تبدو الحلول دومَا سهلة في عناوينها، على مرمى حجر يقف في طريقه حاجز وحيد؛ «ما يحدث في سيناء سيتوقف في اللحظة التي يتراجع فيها السيسي عن الانقلاب»، هكذا قال الدكتور محمد البلتاجي، قيادي جماعة الإخوان المسلمين في مصر، معبرًا عن وجهة نظر قطاع مما يسمى التيار الوسطي من الإسلاميين الذين يرون أن ضبط الخطاب الإسلامي والقضاء على التطرف يبدأ بتمكينهم كـ«وسطيين»، باعتبارهم قادرون على مواجهة السردية الجهادية والتصدي لها.

أحدهم قد يخبرك أن الحل يكمن في وصفة العلاج الناصرية، بالمواجهة الأمنية الشاملة والاستئصال التام والزج بالمتطرفين وأنصارهم في السجون والقبور، وآخر سيتحسر على زمن الملكية الليبرالي و«ما قبل الغزو الوهابي لمصر» بحسب التعبير الشائع، وثالث أو رابع لن يرى خلاصًا إلا بتجفيف المنابع والتصدي لكل مظاهر التدين على خطى الزعيم التركي كمال أتاتورك؛ والحياة دومًا ستفتح أبواب صراعها مشتعلة – وبكل الترحاب – للجميع، وسيفتح التاريخ آذانه صاغية فقط لمن امتلك منهم أسباب الغلبة والانتصار.

تواجه مصر في مرحلتها الحالية معركة ضروس مع الفكر الجهادي وجنوده على الأرض من أعضاء الجماعات الإرهابية، وإلى جانب المواجهة المسلحة في ميادين المعركة، ترتفع يومًا عن يوم الأصوات المطالبة بتجديد الخطاب الديني للقضاء على هذا الفكر من جذوره، وتجديد الخطاب الديني ليس مطلبًا جديدًا في مصر، غير أنه ارتفع في الأشهر الأخيرة ليصل إلى حد الهجوم الإعلامي المباشر والحاد من الإعلام المؤيد للنظام على الأزهر وشيخه محملين إياه المسؤولية عن انتشار الأفكار الدينية المتطرفة، بل ليصل حتى إلى المناوشات المازحة علنًا بين رئيس الجمهورية وشيخ الأزهر، فيما رآه البعض امتدادًا لخيط اعتراض شيخ الأزهر على السياسة الأمنية للنظام، والذي بدأ ظهوره للعلن منذ بيانه عقب مذبحة الحرس الجمهوري.

اقرأ أيضًا: الطيب والسيسي.. ماذا تعرف عن صراع الشيخ والرئيس؟

ولأن الحواجز التي نحن بصددها، تلك التي تقف بين الحلول وتحقيقها، تشكل دائرة مغلقة، إذ إن الإسلامي سيظل يرى الحكم العسكري الدكتاتوري حاجزًا بينه وبين علاجه الناجع، وسيظل النظام يرى الديمقراطيين حاجزًا، والديمقراطيون يرون الأجهزة الأمنية حاجزًا، وهكذا دواليك، فإن هذا التقرير سينطلق بعيدًا عن كل هذا، ليقترب من التجربة الأكثر نجاحًا في العالم العربي، فيما يتعلق بتجديد الخطاب الديني، وهي التجربة المغربية، ويحاول أن يجيب على السؤال؛ هل يمكن أن تستفيد مصر إذا كانت تسعى دولتها بجدية لتجديد الخطاب الديني من هذه التجربة، التي يصفها المراقبون بأنها الأكثر نجاحًا في العالم العربي؛ خاصًة في ظل تشابه الظروف في البلدين في الكثير من الجوانب؟

بين الرئيس المؤمن وأمير المؤمنين

التشابه بين التجربتين، المصرية والمغربية، في مواجهة ما تسميه الدولتين خطر الإرهاب، لا يقف عند انتشار الجماعات الجهادية المسلحة في السنوات الأخيرة، وإنما يعود لمرحلة أقدم وأعمق من ذلك، إذ إن الظروف التاريخية لصعود الإسلاميين في البلدين متشابهة إلى حد كبير، فمثلما فتح الرئيس الراحل أنور السادات الباب للإسلاميين للمشاركة في الحياة العامة والسياسية، لمواجهة انتشار الحركات اليسارية في المجتمع المصري في السبعينيات، قبل أن يلقب نفسه بالرئيس المؤمن ويعلن مصر دولة العلم والإيمان، كذلك أيضًا فعل الملك المغربي الراحل الحسن الثاني، عقب انتشار مماثل للحركات اليسارية في المجتمع المغربي في العقد نفسه، وملك المغرب هو أمير المؤمنين بصفة رسمية وفق الدستور المغربي.

لم ير الرئيس المؤمن وأمير المؤمنين في التيارات الإسلامية خطرًا على استقرار البلاد؛ فتركاها تنمو في وطنيهما؛ لعلها تواجه أفكارًا رأوها أخطر على أنظمة حكمهما، بل إن الملك المغربي تبنى هذا الصعود الإسلامي في بدايته بصفة رسمية، فأسس عام 1981 المجلس العلمي الأعلى، ليصبح أعلى مؤسسة دينية في البلاد وخاضعا لرئاسته المباشرة، وأنشأ تحت مظلته عددًا من المجالس العلمية الإقليمية في مختلف أقاليم المغرب، لتتواصل مع المواطنين بشكل أقرب، مستنكرًا في خطابه المؤسس لهذه المجالس غياب الدور الإسلامي عن الحياة العامة بقوله: «أصبحتم حضرات العلماء غائبين عن الميدان اليومي في المغرب، بل يمكنني أن أقول إنكم أصبحتم غرباء، أصبح الإسلام وتدريس الإسلام في الجامعات وفي المدارس الثانوية لا يعدو أن يكون دروس تعليم الوضوء ومبطلات الصلاة، فأين هو تحليل النظام الاقتصادي والاجتماعي».

فتح الملك الباب بذلك أمام المد الإسلامي الذي وصل ذروته في التسعينات، حيث سيطر الإسلاميون على الجامعة، وانتشروا باكتساح في المجتمع والمجال السياسي، وصولًا إلى منازعة الملك نفسه على الشرعية الدينية، والانتشار المكثف للفتاوى الذي رآه البعض عشوائيًا وفوضويًا، كل ذلك قبل أن يصحو المغاربة على صدمة سلسلة تفجيرات الدار البيضاء عام 2003، أعنف حوادث إرهابية في تاريخ البلاد، بعد أقل من عامين من تفجيرات 11 سبتمبر (أيلول) التي صدمت العالم كله ولفتت أنظاره إلى قضية الإرهاب.

الملك مأموم والإمام «إرهابي»!

في 28 مارس (آذار) عام 2014، شاهد المغاربة بدهشة بالغة ملكهم محمد السادس جالسًا القرفصاء مفترشًا أرضية مسجد «طارق بن زياد» في صلاة الجمعة في مدينة طنجة المغربية، منصتًا لخطبة آخر خطيب توقعوا رؤيته على هذا المنبر، الشيخ محمد الفزازي، الرجل الذي كان معدودًا ضمن آباء الحركة الجهادية في المغرب، ليست مجرد أبوة فكرية غير مباشرة، بل إن القضاء المغربي اعتبره مسئولًا عن تفجيرات الدار البيضاء عام 2003 وحكم عليه بالسجن 30 عامًا، فما الذي جعل الشيخ «الإرهابي بحكم المحكمة»، والمحكوم عليه بالسجن لثلاثة عقود، يقف بعد عقد واحد خطيبًا أمام ملك البلاد، ذات الملك الذي اعتبره يومًا ما طاغوتًا واعتبر الديمقراطية كفرًا؟ هنا ولا شك قصة تستحق النظر.

تفاصيل الخطة المغربية الرائدة

مثلت تفجيرات الدار البيضاء – التي أودت بحياة 45 شخصًا – صدمة كبيرة في أوساط المجتمع المغربي، فالمغاربة في أغلبهم ميالون للاعتدال، والمغرب إحدى أكبر الدول ذات الانتشار الصوفي، فضلًا عن أن الدولة تعتمد بشكل رسمي المذهب الأشعري في العقيدة، وتلك العوامل تعتبر من المشتركات أيضًا بين المغرب ومصر، مع تفاوت الدرجة، فالانتشار السلفي في مصر أكبر، لكنك ستجد في المغرب أيضًا هؤلاء الذين يتذمرون من انتشاره ومما يسمونه بنفس الاسم الشائع عنه في مصر «الغزو الوهابي»، فما هي الخطة التي نفذتها الدولة لإنقاذ المجتمع من هذا المد الذي اعتبرته متطرفًا؟

عام 2004، وفي الذكرى الأولى لتفجيرات الدار البيضاء، أعلن الملك محمد السادس عن خطة للإصلاح الديني ذات ثلاثة محاور: هيكلة المؤسسة الدينية الرسمية، والاهتمام بالتعليم الديني، والإصلاحات الاجتماعية والتنموية، قائلًا في خطاب له آنذاك: «ها نحن اليوم نشرع في إرساء وتفعيل ما سهرنا على إعداده من إستراتيجية مندمجة وشمولية، متعددة الأبعاد، ثلاثية الأركان، لتأهيل الحقل الديني وتجديده، تحصينًا للمغرب من نوازع التطرف والإرهاب، وحفاظًا على هويته المتميزة بالوسطية والاعتدال والتسامح».

اقرأ أيضًا: المغرب تصدر منتجات صناعية وزراعية.. وأيضَا تجربتها في السيطرة على الدين

لم تعتمد الخطة إذن على تجديد مضمون الخطاب الديني فحسب، وإنما كذلك على إعادة هيكلة المؤسسات الدينية القائمة، واستحداث مؤسسات أخرى إضافية.

أنشأ الملك هيئة عليا للإفتاء، تحت مظلة المجلس العلمي الأعلى، أعلى مؤسسة دينية في البلاد والذي يترأسه الملك مباشرًة، وجعل تلك الهيئة محتكرة للفتاوى، كما رفع ميزانية المجالس الإقليمية وزاد عددها ليرتفع من 18 مجلسًا عامًا 2004 إلى 82 على مدار الأعوام القليلة اللاحقة، منتشرة عبر ربوع البلاد، وعمل على استقلال هذه المجالس ماليًا وإداريًا عن الوزارة، وإضافًة إلى ذلك فقد أعاد الملك هيكلة وزارة الأوقاف، واستحدث بداخلها مديرية للتعليم العتيق (التعليم الإسلامي)، ومديرية أخرى للمساجد لفرض سيطرة الدولة عليها وإغلاق تلك الخارجة عن سيطرتها، والتي كانت قد وصلت عام 2003 إلى 69% من مساجد المغرب بحسب إحصاءات رسمية، فضلًا عن إنشاء إذاعة وقناة تلفزيونية باسم محمد السادس للقرآن الكريم.

اهتمت خطة الإصلاح الديني بالمرأة أيضًا، فعملت على تأهيل داعيات وواعظات دينيات بهدف إدخالهن في مجال الإصلاح الديني وتمكينهن من التواصل مع النساء بشكل أقرب من الدعاة الرجال، حماية لهن من «التطرف»، «حرصًا على إشراك المرأة المتفقهة في هذه المجالس، إنصافًا لها، ومساواة مع شقيقها الرجل» كما قال الملك محمد السادس آنذاك.

لم يكن الطريق سهلًا أو قصيرًا على كل حال، ففي عام 2008 مثلًا، أفتى الشيخ عبد الرحمن المغراوي، أحد قادة التيار السلفي في المغرب، بجواز تزويج الفتاة ذات التسع سنوات، ما أثار موجة استنكار في المجتمع المغربي، وتنديدًا من المجلس العلمي الأعلى، قبل أن يحال الشيخ المغراوي للتحقيق أمام النيابة العامة، ويتم إغلاق دور تحفيظ القرآن التابعة لجمعيته، لينتهي به الأمر إلى مغادرة البلاد إلى المملكة العربية السعودية، وفي العام نفسه أعلنت الدولة عن خطة لتأهيل أئمة المغرب البالغ عددهم 45 ألف إمام، وصرح وزير الأوقاف حينها أن الإحصائيات الرسمية عام 2006 أوضحت أن 82% من الأئمة مجرد حافظين للقرآن، دون أي مستوى تعليمي.

نجحت المجالس العلمية في ضبط ملف الإمامة والخطابة والوعظ والإرشاد وتحفيظ القرآن الكريم، عن طريق تزكية الأشخاص المؤهلين للعمل في تلك الأماكن، وبالتالي ضبط الخطاب الديني على أصغر المستويات الشعبية، بالإضافة لعقد الأنشطة التربوية والثقافية والاجتماعية، ما أدى لتمكن هذه المجالس من الانفتاح على شرائح واسعة في المجتمع واستقطاب العديد من فئاته، خصوصًا المرأة مع إدخال الواعظات والداعيات النساء في مجال الإصلاح الديني وضمهن إلى المجالس العلمية.

آخر الخطوات البارزة في خطة الملك محمد السادس كانت عام 2014، حين أصدر مرسومًا ملكيًا بمنع الأئمة والخطباء وجميع المشتغلين بالمهام الدينية من اتخاذ أي موقف سياسي أو نقابي، حتى لا يكون الأئمة على خلاف سياسي مع المأمومين، بحسب تصريح وزير الأوقاف أحمد التوفيق، وقد يعيد هذا المرسوم إلى ذهن القارئ المصري مشاهد محتقنة في بعض مساجد مصر لدى دعاء بعض أئمتها على التيارات السياسية المخالفة لتوجهاتهم، وأخيرًا فقد أنشأ الملك أيضًا في عام 2015 معهدًا لتأهيل الأئمة والمرشدين والمرشدات.

دفع نجاح التجربة المغربية العديد من البلدان المجاورة لاستلهامها ومحاولة الاستفادة منها، مثل تونس وليبيا ومالي وغينيا، واستجابت الدولة المغربية لذلك بالعمل على تأهيل بعض الأئمة ورجال الدين في هذه الدول، بالإضافة لتأسيس «مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة».

التنمية المجتمعية والاقتصادية: مدن بدون صفيح لمواجهة التطرف

يرى العديد من المراقبين أن النظام الحاكم في مصر يعتبر التنمية الاقتصادية نقيضًا للقضاء على الإرهاب والتطرف، بحيث تصبح الثانية حجة لتعطيل الأولى. في المغرب جرى التعامل مع ذلك بطريقة مختلفة، حيث كانت التقارير الرسمية قد رصدت انتماء أغلب المجندين في تنظيمات إرهابية لشريحة الشباب وللطبقة الفقيرة، وبناءً عليه أعلنت الدولة عام 2004 عن مبادرة «مدن بدون صفيح»، للقضاء على أحياء الصفيح، (الأحياء العشوائية الفقيرة المكونة في الأغلب من عشش الصفيح).

اقرأ أيضًا: هل كانت المغرب الرابح الوحيد من الربيع العربي؟

وفي عام 2005 أطلقت «المبادرة الوطنية للتنمية البشرية»، التي استهدفت التصدي للعجز الاجتماعي وتوفير الحاجات الأساسية لغير القادرين، وتشجيع الأنشطة المدرة للدخل والموفرة لفرص العمل، والتأهيل الاجتماعي للمناطق الأكثر فقرًا في القرى والمدن، حققت هذه المبادرات أيضًا نجاحات ملموسة، لتبرهن بها المغرب على أهمية التنمية الاقتصادية والمجتمعية في القضاء على الأوبئة المجتمعية، وعلى رأسها – بطبيعة الحال – خطر الإرهاب.

كيف تفاعل الإسلاميون مع الإصلاح الديني في المغرب؟

تفاوتت الحركات والتيارات الإسلامية في المغرب في تعاطيها مع خطة الإصلاح التي تبناها الملك والدولة، وإن كانت في أغلبها ردود أفعال متجاوبة، نعرض لها فيما يلي بشكل ملخص:

  • حركة الإصلاح والتوحيد: حافظت الحركة على مشروعها الدعوي والتربوي الخاص بها، ولكنها بالتوازي مع ذلك سعت إلى الاندماج في السياسة الجديدة للدولة ودعمها، حيث ضخت في الخطة الإصلاحية للدولة مجموعة كبيرة من أعضائها، وخاصة كوادرها التعليمية في المراحل الابتدائية والثانوية والجامعية.
  • حركة العدل والإحسان: تعرف هذه الحركة بنشاطها السياسي ومعارضتها للنظام، لذا فقد كان تعاونها مع الدولة في خطة الإصلاح الديني محدودًا ونادرًا، إلا أنها كذلك لم تقف ضدها.
  • الحركات السلفية: رغم تصاعد انتشار الحركات السلفية وقوة حضورها في المجتمع المغربي، إلا أنها غير موحدة في تيار واحد منظم، وبالتالي تتفاوت تصوراتها وأهدافها وتتوزع جهودها، وهو ما أدى إلى تفاوت ردود أفعالها على خطة الدولة، فبعضها تفاعل مع المجالس العلمية وانضوى تحت جناحها شاغلًا بعض مقاعدها، والبعض الآخر عارض هذا التعاون، وصولًا إلى الحركات الجهادية منها التي أصبحت بالضرورة، إما في مواجهة النظام بالقانون وساحات المحاكم، وإما هدفًا لإصلاحاته بالمجالس العلمية والخطاب الديني الذي تبنته الدولة.
  • الزوايا وجماعة الدعوة والتبليغ: عملت المجالس العلمية على الاستفادة منها والتعاون معها، حيث إن تلك الحركات تضم القاعدة الأكبر من المواطنين المغاربة ذوي الميول الإسلامية، بالإضافة – وهو الأهم – إلى أنهم غير منتمين سياسيًا، بل يعارضون العمل السياسي في أغلب الأحيان، لذا فهم لا يشكلون خطرًا على النظام السياسي للدولة، كما أنها تتبع ذات التوجهات الدينية للدولة، وهي المذهب المالكي في الفقه، والأشعري في العقيدة، ومنهج الجنيد السالك في التصوف، لذلك تسعى المجالس العلمية إلى تقوية تعاونها مع هذه التيارات من أجل تقوية وجودها على المستوى المحلي، وأيضًا استثمار الانتشار الدولي الذي تحظى به هذه التيارات، في نشر الفكر الذي تتبناه الدولة المغربية.

«المصالحة مع المتطرفين»!

إلى جانب الخطة التي نفذتها الدولة المغربية للإصلاح الديني، فقد سعت إلى تبني مصالحات مع التيار السلفي المتشدد، داعمة قيام رموزه بمراجعات فكرية لم تنته إلى مجرد تراجعهم عن أفكارهم، وإنما حتى إلى تأييد سياسات الدولة.

الشيخ عبد الرحمن المغراوي الذي كانت الدولة قد أغلقت دور تحفيظ القرآن التابعة لجمعيته عاد إلى البلاد بعد عامين قضاهما في السعودية، بعد قيامه بمراجعات فكرية، شملت حتى دعوته لأنصاره بالتصويت بنعم على الدستور الجديد.

الخطوة الأهم تمثلت في إصدار الملك لعفو ملكي عام 2012 عن أكثر من 400 معتقل سلفي، كان من بينهم الشيخ الشاذلي، أحد أهم قادة السلفية في المغرب، والذي كان قد قضى 8 سنوات من الحكم عليه بالسجن لثلاثين عاما، ليخرج مؤسسًا لمبادرة بعنوان «الإصلاح وخدمة الوطن» لتأسيس ما يسمى بالتيار السلفي للإصلاح السياسي، واختار يوم 11 يناير للإعلان عنه، إشارة للانتماء الوطني للمبادرة بتأسيسها في ذكرى تقديم المغرب لوثيقة استقلالها، كما اختار مدينة الدار البيضاء مكانًا للإعلان عنها، إشارة لرفض ما جرى يوما على أرض ذات المدينة من عمليات إرهابية.

بالإضافة للشيخ الشاذلي، كان هناك أيضا – ضمن المعفو عنهم – الشيخ عبد الوهاب رفيقي، أو أبو حفص المغربي كما كان يلقب نفسه، والذي أصدر في السجن وثيقة مراجعة فكرية بعنوان «أنصفونا»، كما شمل العفو أيضًا الشيخ محمد الفزازي، خرج «رفيقي» لينخرط في غمار النشاط السياسي ويترشح للانتخابات البرلمانية باسم حزب الاستقلال، متبرئًا من أفكاره السابقة، أما الفزازي فقد انتهى به المطاف إمامًا وخطيبًا بملك البلاد في صلاة جمعة أجزل له ولأسرته الدعاء فيها واصفًا إياه بأمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين.

للتجربة المغربية وجه آخر

لا تخلو التجربة المغربية في السيطرة على الخطاب الديني من عيوب ما يمكن وصفه بالسلطوية في نظر المحللين، التي يتمتع بها كونه خطابًا رسميًا، فالدولة المغربية لا تسمح بالانحراف عن خطابها الديني سواء بالتطرف الأصولي فيه أو الخروج عنه، والدولة التي تفخر بالوحدة المذهبية بين مواطنيها باستثناء أقلية صغيرة من اليهود، لا تعترف بغير هاتين الطائفتين – المسلمين السنة واليهود – في قوانينها، وبالتالي فلا وجود رسمي للمغاربة المسيحيين أو الشيعة أو البهائيين مثلًا، بالرغم من اعتناق عدد من مواطنيها لتلك العقائد.

وبالرغم من تمتع المسيحيين الأجانب في المغرب بكافة حقوقهم في الاعتقاد والعبادة وحصولهم على معاملة جيدة تشيد بها التقارير الدولية، إلا أن الوضع يختلف بالنسبة للمسيحيين المغاربة أنفسهم، فأن تكون مواطنًا مغربيًا مسيحيًا، حتى ولو لم يدل على ذلك سوى حيازتك لنسخة من الكتاب المقدس، ذلك يعني أنك عرضة للمحاكمة والسجن، إذ إن اعتناق مواطن مغربي للمسيحية يعني بالضرورة في وجهة نظر الدولة تحوله إليها من الإسلام، والقانون المغربي يحظر التحول إلى أي دين غير الإسلام نفسه.

يستتبع ذلك سلب عدد من الحقوق الأساسية المرتبطة بالعقيدة لدى المغاربة المسيحيين، فهم مثلًا لا يؤدون صلواتهم إلا سرًا في كنائس منزلية، أما الكنائس الكبرى والتاريخية الموزعة على مختلف أنحاء الأراضي المغربية، فلا تفتح أبوابها إلا للمسيحيين الأجانب، كما أنهم أيضا لا يستطيعون الاحتكام لقوانين المسيحية في الأحوال الشخصية، لا يمكنهم إطلاق أسماء مسيحية على مواليدهم، كما أنهم يتزوجون ويدفنون وفقًا للشريعة الإسلامية.

اقرأ أيضًا: مسيحيو المغرب: مجرمون في نظر الدولة.. ويجب قتلهم في نظر الفقهاء

هذا التضييق الرسمي يطال أيضًا أي عقائد أخرى مختلفة حتى لو كانت مذهبًا إسلاميًا، مثل المذهب الشيعي، حتى إن العداء المغربي الرسمي للمذهب الشيعي وصل إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران عام 2009 بعد اتهام المغرب للسفارة الإيرانية بنشر المذهب الشيعي في المغرب، كما استثنى المتحدث باسم الحكومة في وقت سابق، خالد الناصري، المذهب الشيعي من مبادئ الانفتاح وحرية العقيدة، حيث قال في تصريح له: إن المغرب سيظل بلدًا منفتحًا على العالم ومتسامحًا، وضد نشر المذهب الشيعي والسلفية الجهادية.

قطع العلاقات، كما في حالة إيران، أو حتى طرد زوار أجانب بتهمة التبشير بالدين المسيحي، كما في حالات متعددة، كانت مصدر حرج داخلي وخارجي للمغرب، وهو الحل الذي تواجه به الدولة المغربية الأجانب في حالة دعوتهم لعقائد مختلفة على أراضيها، أما في حالة إذا مارس هذه الدعوة مواطنون مغاربة، فإن القانون الجنائي يتضمن عقوبة بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاثة سنوات، وغرامة من 100 إلى 500 درهم مغربي، لكل من «استعمل وسائل الإغراء لزعزعة عقيدة مسلم أو تحويله إلى ديانة أخرى»، وعلى مستوى المؤسسة الدينية الرسمية، فقد أصدر المجلس العلمي الأعلى فتوى رسمية بقتل المرتد عن الإسلام، فيما يستنكره على الدولة المغربية مراقبون يقارنون بين السياسة المغربية تجاه حرية الاعتقاد؛ في الوقت نفسه الذي ترسل فيه المغرب الوفود تلو بعضها للدول الإفريقية والأوروبية للدعوة للدين الإسلامي.

المصادر

عرض التعليقات
s