شكلت «العشرية السوداء» مرحلةً قاتمةً في تاريخ الجزائر الحديث، وما يزال الجزائريون حتى الآن يرتعبون من شبح تكرار تلك الفترة المليئة بالخراب والدماء، الراسخة في أذهانهم.

في 26 ديسمبر 1991، فازت «جبهة الإنقاذ الإسلامية» بأغلبية ساحقة في الانتخابات البرلمانية الجزائرية، الأمر الذي جعل الأحزاب الوطنية والجيش يصابون بالذهول، فسارع الأخير مدعومًا بقوى سياسية ومدنية إلى إلغاء نتائج الانتخابات منذ دورتها الأولى بذريعة «إنقاذ الجمهورية من خطر الإسلاميين»، واعتقل قيادات والآلاف من أنصار الحركة.

اعترض حينها الشاذلي بن جديد، الذي كان رئيسًا للجزائر آنذاك، على قيام العسكر بوقف المسار الانتخابي، فاضطر إلى الاستقالة، وشكل الجيش لإدارة الدولة مجلس أعلى من خمسة أفراد، يرأسهم بوضياف، الذي سيغتال فيما بعد من طرف أحد معاونيه.

لم تتأخر قواعد «جبهة الإنقاذ الإسلامية» والتيارات الدينية السائرة على نهجها في الرد على خطوة العسكر الجزائري المشبع بالثقافة السوفيتية، فحملوا السلاح وبدؤوا بحرب عصابات ضد مؤسسات الدولة والجيش، وشنوا حملة اغتيالات للناشطين السياسيين والحقوقيين والثقافيين المناوئين لها، لتدخل الجزائر في حرب أهلية دموية لم تكف أوزارها إلا مع بداية القرن الجديد.

من أرشيف الجزائر سنة 1992.

https://www.youtube.com/watch?v=zNUDir_AOzs

 

وقد خلفت هذه الحرب السوداء تداعيات بارزة مست أساس المستوى السياسي في الدولة الجزائرية المعاصرة.

الاستقرار أهم من كل شيء

كان لافتًا نجاة الجزائر من التعرض لرياح «الربيع العربي»، في الوقت الذي كانت تعصف فيه الثورات العربية ببلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، التي كانت تتهاوى كقطع الدومينو بعد حراك 2011.

بل كان من العجيب تجنب الشارع الجزائري الخروج في مظاهرات ولو بشكل محدود كما حصل مع جارتيها المغرب وموريتانيا، الأمر الذي كان محط استفهام العديد من المراقبين، خصوصًا وأن الجزائر لم تكن بأي حال تفتقد لشروط اندلاع الاحتجاجات ذات الطابع السياسي.

لكن بعكس التوقعات خرجت الجزائر بأقل آثار، حتى مقارنة مع الجارة المغربية، حيث لم تعرف الجزائر إلا مظاهرات محدودة جدًّا، تم احتواؤها بسرعة.

ويرجع المحللون تخلف الجزائر عن ركب قطار «التحولات السياسية» بالمنطقة العربية، إلى ارتعاب الجزائريين، سياسيين ومواطنين، من شبح عودة «العشرية السوداء» الذي يسكن ذاكرتهم، مفضلين حالة «الأمن والاستقرار» على الدخول في مغامرة إصلاح النظام أو إسقاطه.

ومن ثمة فليس من الغريب طغيان سمة السكون على دينامية الوضع السياسي بالجزائر، فلا أحد يريد تحريك الماء الراكد في البركة؛ خوفًا من الانزلاق في عشرية سوداء جديدة.

لا يمكن محاربة الإسلاميين إلى الأبد

يملك النظام السياسي الجزائري خبرةً مريرةً في التعامل مع الإسلاميين، حيث فهم جيدًا أن التيارات السياسية الدينية لا يمكن دحرها بالدبابات، بقدر ما تحتاج إلى طرق جديدة للاحتواء غير العنف المباشر.

بعد وقف النظام العسكري الجزائري العملية سنة 1992، هرع الجيش إلى نشر الدبابات في شوارع المدن واعتقال الآلاف من أنصار «جبهة الإنقاذ الإسلامية»، التي اتخذت الجبال معقلًا لها، ورفعت بدورها السلاح لتحدث مجازر دموية بمختلف ربوع الجزائر، وصلت حد جرائم الحرب ضد الإنسانية كما وثقتها آنذاك منظمة العفو الدولية، حيث أبيدت العشرات من القرى الجزائرية ذبحًا سنة 1997، تبنت جبهة الإنقاذ بعضها (الرايس، بن طلحة)، فيما نسب البعض الآخر إلى المخابرات الجزائرية.

هذه بعض المشاهد التي تؤرخ لتلك الفترة الدموية بالجزائر.

 

لكن مع تقلد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة كرسي الرئاسة سنة 1999، بدأ نهج الدولة الجزائرية في التعامل مع الإسلاميين يتغير، إذ فتح بوتفليقة الحوار مع جبهة الإنقاذ وأصدر عفوه عن مجموعة من قياداتها المعتقلين، وفي عام 2000 أعلن بوتفليقة ميثاق السلم والمصالحة الوطنية كحل لإنهاء دوامة العنف، بموجبه يُعفى المسلحون الإسلاميون من المتابعة القضائية مقابل وضع سلاحهم وتسليم أنفسهم، وهو ما فعله 8500 شخص منهم دفعة واحدة.

وما يزال النظام الجزائري حتى الآن يتعامل مع الإسلاميين بمرونة، حتى أن قصر المرادية استقبل مدني مزراق، الزعيم السابق لـ«الجيش الإسلامي للإنقاذ» الذي واجهت به جبهة الإنقاذ الجيش الجزائري، بعد أن أدركت الدولة الجزائرية أن استيعاب الإسلاميين أقل تكلفةً وأفضل حلًّا من محاولة سحقهم بالسلاح.

التخوف من وصول الإسلاميين مرة ثانية إلى السلطة

أثار مزراق مدني، زعيم لما يعرف سابقًا بـ«جيش الإنقاذ الإسلامي»، جدلًا حادًا بين المكونات السياسية والمدنية للجزائر خلال نهاية العام الماضي، بعد إعلان نيته تشكيل حزب سياسي، ما أثار خشية تكرار سيناريو التسعينات.

«على الأشخاص الذين استفادوا من تدابير الوئام المدني بمراعاة الحدود التي لن تتساهل الدولة بشأنها»، كان هذا ردًّا مبطنًا من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على دعوة مدني مزراق، بعد خروج مئات المحتجين في مظاهرة تنادي بتدخل الجيش لمنع كل من تورطوا في تلك الحقبة بدخول غمار السياسة.

شاهد ارتباطًا بهذا السياق مدني مزراق يتحدث في نقطة نظام.

 

ويعتقد بعض المحللين أن الخوف من وصول الإسلاميين إلى السلطة هو السبب الرئيسي لعدم جدية مجموعة من قوى المعارضة الجزائرية في المناداة بتفعيل مرحلة «ما بعد بوتفليقة»، كما قد يكون نفس السبب أيضًا يمثل عائقًا أمام النظام الجزائري الحالي في عدم مبادرته بفتح عهد ديموقراطي جديد، رغم ترهل الطبقة الحاكمة.

يمكن القول مجملا إن «العشرية السوداء» قد رسمت العلاقة بين الدولة الجزائرية والإسلاميين، بحيث أصبحت تشهد انفتاحًا وتقبلًا، لكن دون أن يُمحى هاجس الخوف من تبعات وصولهم إلى السلطة.

اقرأ أيضًا: كيف تسير السياسة في الجزائر؟ 8 أسئلة تجيبك

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد