مع حلول الذكرى العشرين لأحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، تدور غالبية الأحاديث دائمًا عن أحد أسوأ الهجمات التي تتم على الأراضي الأمريكية، ونتحدث عن نظريات المؤامرة حول مدى مسؤولية تنظيم القاعدة عن الهجوم، وربما نشير إلى آلاف الأبرياء الذي قضوا في هذا الهجوم ولم يتبق منهم إلا رفات، وما تبعه من تدخلات عسكرية قتلت آلاف الأفغان والعراقيين، ناهيك عن انتشار أعمال العنف ضد المسلمين في الغرب.

حسنًا، كل هذا مفهوم ومنطقي. لكننا نريد الذهاب إلى زاوية مختلفة قليلًا، نحن نعرف أن برجي التجارة العالميين انهارا تمامًا في تلك الهجمات، فهل سأل أحد نفسه أين ذهب هذا الركام الهائل الحجم؟ وكيف تخلصت منه الولايات المتحدة؟ ربما يبدو السؤال غريبًا بالفعل، لكن ماذا لو قلنا إن هناك أكثر من 1100 ضحية لم يجر التعرف إليها حتى اليوم؟ نعم، كانت هناك بعض البقايا التي وجدت دون معرفة هوية صاحبها، لكنها ليست كل بقايا هؤلاء، لأن بعض هذه البقايا اختلطت بالركام بشكل لا يمكن فصله، فأين ذهب كل هذا الرفات؟

قصة الركام.. الحكاية من البداية

في الأشهر التي أعقبت هجوم الحادي عشر من سبتمبر قبل 20 عامًا، والذي أودى بحياة الآلاف من الناس وتسبب في أضرار مادية تفوق 40 مليار دولار أمريكي، بدأت الصدمة تهدأ بعض الشيء لتفسح المجال أمام الحجم الهائل لعملية التنظيف التي تحتاجها مدينة نيويورك من بقايا الركام الهائلة، والتي انتشرت على مساحة واسعة.

Embed from Getty Images

وسط الدمار، عثر فريق من المتطوعين ورجال الإطفاء والشرطة على 21 شخصًا على قيد الحياة في اليوم الأول من الحادث، لكنهم لم يجدوا أي شيء آخر، فكل ما كان موجودًا هو الجثث والبقايا البشرية. جمعت قرابة 21900 قطعة من قطع الأجساد المتبقية بشق الأنفس، والتي كانت متناثرة في جميع أنحاء حطام برجي التجارة.

بعد ذلك، كان لا بد من حدوث أمرين، الأول هو تحديد هوية ضحايا الهجمات من خلال هذه القطع الهائلة، وهو ما مثل – ولا يزال – تحديًا للطب الشرعي، والأمر الثاني هو تنظيف المدينة وموقع الحادثة من الركام الهائل ورفات الضحايا.

عملية تحديد هوية الضحايا ما زالت مستمرة

بعد أسابيع من الهجوم، قدر إجمالي عدد القتلى بأكثر من 2996 قتيلًا في الهجمات على البرجين؛ وكانت مدينة نيويورك قادرة فقط على التعرف إلى رفات نحو 1600 من ضحايا مركز التجارة العالمي. جمع مكتب الفحص الطبي في ذلك الوقت، قرابة 10 آلاف شظية متبقية من العظام والأنسجة مجهولة الهوية التي لم يتمكن من مطابقتها مع قائمة الموتى.

في عام 2006، عثر على مزيد من شظايا العظام من قبل العمال الذين كانوا يستعدون لهدم مبنى «دويتشه بنك»، الذي تعرض للتلف بسبب الهجمات، وجرى تحديد هوية بعض أصحابها. وفي عام 2010، قام فريق من علماء الأنثروبولوجيا وعلماء الآثار بالبحث عن رفات بشري ومتعلقات شخصية في الموقع الذي نقلت إليه بقايا الحطام، حيث عثر على 72 رفاتًا بشريًّا آخر تمكنوا من التعرف إليه.

استمرت محاولات تحديد هوية أصحاب البقايا البشرية عبر تحديد سمات الحمض النووي، وتمكن العلماء في عام 2017 من تحديد الضحية رقم 1641 بفضل تكنولوجيا الحمض النووي التي باتت متوفرة حديثًا، وجرى التعرف لاحقًا إلى أربعة ضحايا آخرين في عامي 2018 و2019. لكن لم يجر التعرف إلى 1108 ضحايا آخرين حتى اليوم.

Embed from Getty Images

حاليًا، توجد بقايا رفات الضحايا التي جمعت، والتي تقدر بقرابة 21900 قطعة من العظام بعضها حجمه أقل من الحصوات الصغيرة، في مكتب الطب الشرعي بمدينة نيويورك، حيث لا تزال المحاولات مستمرة للتعرف إلى هذه البقايا وتحديد هوية الضحايا.

ومكب نفايات «فريش كيلز» أصبح مقبرة جماعية

بعد انتهاء عملية الفرز الأولى بعد أسابيع من الهجمات، حددت السلطات المحلية مكب نفايات في جزيرة ستاتن لنقل حطام البرجين إليه، لفرزه وتفتيشه بحثًا عن المخلفات البشرية. يطلق على مكب النفايات هذا اسم «فريش كيلز» (Fresh Kills)، وهو مكب مخصص منذ عام 1948 بوصفه مرفقًا أساسيًّا للتخلص من النفايات الصلبة بمدينة نيويورك.

ورغم محاولات غربلة أجهزة الكمبيوتر المنصهرة، والفولاذ المتآكل، والزجاج المكسور، والرماد والغبار، لم يتمكن المحللون بشكل منهجي من التعرف إلى كل الرفات والبقايا البشرية، وفصلها عن الحطام. هذا يعني أن بعض بقايا ضحايا البرجين ظلت موجودة وسط الحطام، وأصبح مكب النفايات مقبرة جماعية لبقايا الجثث مجهولة الهوية.

وجدير بالذكر أن هذا المكب أصبح خطرًا على صحة المسعفين، وعمال البناء، وكل من يقترب منه لانتشال الرفات أو التعامل مع الحطام؛ وذلك بسبب الأبخرة الضارة التي تنتج من مسحوق الخرسانة وحطام البناء والسليلوز والأسبستوس والرصاص والزئبق وغيرها من المواد الخطرة، وهو ما زاد خطر الإصابة بسرطان الكلى والقلب والكبد والثدي بين أوائل المتعاملين معه، الذين رفعوا لاحقًا دعوى قضائية ضد مدينة نيويورك لفشلها في توفير معدات الحماية المناسبة لهم.

رفات الضحايا يصل إلى الصين والهند ويملأ حُفر شوارع نيويورك بعلم الولاية!

على الرغم من أن مكب النفايات كان يعد خطرًا على الصحة، فإن بقايا الهيكل الفولاذي للأبراج بدأت في التحرك خارج مكب النفايات. إذ اشترت صناعة الخردة بقايا هذه المباني وباعتها بهدف الربح لأسواق المعادن المستعملة في الصين والهند، ونعم، نحن هنا نتحدث عن خردة صهرت معها بقايا رفات بشري للضحايا الذين لم يعثر على أي بقايا لهم!

قام أحد معالجي الخردة بموجب عقد مع إدارة الصرف الصحي بمدينة نيويورك بشراء وقطع المعادن في مكب النفايات «Fresh Kills»، واشترت شركة أخرى 50 ألف طن إضافية من العوارض الهيكلية الكبيرة التي باعتها مدينة نيويورك بمبلغ 120 دولارًا أمريكيًّا للطن!

وصل الفولاذ إلى الهند في غضون ستة أشهر فقط بعد الهجمات، واستخدم في بناء العديد من المباني في جميع أنحاء مدن الهند، من بينها كلية وساحة لصيانة السيارات، بل مركز تجاري أيضًا. ليس هذا فحسب، فقد كشفت إفادة خطية قدمت عام 2007 أمام محكمة مانهاتن الفيدرالية بأن الرفات الممزوج بمساحيق الحطام قد نقله موظفو المدينة لملء الأخاديد والحفر في مدينة نيويورك، كما استخدمت بقايا البرج لإصلاح شبكة طرق عامة مكسورة.

أهالي الضحايا ينتقدون عملية التنظيف والقضاء يجيب: «صاروا غبارًا»!

تعاقدت مدينة نيويورك مع خمس شركات إنشاءات لإزالة أنقاض مركز التجارة العالمي من الأرض، من أجل إعادة فتح بورصة وول ستريت في أسرع وقت ممكن. ونشرت إدارة الصرف الصحي بمدينة نيويورك الآلاف من الموظفين لتنظيف المنطقة المحيطة بالبورصة ومنطقة مانهاتن بشكل عام. اعترضت عائلات الضحايا على أن السلطات تعاملت بشكل غير صحيح مع رفات الجثث. وقد جادلوا بأن أكوام النفايات العضوية وغير العضوية من أنقاض البرجين التوأمين قد نزحت على عجل ودُفنت بشكل غير واضح مع بقايا الأنقاض.

عندما رفعت عائلات الضحايا دعوى قضائية ضد البلدية بسبب سوء إدارة الرفات البشري، اعترضت السلطات على أن الحطام قد فحص بعد عملية تصنيف دقيقة. في النهاية، قال القاضي إن الضحايا قضوا دون أن يتركوا أثرًا، أو استهلكتهم الحرائق الهائلة، أو سحقوا إلى غبار بسبب أطنان ضخمة من الخرسانة والفولاذ المنهارة.

والرأسمالية تنتصر على كل شيء!

بعد مرور سبع سنوات فقط على الهجمات، طمست بقايا الموتى نهائيًّا من مكب نفايات «Fresh Kills»، الذي تحول عام 2008، تدريجيًّا إلى حديقة ترفيهية، يمكن الوصول إليها بالدراجة والقوارب وركوب الخيل. وبمجرد الانتهاء منها، ستبلغ مساحة المنطقة الواسعة ثلاثة أضعاف مساحة سنترال بارك تقريبًا، وستكون مغطاة بالنباتات والملاعب الاصطناعية.

من هنا، نلاحظ تأثير الرأسمالية في أبشع صورها؛ إذ تقدم قصة 11 سبتمبر مثالًا صارخًا على اقتصاد إدارة النفايات، والذي يشكل بعمق ثقافة المدينة الحديثة. فالنفايات ليست نتيجة ثانوية غير مرغوب فيها للمجتمع البشري، ولكنها تساهم في دورات الازدهار والكساد وتحقيق الأرباح.

تاريخيًّا، استخدمت نيويورك أنقاض عمليات البناء وحطام مينائها القديم لإنشاء أرض اصطناعية وتوسيع واجهتها البحرية. مثل الكثير من العقارات الثمينة الأخرى التي لا تزال قائمة حتى اليوم، بني برجا التجارة العالميان في الأصل في موقع مكب نفايات سابق في منطقة مانهاتن السفلى.

دولي

منذ 5 أيام
«ذي إنترسبت»: كيف كذبت جنرالات الجيش الأمريكي بشأن الحرب في العراق وأفغانستان؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد