يوافق اليوم الذكرى الخامسة لحركة 20 فبراير، الحركة الاحتجاجية التي جسدت النسخة المغربية من الحراك العربي عام 2011، إنها كانت بمثابة حجر كبير ألقي في مستنقع شديد الركود، انتزع حراكها دستورا جديدا، وعجل بتنظيم انتخابات برلمانية مبكرة، فاز على إثرها الإسلاميون بأغلبية المقاعد ليشاطروا القصر في السلطة، لأول مرة في تاريخ البلد.

لتدرك خلفية دينامية احتجاجات الحركة من المهم قراءة الربيع المغربي: 5 محطات رئيسة تحكي لك القصة من البداية إلى النهاية.

الآن وبعد مرور خمس سنوات من اندلاع حراك الـ 20 فبراير، نستقصي مآلها وآثارها؟ ونتساءل إذا ما كانت قد حققت غاياتها أم لا؟

أين وصلت العشرين فبراير الآن؟

«بعد مرور خمس سنوات، أشعر باليأس، بضياع حلم جميل، حلم شعب وجيل، يجب أن نعترف أننا فشلنا، وذلك راجع إلى قوة المخزن من جهة، وخبرته في مواجهة الانتفاضات الشعبية» إكرام المصباحي، واحدة من ناشطات 20 فبراير، وهي تصرح لموقع لكم.

شباب وشابات يغمرهم الطموح بغد أفضل، ويملؤهم الحماس بقدرتهم على صنع مغرب جديد، نزلوا الشوارع، وحناجرهم تصدح بين أحياء المدن الكبرى (طنجة، تطوان، الرباط، فاس.. ) بهتافات الحرية والكرامة والعدالة، مفعمين بالنشاط والغضب في اللحظة ذاتها.


الآن وبعد أن هدأت العاصفة، يعتقد كثير منهم أنهم كانوا مجرد مراهقين حالمين، وأن بعبع الفساد والاستبداد أقوى منهم بكثير، فلم يجد معظمهم سوى الانسحاب بهدوء والالتفات إلى طريقهم، والبعض منهم اختار أن يشتري بسجله النضالي بعض المصالح، أما آخرون فقد قرروا ـ ببساطة ـ الرحيل عن البلاد برمتها طالبين اللجوء السياسي ببلدان غربية.

في الحقيقة قدمت شهادة وفاة 20 فبراير منذ السنتين الأوليين من عمر الحركة، أما الآن فلا تعني شيئا، إلا خيالا حالما يداعب أنصارها المعزولين بنوع من الأسى والحنين، يتذكرونه كل عام، وقد يخرج بعضهم إلى الشارع، كما يحدث في هذا اليوم؛ في محاولة يائسة منهم لإظهار أن روح 20 فبراير لا زالت حية ترزق، وليس كما نظن.

ماذا قدمت 20 فبراير للمغرب؟

«إن ما نريد قوله، بالضبط، هو أن لحركة 20 فبراير فضل كبير على السيد بنكيران وحزبه ومن يدور في فلكه، سواء اعترف بذلك أو لم يعترف، وقد كان مخطئا كثيرا حينما ظن أن سقف مطالبها يتجاوز الملكية» الكاتب عبد النبي الحري.

يكفي للدلالة على استثنائية «الحراك المغربي» أن رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران ومتزعم حزب العدالة والتنمية الإسلامي، كان من أشد خصوم حركة 20 فبراير السلمية، ومنع قادة حزبه وأطره،وشبيبته من المشاركة فيها؛ حيث رأى فيها تهديدا «للإمامة العظمى» بالمغرب، رغم أن الحزب قد وصل إلى السلطة كأحد تداعياتها، بخلاف التيارات الإسلامية بالبلدان العربية التي لم تتخلف عن الانخراط في الحراك العربي بسياسييها وقواعدها الشعبية.

نادت الحركة إبان أوج احتجاجاتها بإسقاط الفساد، وتوفير الشغل والكرامة، وتحسين الصحة والتعليم، وقبل ذلك، نادت بإنهاء عهد القمع والاستبداد، دون أن تتجاوز مطالبها إلى إسقاط النظام.

لكن لا يبدو أن شيئا من ذلك قد تحقق، فلا يزال المغرب يتأخر في مؤشرات التعليم والصحة، ولا يزال الفساد ينخر في أجهزة الدولة، أما الفقر والبطالة فقد دفعا آلاف الشباب المغربي إلى ركوب أخطار الموج مع اللاجئين السوريين؛ بحثا عن مستقبل أفضل.

وفي نفس الوقت فقد قدمت احتجاجات 20 فبراير الكثير للمغاربة، بالرغم من كل مآخذ الفشل التي تخبطت فيها، كان أبرز إنجازاتها انتزاع دستور متقدم شيئا ما عما قبله، لكنه لا يرقى إلى «ملكية برلمانية» على غرار الملكيات الأوروبية، كما أن رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران تعامل مع الدستور الجديد بكثير من الزهد في تطبيق صلاحياته الدستورية، وفقا لمراقبين؛ نتيجة للحواجز التاريخية بين القصر والإسلاميين، مما أفقد هذا التقدم الدستوري مضمونه واقعيا.

وإذا شئنا إرجاع الفضل لحركة 20 فبراير في تحقيق مكتسب ما، فهو كسر حاجز الخوف؛ فلطالما ارتبطت السياسة بالمغرب بالمجال المحظور والخطر، والذي هو عادة ما يذكر المغاربة بحقبة سياسية مروعة تسمى بـ «سنوات الجمر والرصاص»، وقد كان لأحداث الربيع العربي واحتجاجات 20 فبراير دور عميق في تصالح المواطنين مع السياسة، حتى أصبح كثير من الشباب والنساء والكبار متابعا لمجريات الأحداث السياسية، بعدما كانوا أبعد ما يكون عنها.

لماذا فشلت 20 فبراير إذن؟

«لقد كانت الحركة يتيمة بمعنى الكلمة، فلا قوى سياسية أيدتها، ولا نخبة قادتها، ولا قواعد شعبية حركتها، ولا إعلام تابعها».

بخلاف كل حركات الربيع العربي، التي، وإن لم تحقق أهدافها، فإنها تحظى باحترام لدى بلدانها، لكن بمجرد ذكر حركة 20 فبرير لدى الرأي العام المغربي، فإنك ستدرك فورا مدى السمعة السيئة التي تحظى بها شعبيا ونخبويا، فما أسباب فشل الحركة إذن؟


إنه بإمكاننا القول إنه حتى المكتسبات التي قلنا آنفا إنها قد تحققت بفضل 20 فبراير، في الواقع لعلها كانت بسبب سياق المحيط الإقليمي، والخشية من هاجس انتقال العدوى أكثر مما يعود إلى ضغط الحركة، التي افتقدت لعناصر القوة والتأثير السلميتين؛ لأسباب ذاتية وأخرى موضوعية.

مع بداية 2011 كان المحتجون في مصر يملؤون الشوارع بالملايين، وقبلهم خرج التونسيون بمئات الآلاف، لكن بالمغرب لم يشارك في مظاهرات 20 فبراير سوى بضعة آلاف، وسرعان ما أصبحوا بضعة مئات بعد أسابيع فقط، ومعظم الاحتجاجات التي تزامنت مع تلك الفترة كانت ذات طابع فئوي، حيث استغل العاطلون ذوو الشهادات والمهنيون والانتهازيون اللحظة التاريخية لتحقيق مصالحهم الفئوية الخاصة، وانتهى حراكهم بمجرد تلبية الدولة لبعض مطالبهم.

في جانب آخر، كان للإعلام المتلفز والإلكتروني دور محوري في تبلور الحراك العربي، وقد كانت وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك، تويتر، يوتوب، ماسانجر) أداة فعالة للحشد، وتنظيم المظاهرات والدعوة إليها، إلا أن حركة 20 فبراير افتقدت لهذا العنصر الرئيس، ولم تستطع كوادرها استغلال وسائل الإعلام الجديدة بشكل أفضل، وتقديم خطاب أكثر وضوحا وبساطة لعوام الناس.

لم تكن النخبة السياسية والثقافية والحقوقية في المغرب بجانب حركة 20 فبراير خلال حراكها، بل إن جميع الأحزاب السياسية الكبرى (بما فيها حزب العدالة والتنمية) أصدرت بيانات آنذاك تتبرأ من الحراك وتتهمها بـ «إشعال الفتنة»، أما المثقفين والحقوقيين فقد لاذوا بالصمت المطبق.

ومن جهة أخرى لا يجدر بنا إغفال «خبرة وذكاء» الدولة العميقة في تفجير الحركة من الداخل وبث الشقاقات بين مكوناتها، بالإضافة إلى ملاحقة نشطائها واقتناص أخطائهم عبر الأجهزة الأمنية والقضائية، ناهيك عن حملات التشويه التي وصمت بها الحركة، من «العداء للإسلام، والمثلية، والأجندات الخارجية».

هل تعود حركة 20 فبراير إلى الشارع؟

«إن الحديث عن موجة احتجاجية ثانية هو تحصيل حاصل وأمر وارد لا ريب فيه» القائد البارز لجماعة العدل والإحسان حسن بناجح.

أما الناشطة الحقوقية خديجة الرياضي، الفائزة بجائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فهي ترى «أن هناك إشارات واضحة تحيل على عودتها في القادم من الأوقات، بسبب عودة الاستبداد واستمرار الفساد».

بالنسبة للناشطة الفبرايرية إكرام المصباحي فقد صرحت قائلة:«شخصيا أرى أن الأسباب التي أوجدت حركة العشرين من فبراير لازالت قائمة، إن لم نقل تفاقمت مع حكومة عبد الإله بنكيران، بالإضافة إلى التخوف من الأفق المجهول»، مقترحة عدم الاكتفاء بالتظاهر، بل ينبغي إنشاء كيان سياسي يجمع كل القوى الديموقراطية الحية، مهمته التفكير وخلق بدائل للخروج من حالة التيه وقيادة الحراك.

يشعر قطاع كبير من المغاربة بالإحباط من استمرار الفساد والحالة المزرية للصحة والتعليم وكذا استفحال البطالة، ولا سيما بعد أن تبين لهم أن حكومة بنكيران التي كان يعقد عليها الأمل بدت عاجزة تماما عن التغيير، إلا أنهم في نفس الوقت لا يحبذون فكرة 20 فبراير، بعدما ظهر لهم فشل الثورات في تحقيق أهدافها، وتحول بعضها إلى حروب أهلية دموية.

لكن في نفس الوقت يزداد سخط جزء واسع من الشباب المغربي من استمرار الفساد والبطالة والشعور بانعدام الأمل، كما يبدو ذلك واضحا على الصفحات الاجتماعية المغربية، وهو وضع لا يمكن التنبؤ بتداعياته.

ربما تكون الانتخابات البرلمانية المقبلة فرصة لقياس مدى رضا المواطنين المغاربة عن الحياة السياسية في بلادهم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد