صدر تقرير حقوقي بعنوان: «استخدام التعذيب وسيلةً لقمع المعارضة» لمجموعة من المنظمات والهيئات الحقوقية، والذي شمل ست دول عربية هي: البحرين والعراق والسعودية وسوريا والإمارات واليمن؛ وذلك بالتعاون بين مجموعة من المراكز الحقوقية، وهي:«المرصد العراقي لحقوق الإنسان»، و«القسط لحقوق الإنسان»، و«المركز السوري للإعلام وحرية التعبير»، و«مركز وجهة للدراسات»؛ بالتعاون مع «مركز الخليج لحقوق الإنسان» وبدعم من الاتحاد الأوروبي، وهذه المادة التي بين أيديكم هي ملخَّص لأهم ما جاء في التقرير.

بسبب تصاعد الصراعات والحروب في المنطقة العربية بعد 2011، خاصةً في اليمن والعراق وسوريا، وإحكام قبضة القمع في كل من سوريا والإمارات والبحرين؛ أصبح استخدام التعذيب ممنهجًا لدى هذه الحكومات، وباتت حالات تعذيب كثيرة نشاهدها أكثر من أي وقت مضى، ويجري إسكات المعارضة بالقوة والقمع، وهذا على الرغم من أن جميع الدول السابق ذكرها، قد صادقت على اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب. وترفض هذه الدول توصيات الأمم المتحدة والهيئات الدولية، كما ترفض التحقيقات الداخلية، وحتى زيارة المقررين الخاصين؛ بل إنه حتى المدافعين عن حقوق الإنسان قد تعرَّضوا للتعذيب في سجون هذه الدول.
وبحسب ناشريه، يهدف هذا التقرير إلى تحميل الحكومات مسؤولية التعذيب، ووقف جو الإفلات من العقاب، خصوصًا أن الأشخاص المتورِّطين في التعذيب لم يحاسبوا قانونيًّا، بالإضافة إلى أن هذه الدول، ومع انتشار جائحة كوفيد-19، لم تتخذ تدابير وقائية لحماية المعتقلين في السجون، التي تكون عادة مكتظة بالسجناء، كما مُنع السجناء في كثير من الأحيان من الحصول على رعاية صحية لائقة. 

البحرين.. حالات تعذيب عديدة

التعذيب هو السياسة والإفلات من العقاب هو القاعدة
*مركز البحرين لحقوق الإنسان

شهدت البحرين عدة انتفاضات في تاريخها تنادي بالديمقراطية والمساواة، وكان آخرها الحركة الشعبية في فبراير (شباط) 2011، ومنذ أول يوم من الحركة الشعبية، استخدمت السلطة القوة تجاهها، وسقط العديد من المواطنين قتلى؛ بسبب عنف قوات الأمن، سواء في الشارع أو تحت وطأة التعذيب، ووثقت تقارير محلية ودولية مئات حالات من التعذيب وسوء المعاملة. وبعد نحو عقد من فبراير 2011، لم يتغيَّر سلوك السلطة البحرينية، بحسب التقرير.

ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة

حسب «مركز البحرين لحقوق الإنسان» فإن كل شخص أُلقي القبض عليه على خلفية الحراك الشعبي في 2011، قد تعرَّض لسوء المعاملة أثناء الاعتقال أو الحبس أو التحقيق أو في السجن على مستويات مختلفة. ولم تنجُ الشخصيات المعارضة البارزة من هذا السلوك؛ إذ وثَّق تقرير للمركز ذاته تفاصيل 24 حالة لشخصيات معارضة وعشرات الحالات لسجناء سياسيين مدانين. 

رغم أن القانون البحريني يجرِّم التعذيب وينصُّ على السجن المؤبَّد لمن يستخدم تعذيبًا يفضي للموت، فإن أحكام الجناة كانت مخففة بالسجن حتى لو أفضى ذلك للموت، مما يعني أن الإفلات من العقاب في البحرين هو القاعدة. وهو ما يعني أن الإصلاحات التي أعلنتها الحكومة البحرينية مضلِّلة؛ إذ لا توجد نية حقيقية للإصلاح في الشأن الحقوقي، بحسب التقرير.
وبعد أن خلف الملك حمد بن عيسى والده في حكم البلاد سنة 1999؛ اتُّخذت خطوات مهمة لوقف التعذيب، منها إلغاء محكمة أمن الدولة، وإلغاء قانون أمن الدولة، والإفراج عن 3 آلاف سجين سياسي، والسماح لجميع المنفيين بالعودة للبلاد، والسماح بحريَّة تكوين الجمعيات، وفي فبراير 2001، وافق البحرينيون في استفتاء شعبي على ميثاق العمل الوطني الذي تضمن إصلاحات ديمقراطية، وعاد البرلمان للحياة بعد ربع قرن من التعليق، ولكن سياسات التعذيب والقمع عادت مع نهاية 2007. 

وبعد انطلاق الحراك في فبراير 2011، عادت الانتهاكات الحقوقية والتعذيب والقمع بصورة كبيرة، خصوصًا بعد إعلان حالة الطوارئ في 15 مارس (آذار)؛ إذ قُتل العديد من الاشخاص مثل كريم فخراوي وزكريا العشيري وآخرون، وألقي القبض على الآلاف بتهم بناء على اعترافات انتُزعت تحت التعذيب. وتكتظ اليوم مراكز الاحتجاز بالسجناء السياسيين والحقوقيين، وتعرَّض الكثير منهم للنفي القسري والاضطهاد وسحب الجنسية، وتفشى مناخ الإفلات من العقاب. 

وتعد البحرين طرفًا في العديد من الاتفاقيات الدولية التي تحظر التعذيب، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادقت عليه في سبتمبر (أيلول) 2006؛ بالإضافة إلى اتفاقيات أخرى. 

وأعربت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب في ملاحظتها الختامية بشأن التقريرين الدوريين الثاني والثالث للبحرين في عام 2017 عن قلقها بشأن «الفارق بين الإطارين التشريعي والمؤسسي وبين مدى تنفيذهما في الممارسة العملية»، وأدانت انتشار التعذيب. 

وأثناء الحراك الشعبي البحريني سنة 2011، جرت العديد من ممارسات التعذيب التي حدثت على يد جهاز الأمن الوطني، أهمها: الاستجواب لساعات طويلة مع عصب الأعين، وعدم السماح لأي محام بمتابعة إجراءات التحقيقات، والضرب المبرح وإهانة معتقدات وأديان المعتقلين، والإهانة الشخصية والإذلال والتحقير، والتعذيب النفسي، وخاصة التهديد بالاغتصاب، والتحرش اللفظي والاعتداء الجنسي والتعرية من الملابس، والصعق بالكهرباء، والترهيب والتهديد باستهداف أفراد العائلات، وإجبار المعتقلين على إعلان توقفهم عن عملهم في مجال حقوق الإنسان. 

العراق.. الانتقام من المعارضين بالتعذيب

بعد سقوط نظام صدام حسين في 2003، كان من المتوقع أن تتوقف أعمال التعذيب في سجون العراق وتأسيس نظام ديمقراطي في البلاد، لكن اتضح فيما بعد أن التعذيب في السجون التابعة للنظام قد أصبحت ممنهجة حسب تقرير «المرصد العراقي لحقوق الإنسان»، وقد فشلت السلطات في وقف الظاهرة أو محاسبة الجناة.

 شهدت فترة حكومتي نوري المالكي (2006- 2014) انتشارًا كبيرًا للتعذيب

ولم تمنع حرية الإعلام، أو تقارير الناشطين الحقوقيين، عناصرَ الأمن من التعذيب وانتهاك القانون، بل في أحيان كثيرة كانوا يصوِّرون أنفسهم بمقاطع فيديو وهم يعذبون الضحايا دون أي رادع. شهدت فترة حكومتي نوري المالكي (2006- 2014) انتشارًا كبيرًا للتعذيب، خصوصًا ما كان يُعرف بـ«المخبر السرِّي» الذي أُلغي قبل أشهر قليلة من انتهاء فترة حكومة المالكي الثانية، والتي ازداد فيها التعذيب بشكل كبير. 

ورغم أن العراق قد وقَّع على اتفاقية مناهضة التعذيب منذ سنة 2008؛ فإن هذه القوانين بقيت حبرًا على ورق. وتستخدم السلطات التعذيب في عدة مراحل، لكن أهمها أثناء التحقيق، خصوصًا للمتهمين في قضايا متعلقة بـ”الإرهاب” أو المشتبه في انتمائهم لـ«تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)».

