شاب في العشرين من العمر، يجلس مقابل محاور تلفزيوني، يجيب على سلسلة من الأسئلة بلهجته العراقية، وقد يبدو أنها معلومات قالها تكرارًا ومرارًا خلال رحلته في كشف أسرار حياة زعيم «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» أبي بكر البغدادي.

أنه محمد علي ساجت، «عديل» البغدادي الذي وثق به أو ربما اضطر للوثوق به لفقدان خياراته، أخذ ساجت يتحدث عن أسرار البغدادي في مقابلات تلفزيونية مصورة بعد ساعات من إعلان مقتل البغدادي ليلة 25 أكتوبر (تشرين الأول) في منطقة إدلب السورية، تارة يبدو هادئًا فرحًا بمقتل الرجل، وأخرى تخونه الكلمات التي تظهر حنينه لـ«رجال الخلافة»، كأن يقول أنه كان فرحًا جدًا عندما أصبح «عديل» البغدادي. علاوة على ما ذكره معلومات كثيرًا ما كررها الاعلام عن فكر «دولة الخلافة» وأخرى مفاجئة مثل عدم صوم البغدادي وأمره لرفاقه بعدم الصوم في شهر رمضان.

جاءت اعترافات ساجت لتكون حلقة جديدة تضاف إلى سلسلة من الأسرار قادت إلى فك لغز تحركات البغدادي، ووصلت إلى فرق الاستخبارات العراقية من عدة أشخاص أبرزهم إسماعيل العيثاوي أحد كبار مساعدي البغدادي وإحدى زوجات البغدادي الذي لعب استجوابها دورًا كبيرًا في التحضير لعملية اغتياله، في العملية التي أطلق عليها الأمريكان، «كايلا مولر» نسبة إلى الفتاة الأمريكية التي كانت رهينة لدى التنظيم، وقتلها.

«نيويورك تايمز»: كيف تأكدت «الكوماندوز» الأمريكية من مقتل البغدادي رغم تفجر جسده؟

كيف قُتل البغدادي؟

في بلدة تسمى «باريشا» بريف إدلب الشمالي (قريبة من الحدود السورية التركية)، اشترى رجل حلبي قطعة من الأرض، وأسكن بها مجموعة من الأشخاص، كانت تلك المنطقة خالية من السكان، لكن يحيط بها نازحو مخيم «طور لاها».

ترامب في مؤتمر للإعلان عن مقتل البغدادي

في سماء هذه المنطقة تواجد طيران استطلاع لمدة أسبوع قبل تنفيذ عملية «كايلا مولر»، لكن لم ينتبه أحد للحدث، حتى حلت الساعة 11.30 من مساء الجمعة الماضي ونُفذت العملية. وفي التفاصيل يروى لنا صحافي سوري وصل المنطقة بعد ساعات قليلة من وقوع العملية، فيقول: «شاركت أكثر من 20 طائرة في العملية، وتم الاستهداف من مكان قريب من قرية باريشا لمدة 90 دقيقة، وقوبلت المروحيات التي دمرت كل شيء؛ مقاومة من الأرض عبر أسلحة ثقيلة»، ويضيف الصحافي الذي رفض كشف اسمه أن عدد الضحايا من داخل البيت سبعة أشخاص، ثلاث نساء وثلاثة رجال وطفل لم يتم التعرف على هوياتهم بالتحديد حتى الآن.

وحسب الرواية الأمريكية فإن البغدادي قُتل في عملية نفذتها القوات الأمريكية الخاصة «دلتا فورس» بعد أن فجر سترة ناسفة كان يرتديها عقب حشره في نفق أسفل المجمع السكني الذي كان يسكن فيه. وقال المسؤولون الأمريكيون إن عينات أُخذت من الحمض النووي من بقايا البغدادي لتحديد هويته، أكدت أنه هو.

فيما أكدت بغداد أنها أول من أبلغ الأمريكيين بمكان البغدادي، وكان طرف خيط الوصول إليه؛ مواطن سوري قام بنقل أفراد عائلته وزوجاته من العراق إلى سوريا قبل نحو شهر. إذ قدم جهاز المخابرات الوطني العراقي معلومات إلى القوات الأمريكية تحدد مكان اختباء البغدادي، وجاء في بيان صادر عن الجهاز العراقي أنه «بعد متابعة مستمرة وتشكيل فريق عمل مختص وعلى مدار سنة كاملة، تمكن جهاز المخابرات الوطني العراقي وفقًا لمعلومات دقيقة، من تحديد الوكر الذي يختبئ فيه رأس (داعش) الإرهابي المجرم أبو بكر البغدادي ومن معه في محافظة إدلب السورية».

يقول الباحث العراقي في الشؤون الأمنية والاستراتيجية والجماعات المتطرفة، هشام الهاشمي، أن العراقيين كان لهم دور مهم في تعيين القرية التي تقوم شبكة «حراس الدين» بقيادة أبو محمد الحلبي (أحد أبرز مسؤولي الفصيل التابع لتنظيم القاعدة) بنقل عوائل تنظيم (داعش) من سوريا إلى تركيا، ويضيف: «هذا كان مهمًا، في تاريخ سابق ألقت المخابرات العراقية القبض على شخص اسمه محمد علي ساجت (عديل البغدادي)، الذي اعترف عن المكان الذي التقى فيه البغدادي، ثم اعترف على الشخص الذي أوصله إلى البغدادي، فتابعت المخابرات هذا الشخص وهو من أوصلهم إلى هذه المنطقة».

ويتابع القول لـ«ساسة بوست»: «الأمريكان قبل أسبوعين وصلت لديهم القناعة بأن الأدلة التي بحوزة المخابرات العراقية صحيحة وعليهم التحرك».

دلالات تواجد البغدادي في إدلب

لم تدرج إدلب السورية في حسابات البحث عن البغدادي، ويعود ذلك في الغالب إلى بُعد المسافة وصعوبة التنقل بين الصحراء السورية العراقية وبين إدلب، لذلك تم استبعاد الاعتماد على مهرّبين.

يؤكد المحلل العسكري السوري، العميد أحمد رحال، أن تواجد البغدادي في إدلب لم يكن لأنه يبحث عن حاضنة شعبية أو لرغبته في نقل التنظيم إلى إدلب التي طرد التنظيم سكانها مبكرًا، وإنما اقتضت الضغوط الأمنية عليه ذلك منذ سيطرة التحالف الدولي على مناطق شرق الفرات، وبعد التضييقات الأمنية التي حدثت في الأنبار والمناطق العراقية.

لكن رحال لا ينفى أن وجود البغدادي في إدلب يكشف عن أمر آخر، وهو أن التنظيمات القاعدية (نسبة لتنظيم القاعدة) الموجودة في المنطقة مثل «تحرير الشام» أو «أنصار التوحيد» أو «حراس الدين» والتي تظاهرت أنها على خلاف مع (داعش) في حقيقتهم العقائدية يعتبرون أنفسهم في مهمة واحدة وإن اختلفت الطرق، لذا «وجد البغدادي عنصر أمان في أن يكون في هذه المنطقة، وأن يكون محميًا من تنظيمات جهادية راديكالية»، بحسب رحال.

كذلك يثير رحال نقطة أخرى تتعلق بآلية انتقال البغدادي من العراق لسوريا وهي مسافة مقدرة بحوالي 500 – 600 كيلو متر، فهو لم يستطع العبور من شرق الفرات؛ لأن «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تسيطر على تلك المناطق، فالأرجح أن البغدادي عبر من مناطق سيطرة النظام وروسيا وإيران، ويوضح: «هذا ما يثير الشك حول وجود قناة تواصل بين النظام وحلفائه مع تنظيمات جهادية».

ويؤكد الباحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية، والكاتب المتخصص في العلاقات الدولية خالد يايموت، أن منطقة إدلب كانت المنطقة الأكثر أمنًا بالنسبة للبغدادي الذي يتعرض لمطاردة مكثفة من أكثر من جهة دولية وإقليمية موجودة عسكريًا بسوريا، ويوضح: «ذلك أن المدينة معروفة بسيطرة واسعة لمجموعات مسلحة لها تقاطعات بتنظيم البغدادي، وبعضها لها عداء وفي الوقت نفسه تتقاطع مع تنظيم (داعش) وتصوراته المتطرفة».

مضيفًا: «من جهة أخرى – وهذا هو الأهم – فبالمنطقة أنصار وزعامات لها ولاء للبغدادي، وبعضهم كان عضوًا لسنوات في تنظيم الخلافة، ويتمتع الأعضاء المشار إليهم بقدرة على الحركة دون إثارة الانتباه بحكم ولائهم الجديد للتنظيمات التي تسيطر على إدلب».

كما يقرأ يايموت سببًا آخر من الناحية السياسية، وهو أن وجود البغدادي بإدلب يراد له أن يظهر منطقة خفض التصعيد باعتبارها مكانًا للإرهابيين؛ فوجود البغدادي بالمنطقة يعني من جانب آخر، أن استقرار المنطقة والتوصل لحلول سلمية بسوريا، ولو جزئية، يمكن من الانتصار السريع على المنظمات الإرهابية.

مستقبل «داعش» بعد رحيل البغدادي

تأسس تنظيم (داعش) عام 2014، وكان ذلك بإعلان «تأسيس الخلافة» في يوليو (تموز) من عام الظهور الأول لزعيم التنظيم، أبي بكر البغدادي. الذي ظهر من منبر مسجد تاريخي في مدينة الموصل العراقية ليضع نفسه على رأس هذا التنظيم، فيما كان الظهور الثاني له في شريط فيديو أيضًا في أبريل (نيسان) 2019، حين أخذ يشحذ همم عناصره بعد خسارتهم مدينة الباغوز السورية، آخر معاقل مقاتليه في سوريا.

من مكان اغتيال البغدادي

الآن بعد خمس سنوات من محاربة التنظيم من عدة دول لم يعد (داعش) ذا قوة إقليمية، فهو الآن موجود فقط إلى حد كبير في خلايا لا مركزية منتشرة في البلدات الريفية في سوريا والعراق، بيد أن رحيل البغدادي – حسب المراقبين – لم يترك تأثيرًا على نشاط التنظيم.

ويشدد الباحث السوري في «مركز جسور للدراسات» عبد الوهاب عاصي، الذي حاوره «ساسة بوست» أنه لا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأنّ مقتل البغدادي سوف يؤدي إلى آثار سلبية كبيرة على ما تبقى من (داعش)؛ فالتنظيمات الجهادية تعتمد أصلًا على رمزية «الشهادة»، والتي تُعامل نظريًا في أدبيات هذه التنظيمات كمطلب أسمى لمقاتليها ومنتسبيها، ويضيف: «من جانب آخر، فإن القيادة الميدانيّة للتنظيم في العراق نجحت في توسيع قاعدتها العمليّاتية واستطاعت تكثيف حضورها الأمني بأشكال مختلفة، وعلى نحو أقل بسوريا، وبطبيعة الحال سوف يتوجّه التنظيم لاستدراك هذا الثغرة عبر تعيين زعيم جديد».

كذلك يشدد خالد يايموت على أن تنظيم (داعش) انتهى تنظيميًا، ولم يعد قادرًا على الانبعاث والتجدد في الزمن القريب، مستدركًا: «لكن التشابك القائم بين التنظيمات الإرهابية في سوريا ومصالح دول كبرى يؤشر على استمرارية الصراع الدولي بالمنطقة، وبالتالي استمرار الظاهرة الإرهابية باعتبار التنظيمات الإرهابية جزءًا من التفاعل الدولي والإقليمي الممارس على الأراضي السورية والعراقية».

ويبين يايموت أن «العمليات العسكرية الإرهابية تتجدد بتجدد سياق التناقضات الدولية والإقليمية على الأراضي السورية والعراقية؛ وليس فقط بقتل قيادات إرهابية مثل ابن لادن والبغدادي»، ويشير إلى أنه بناء على ما سبق فإن «القضاء على (داعش) يعود إلى إرادة القوى الدولية المتصارعة أساسًا، أما دور التنظيمات المسلحة المحلية المتعاونة مع التحالف الدولي فهو ثانوي؛ لأنها تابعة للسياق الدولي وليست منشأة له».

ويضيف يايموت لـ«ساسة بوست»: «الإعلان في هذا الوقت يلفه نوع من الغموض يتعلق بالانفراد الأمريكي برواية الحدث؛ وهو ما يكرس كون البغدادي جزءًا من معركة بين قوى دولية تجد في قضية الإرهاب وسيلة لتحقيق مصالح إستراتيجية بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا».

بعد مقتل البغدادي.. هل ستتغير إستراتيجية ترامب تجاه سوريا؟

حين وقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يشكر الجهات العديدة التي ساعدت في تنفيذ قواته لمهمة اغتيال البغدادي، أشار بشكل عابر إلى المساعدة التي قدمتها «قوات سوريا الديمقراطية»، ذاك الحليف الذي قدم للتحالف الدولي الذي تقوده واشنطن في محاربة (داعش) الدور الأهم. وهي ضربة جديدة تضاف إلى موقف واشنطن بترك الأكراد  قبل فترة يصارعون وحدهم التدخل التركي في شرق الفرات وإقامة «منطقة آمنة» على الأراضي التي كانت تحت سيطرتهم.

بيد أن اغتيال البغدادي فتح الباب على مصرعيه أمام نقد سياسة ترامب في سوريا، فقبل أن ينعم الرئيس الأمريكي بنتائج إعلان مقتل البغدادي الذي من شأنه  أن يعزز موقفه داخليًا، إذ يواجه مساءلة في مجلس النواب الأمريكي، عجل منتقدو قرار سحب القوات الأمريكية من شمال شرق سوريا بكيل الآثار السلبية لهذا القرار إثر مقتل البغدادي.

مؤكدين أن الخطوة قد أن تؤدي لاستعادة تنظيم (داعش) قوته بما يشكل تهديدًا للمصالح الأمريكية، لذا قال هؤلاء إنه يتعين على الإدارة الأمريكية الآن ضمان عدم قدرة تنظيم (داعش) على إعادة تشكيله، وليس فقط حماية حقل نفط؛ إذ تدرس تلك الإدارة الأمريكية فقط بقاء قوة محدودة العدد من القوات الأمريكية في شمال شرق سوريا  لحماية حقول النفط.

ويؤكد الباحث السوري في «مركز جسور للدراسات» عبد الوهاب عاصي أن  مقتل البغدادي يُمثّل إنجازًا مهمًا لترامب في هذه المرحلة من عمر إدارته، في ظل ما تتعرّض له من ضغوط سياسية وقانونية هي الأكبر منذ توليه منصب الرئاسة، خاصة وأنه يأتي بعد أسبوعين تقريبًا على الإعلان عن انسحاب أمريكي من سوريا، وهو ما اعتبره خصومه خطوة سيئة ستصبّ في صالح تنظيم (داعش).

ويتابع القول لـ«ساسة بوست»: «كما أنّ هناك ما يوحي بأنّ عملية اغتيال البغدادي ومن معه من المعاونين، قد تكون جزءًا من الاتفاق الذي تم توقيعه بين الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا في 17 أكتوبر 2019، لا سيما وأنّ بنوده تشير إلى تعزيز التعاون بين البلدين في مكافحة الإرهاب بالمنطقة وعلى رأسهم تنظيم (داعش)».

فيما يقول الزميل في مركز سياسات الشرق الأوسط بـ«معهد بروكينجز دانييل بايمان»: «في العراق وسوريا، وفي غيرها من الأراضي التي تنشط فيها الجماعات الجهادية، سيبقى الكثير من الاستجابة تكتيكيًا، ويطارد قادة المجموعات ويمنع الجماعات ككل من تطوير الملاذات أو الحصول على قوة مفرطة، فوفاة البغدادي هي ضربة مهمة، لكنها ليست نهاية الكفاح»

ويتابع القول: «من الجيد أن يتعلم الرئيس نفسه (ترامب) هذه الدروس، إن تهديده المستمر للحلفاء الأوروبيين وغيرهم من المجازفين يعرض أحد أهم أصول مكافحة الإرهاب في أمريكا للخطر، فالتخلي عن الشركاء الرئيسين يرسل رسالة مفادها أن أمريكا لا يمكن الوثوق بها».

«صُنع في سجون أمريكا».. تعرف إلى الضابط السابق الذي قد يكون خليفة البغدادي؟

المصادر

تحميل المزيد