في أوائل نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، فاجأ رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، العالم أجمع بإعلانه الحرب على «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» التي سيطرت على الجيش والحكومة في البلاد منذ فترة طويلة قبل أن يتولى آبي أحمد السلطة في 2018. هذا النزاع المسلح اندلع بعدما اتهم آبي أحمد الجبهة التي تتولى السلطة في إقليم تيغراي بمهاجمة معسكر للجيش ومحاولة نهب الأصول العسكرية.

وفي وقت تزداد المخاوف من أن تؤدي الاشتباكات القائمة الآن بين القوات الإقليمية وتلك التابعة للحكومة الفيدرالية إلى انزلاق أكبر قوة أفريقية إلى حرب أهلية، لكون الطرفين مدججين بالسلاح؛ يحذر المراقبون من أن حربًا أهلية في إثيوبيا قد تقع في ثاني أكبر دولة في أفريقيا من حيث عدد السكان (110 مليون نسمة)، وكذلك يمكن أن ينزلق القتال إلى الدول المجاورة، مثل السودان التي أعلنت إغلاق حدودها بعد تصاعد التوترات في منطقة تيغراي الإثيوبية.

ويبدو أن النزاع في المنطقة التي تبعد بضعة كيلومترات عن كسلا السودانية سيفرض تداعيات عدة على السودان، ذلك البلد الذي يشكل عاملًا حاسمًا في ترجيح كفة كل طرف من طرفي النزاع على الآخر، كما يظهر التقرير التالي.

مناوشات على حدود السودان.. تداعيات اقتصادية وأمنية تلوح في الأفق

على بعد 20 كلم من الحدود السودانية، استولى مقاتلو تيغراي على منطقة «دانشا» التي كانت مقر ضخم تابع للجيش الإثيوبي، فيما يسمع الأهالي في منطقتي «اللكدي» و«الحمر» القريبتين من الحدود أصوات الانفجارات الناجمة عن المعارك في إقليم تيغراي.

Embed from Getty Images

رئيس وزراء إثيوبيا أبي أحمد (يمين) ورئيس وزراء السودان عبد الله حمدوك (يسار)

يحد هذا الإقليم السودان من شرقه، وتربطه بالإقليم نقاط تماس ومنافذ تجارية، وهو وضع جغرافي فرض تداعيات اقتصادية وأمنية وكذلك مجتمعة على السودان، يقول الباحث السوداني بـ«مركز أنكاسام لدراسات النزاعات» إبراهيم ناصر، أن التداعيات الاقتصادية على السودان تتمثل في تعطل تجارته الحدودية، خاصة في وقت بدأ موسم حصاد الذرة، والسمسم، والقطن، وغيره.

وهو ما يعني أن الاقتصاد السوداني الذي تعرض لتأزم فترة طويلة، ستتفاقم الآثار عليه وبالأخص التجارة بين البلدين، وفيما يخص التداعيات الأمنية يقول ناصر لـ«ساسة بوست» أنه «من المتوقع بعد أن أحاط آبي أحمد بالتيغرايين وحلفائهم من الشمال والشرق والجنوب، سيصبح مخرجهم الوحيد في حال تزايد الضغط عليهم هو العبور إلى السودان، ومن ثمة استخدام السودان نقطة لانطلاق هجماتها ضد الجيش الإثيوبي في المستقبل. ويعني تسلل تلك الجماعات المسلحة أن يأخذ السودان نصيبه من التأزم الأمني وتتعرض مناطقه الحدودية للخطر».

كما أن تخوم السودان المحاذية لتيغراي من منطقة الفشقة الكبرى إلى اللكدي وود الحليو، ستكون بسبب قربها من حدود إقليم أمهرا نقطة تسلل متوقعة لقوات الجيش الإثيوبي، بحسب المحلل السياسي السوداني عبد المنعم أبو إدريس، الذي يقول لـ«صوت جنوب السودان»: «تصاعد العنف في منطقة تيغراي قد يؤثر على ولايتي كسلا والقضارف السودانيتين، ويؤدي إلى انعدام الأمن على طول الحدود؛ مما يؤدي إلى أزمة إنسانية».

ويتابع أبو إدريس القول: «يوجد بالفعل صراع قبلي في هاتين الولايتين السودانيتين، وتشهد الحدود بين البلدين سلسلة من عمليات تهريب الأسلحة النارية، وتنشط المنطقة في التعامل مع الإتجار بالبشر، لذا فإن أي انعدام للأمن في تيغراي المجاورة يمكن أن يرفع مستوى هذه الممارسات غير القانونية، فالمنطقة قد تشهد أزمة إنسانية لأن هناك ما يقرب من 9 مليون شخص في خطر كبير يعيشون بالقرب من منطقة الصراع».

أزمة إقليم تيغراي واللاجئين الإثيوبيين في السودان

يعد نزوح اللاجئين الإثيوبيين إلى السودان الذي يعاني بالأساس من مشكلة لاجئين آخرين، عامل ضغط كبير خاصة على المجتمعات السودانية الحدودية متأزمة الأوضاع، فكما قال رئيس مفوضية اللاجئين في كسلا، السير خالد: «المزيد من الناس، بما في ذلك الجرحى من العمليات هناك، ما زالوا يأتون، و الأرقام تتزايد بسرعة، وهناك الكثير من الأطفال والنساء يصلون متعبين للغاية، ومرهقين، وجائعين، وعطشى؛ لأنهم قطعوا مسافات طويلة على أرض وعرة».

وحسب ما جاء في تقرير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين: «يتم إيواء اللاجئين القادمين بشكل مؤقت في مراكز العبور الواقعة بالقرب من نقاط الدخول الحدودية وهي لودجي في القضارف وحمداييت في ولاية كسلا، ويتم توفير الماء ووجبات الطعام».

ويضيف التقرير: «مع وصول آلاف اللاجئين إلى الحدود السودانية، ومع تصاعد الصراع على ما يبدو، من المرجح أن يرتفع العدد بشكل حاد، وهو ما سيتطلب تعبئة كبيرة للموارد لتلبية احتياجات طالبي اللجوء، خاصة وأن الطرق مغلقة، وخدمات الكهرباء، والهاتف، والإنترنت مقطوعة؛ مما يجعل سبل الاتصال شبه مستحيلة، كما أن هناك نقصًا في الوقود، وقد توقفت الخدمات المصرفية؛ مما أدى إلى نقص في السيولة».

فيما يعتبر الصحافي السوداني أسامة عبد الحليم أن أكبر المخاطر على السودان جراء الأزمة في إثيوبيا تخص اللاجئين، إذ اضطر الآلاف إلى اللجوء خلال الأيام الماضية باتجاه شرق السودان الحدودي مع تيغراي هربًا من القتال بين القوات الحكومية والإقليمية، بعدما وجد ما يقارب من مليوني شخص في تيغراي أنفسهم محاصرين.

وبسبب القتال اصبح الوضع الإنساني كارثي في معسكرات الإيواء؛ إذ يشير عبد الحليم خلال حديثه لـ«ساسة بوست» إلى أن «ظروف السودان لا تسمح لإيواء إعداد ضخمة والمجتمع الدولي الذي تعول حكومة حمدوك عليه لانتشال السودان من آثار الثورة؛ لا يبدو مهتمًا».

ويعتقد عبد الحليم أن موقف الحكام في السودان من الأحداث في إثيوبيا، والذي عبر عنه رئيس الحكومة بالقلق المشترك، والاهتمام بالوصول إلى حل سلمي، يُظهر أن الحراك في الواقع لا يبشر بخير، ويبين عبد الحليم: «مؤيدو حمدوك طالبوا بالتوسط لإنهاء النزاع على غرار ما فعله آبي أحمد إبان أزمة المجلس العسكري، وقوى الحرية والتغيير (تحالف من مجموعات الاحتجاج وجماعات المعارضة) في بداية الثورة السودانية، لكن حمدوك غير متحمس بطبعه، ولا أظنه يستطع فعل ذلك».

ما هو دور السودان المحوري في الأحداث الإثيوبية؟

سارع رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، للاتصال بنظيره الإثيوبي للوقوف على آخر التطورات حول الوضع المتفجر في إقليم تيغراي، وفيما يرى المراقبون أن حمدوك، بصفته رئيس كتلة «إيجاد» الإقليمية، ملزم أخلاقيًا بإحضار الخصمين الإثيوبيين إلى طاولة المفاوضات، يمكن العودة إلى ما قبل وصول حمدوك إلى الحكم، حين لعب السودان دورًا أساسيًا في تفاعلات الدولة الإثيوبية.

Embed from Getty Images

لقد كان للقوة المخابراتية السودانية دور كبير في تشكيل المشهد السياسي الإثيوبي، وقد قامت بدعم «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» بصورة مباشرة، لإسقاط نظام منقستو هاي مريم الشيوعي، لكن اليوم – حسب الباحث السوداني إبراهيم ناصر – فإن ذحكومة التكنوقراط في السودان ذاكرتها المخابراتية ضعيفة، وانتهت مع نهاية نظام عمر البشير.

فيُلاحظ تردد في عملية التعاطي مع القضايا في إثيوبيا لأسباب تخص الحكومة الحالية، خاصة أن الحكومة في الآونة الأخيرة سرحت مجموعات كبيرة من الأجهزة الأمنية التي تشغل مناصب في وزارة الخارجية، وأفرغت هذه المؤسسات من رجال البشير، وبالتي نشهد الآن تخبطًا في التعاطي مع الازمات التي تعصف بإثيوبيا، كما أنه لا يمكن إنكار حقيقة أن حكومة السودان تميل لآبي أحمد، وتحاول أن تنأي بنفسها قدر المستطاع عن هذه الأزمة؛ حتى لا تتعرض لارتدادات من هذه الأزمة، لذلك أعربت أنها تعتبر ما يحدث شأنًا داخليًا ولا يخصها.

ويتابع ناصر القول: «السودان مخابرتيًا مطلع على نقاط ضغط الدولة الإثيوبية، لذا فإنه إذ ما تخلت الحكومة الحالية التي تنأي بنفسها حتى الآن عن هذه الأزمة، فمن المؤكد أن تُرجح كفة هذه القوة، لأن السودان بحكم الموقع الجغرافي أيضًا له قدرة على تغيير المعادلات وميزان القوة في الداخل الإثيوبي».

ويبين ناصر أن «السودان يلعب الآن دور المتفرج، لكن في حال استشعرت الخرطوم الخطر من الأحداث المتصاعدة في إثيوبيا، فمن المؤكد ان تتحرك الدولة السودانية لإحداث تغيير يخدم مصالحها، وسيتبدل الموقف السوداني لخدمة مصالح السودان».

دولي

منذ 3 أسابيع
«فورين بوليسي»: صراع آبي أحمد وقادة تيجراي.. هل تتجه إثيوبيا نحو حرب أهلية؟

المصادر

تحميل المزيد