ليس المتهمون بالإرهاب فقط هم ضحايا التعذيب، بل حتى الناشطين والمتظاهرين في احتجاجات البصرة سنة 2018، وصولًا إلى احتجاجات 2020 في أنحاء متفرقة من البلاد. وقد راسل «المرصد العراقي لحقوق الإنسان» حكومات العراق المتتالية خلال السنوات الستة الماضية بتقارير حول شهادات تعذيب طالت قاصرين، لكن أيًّا منهم لم يستجب لهذه النداءات.
وتحول دون التصدي للتعذيب عوائق قانونية وتشريعية، «يقول المرصد العراقي» إن هناك تعمُّدًا لعرقلة اكتمال التشريعات المتعلقة بالتعذيب، خاصة وأن الحكومات لم تصادق على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب. 

وأشار التقرير إلى أن أكثر الذين يتعرضون للتعذيب هم المشتبه في انتمائهم لحركات جهادية، لكن هنالك ناشطين ومتظاهرين سلميين تعرَّضوا للتعذيب أيضًا، وقد فارق سجناء الحياة بسبب التعذيب باعترافات المسؤولين، وبسبب التعذيب يعترف المتهمون بأعمال لم يرتكبوها، بشهادة أشخاص وثَّقها المرصد.

ووثَّق المرصد حالات وفاة بسبب التعذيب، من بينهم حالة ماهر راضي عبد الحسين، الذي توفي في 15 يوليو (تموز) 2019 بعد تعرضه للتعذيب الشديد، كما تفيد معلومات بمقتل أكثر من ستة معتقلين في سجن الحوت في مدينة الناصرية منذ بداية عام 2020، بينهم المعتقل غسان شهاب أحمد المجمعي.

وحول رد فعل الحكومة العراقية على التعذيب، يرى المرصد أن الحكومات منذ عام 2003 لم تعمل على إنهائه أو الحد منه على الأقل، ورغم امتلاك العراق العديد من المؤسسات المعنية بالشأن الحقوقي، وحديث المسؤولين عن «سجون يقلُّ فيها التعذيب» في الأمم المتحدة أو في وسائل الإعلام، لكن الحقيقة تشير لعكس ذلك حسب المرصد؛ إذ لا تسمح وزارات العدل والدفاع والداخلية للمنظمات الحقوقية بزيارتها، وقد وثَّقت «سبوتنيك عربي» من خلال إحصائيات من المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق نحو 15 ألف دعوى حول مزاعم التعذيب وسوء المعاملة بين سنتي 2017-2018. 

السعودية.. التعذيب بأيادٍ قريبة من ولي العهد

في تقرير لجمعية «القسط لحقوق الانسان»، قالت إن التعذيب في السعودية يجري بشكل ممنهج، سواء لانتزاع الاعترافات أو بوصفه عقابًا أثناء الاحتجاز، ورغم تصريحات موثَّقة لأشخاص تعرَّضوا للتعذيب، فإنه لم يجر أي تحقيق حول هذه المزاعم، بل إن المحكمة تقبل الاعترافات المنتزعة تحت الإكراه ضد المتهمين بشكل منظم، وتحوي تشريعات مثل «نظام مكافحة الإرهاب» أحكامًا تسهل ممارسة التعذيب، إن لم تكن تشجِّع عليه. 

 ولي العهد السعودي محمد بن سلمان
وجاء في تقرير «قسط لحقوق الإنسان» تفاصيل تعذيب مدافعات عن حقوق الإنسان في مقرات الاحتجاز غير الرسمية على يد أشخاص مقربين من ولي العهد، وهو التطوُّر الذي تصفه بالقلق، لأنه سابقة في تاريخ المملكة. 

نظام المملكة السياسي لا يحوي دستورًا رسميًّا ولا قانونًا جنائيًّا، وهو ما يتيح للادعاء العام والقضاء سلطة تقديرية. كما لا تتوفر المملكة على نظام قضائي مستقل، وتخضع جميع سلطات الدولة للسلطة التنفيذية، وتحديدًا الملك والمقربين منه. ويُعزل القضاة ويعيَّنون بأمر ملكي.
أما ديوان المظالم فهو هيئة قضاء إداري يرتبط مباشرة بالملك، ودوره دراسة دعاوي التظلم ضد أجهزة الدولة من جراء القرارات الإدارية المخالفة للقانون، ولم توثِّق منظمة قسط أية حالات تعويض لضحايا التعذيب أو لعائلاتهم، رغم تقديمهم شكاوى لهذا الديوان.
يقول التقرير إن ممارسة التعذيب في السعودية ممنهجة وواسعة النطاق، ولانتزاع الاعتراف وشكلًا من أشكال العقاب، ورغم إبلاغ المتهمين بتعرضهم للتعذيب لدى المحكمة، نادرًا ما يجرى التحقيق في هذه الدعاوى، وتقبل المحكمة الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب. وتشمل أساليب التعذيب سوء المعاملة، والضرب والجلد، والصعق بالكهرباء، والحرمان من النوم، والتعرض لدرجات حرارة قصوى وأوضاع مجهدة، والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، والحبس الانفرادي المطوَّل، والاعتداء الجنسي، والتهديد بالاغتصاب أو قتل أقارب الضحايا. 

أما المؤسسات المتورِّطة في التعذيب فمن بينها: هيئة التحقيق والادعاء العام، والاستخبارات العامة أو المباحث العامة، وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالإضافة إلى فرقة خاصة مرتبطة مباشرة بمحمد بن سلمان، بحسب التقرير. 

وعن اتجاهات التعذيب الجديدة في عهد محمد بن سلمان؛ فقد أصدر الملك في يوليو (تموز) 2017 مرسومًا ملكيًّا بإنشاء رئاسة أمن الدولة، هو جهاز يعمل على توحيد أجهزة مكافحة الارهاب والاستخبارات المحلية في كيان واحد تابع للملك مباشرة، مما عزَّز مركزية الأجهزة الأمنية، وقد شن الملك سلمان وابنه ولي العهد ابن سلمان حملة قمع عنيفة ضد المجتمع المدني، لإسكات المعارضة، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، وردت تقارير عن التعذيب الوحشي للمدافعات عن حقوق الإنسان المحتجزات في السجون الرسمية، بالإضافة إلى أماكن الاحتجاز غير الرسمية حيث جرى استجوابهن.

وتعرَّض هؤلاء النسوة إلى الضرب والجلد والصعق بالكهرباء، مما سبب لبعضهن عاهات مختلفة، وتعرَّضت المدافعات الأصغر سنًّا للاعتداء الجنسي عن طريق التقبيل أو العناق من قبل المحققين الذكور، أو التجريد من الملابس أو تحرشات مختلفة؛ وهو ما أدى بإحدى السجينات إلى محاولة الانتحار عدَّة مرات. 

هذا التطوُّر الخطير بتعذيب السجينات غير مسبوق من قبل، كما أنه يحدث تحت إشراف سعود القحطاني، مستشار ولي العهد بن سلمان، مما يشير إلى أن عمليات التعذيب تجري الآن من قبل فرقة خاصة بولي العهد، بدل الجهات المعروفة.

وقد وثَّقت منظمة «قسط» في الآونة الأخيرة حالات احتجاز في قبو أحد القصور الملكية، المتكون من زنازين خشبية ومكاتب مؤقتة وعيادة، ويدير هذا السجن – بحسب المنظمة – سعود القحطاني وماهر المطرب شخصيًّا، المتورطون في تعذيب السجناء.

ويشير التقرير إلى افتقار المملكة لآليات رصد مستقلة وإجراءات تقديم الشكاوى؛ إذ إن السعودية ليست طرفًا في البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب، ولا تملك آلية وقائية وطنية. وبالإضافة إلى كون هيئة التحقيق والادعاء العام هي المسؤولة عن رصد الشكاوى وأماكن الاحتجاز، وهي المسؤولة عن التحقيق فيها، وبالتالي تتنافى الاستقلالية؛ فإن العديد من المحتجزين يمتنعون عن تقديم الشكاوى خوفًا من الانتقام.

ويؤكد التقرير أن الهيئات الرسمية لحقوق الإنسان، وهما «هيئة حقوق الإنسان» و«الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان» نظرًا إلى قربهما من السلطات، فإنهما في وضع لا يسمح بالمطالبة بإطلاق سراح سجناء الرأي، والتحقيق الشامل في قضايا التعذيب وضمان محاكمة الجناة، أو تحدي الأجهزة الحكومية المشبعة بالفساد. 

