المحافظون المضطهدون بمساهمة أكبر في الكيفية التي يُحكمون بها. وفي حين أن قمع كل منهم وعدم وجود صوت لهم يعكس التجارب العلمانية، فإن أهدافهم تتعارض مع بعضهم البعض. فالتهديد الأكبر للاستقرار في الشرق الأوسط يأتي عبر الخلافات بين المواطنين أنفسهم. ويبقى السؤال، كيف سينسجم الدين مع أفكار جيل عربي جديد عن الحكم؟

عرض التعليقات