سوريا.. مأساة مئات الآلاف من المعذَّبين

شهدت سوريا في العقود الستة الماضية ممارسة ممنهجة للتعذيب، مما أدى إلى مقتل مئات الآلاف من الرجال والنساء، وأعداد مماثلة من الذين خرجوا من تجربة التعذيب بإعاقات نفسية وجسدية، ويُرجع الحقوقيون أحد أسباب اندلاع الحراك الشعبي في سوريا في ربيع 2011 إلى احتجاز أطفال المدارس وتعذيبهم في درعا، وحسب التقرير فإن التعذيب كان يمارس في سوريا قبل 2011 بكثير، ويمارس التعذيب في مقرات الأمن أو تلك التابعة لنظام العدالة الجنائية، وكان يتم تصوير حالات التعذيب على أنه مضحك وفكاهي. 

 رئيس النظام السوري بشار الأسد

ولا يركز التقرير على حالات التعذيب وتوثيقها، بل على آثارها النفسية والاجتماعية المدمِّرة، وكيف أن هذه التجربة تعوق الفرص الاجتماعية والاقتصادية للضحايا، ويشير إلى نقص الخدمات الصحية والنفسية لمعالجة آثار هذه الظاهرة، والافتقار للآليات القانونية لمجابهتها.

ويشير التقرير إلى أن هنالك ربط بين تجربة التعذيب ونقص الحراك الاجتماعي والاقتصادي للناجين منه، بسبب الوضع القانوني لضحاياه بعد إطلاق سراحهم، ويوضح التقرير أن سوريا لا تنتهك فقط القوانين الدولية التي تحظر التعذيب وتدعو إلى إعادة تأهيل الناجين فقط، بل تنتهك حتى قوانينها المحلية. 

ويؤكد التقرير السوري آثار التعذيب النفسية والجسدية والعاطفية، والمضاعفات الصحية الناتجة منه، وتختلف إصابات التعذيب باختلاف التقنيات المستخدمة، إذ يمكن أن يكون التعذيب جسديًّا ويشمل الضرب والصعق وبالصدمات الكهربائية وغيرها، كما يمكن أن يكون نفسيًّا من خلال الاعتداء اللفظي والإهانة، ويمنع الخوف من الوصم الاجتماعي الكثير من ضحايا التعذيب من التصريح به، خصوصًا النساء.

وتتعرض النساء للكثير من الانعكاسات الخطيرة من جراء التعذيب، من بينها التخلي عن بعضهن من قبل عائلاتهم وتطليقهم أو طردهم من مجتمعهم. الأطفال أيضًا كانوا ضحيَّة لهذه الآثار العاطفية والنفسية والجسدية طويلة الأمد، والتي تؤثر في عملية نموهم.
ويؤكد التقرير أن سوريا لا تلتزم بأحكام القانون الدولي ولا المحلِّي فيما يخص التعذيب. وعن أسباب عدم تقديم الشكاوى من طرف ضحايا التعذيب، يؤكد التقرير بأن هذا الامر مستحيل في الداخل السوري بسبب الرقابة الشديدة للمخابرات على نظام العدالة. 

الإمارات.. سراديب التعذيب تحت ناطحات السحاب الشاهقة

يروِّج حكَّام الإمارات في الإعلام، بأن هذه الدولة هي الملاذ الآمن الآن وسط الانتفاضات الشعبية وحروب الشرق الأوسط، لكن تحت هذه الشعارات البراقة والإنجازات الإسمنتية الضخمة، هنالك واقع خانق لكتم أي صوت أو فكرة من شأنها أن تصبح حراكًا مدنيًّا يقدم النقد البناء أو يمثل الشعب. ملامح هذا القمع هو قصور المشاركة السياسية للشعب، مع وعود محدودة منذ 2006، كما يعاني الإعلام من رقابة شديدة، وسن قوانين لمكافحة الإرهاب، وأخرى للجرائم الإلكترونية تتضمن موادًا تدين انتقاد الأسر الحاكمة، وتمنع أي تجمع من شأنه مخالفة توجهات السلطة. 

حاكم إمارة دبي محمد بن راشد آل مكتوم 

ومنذ 2011 شهدت البلاد موجات من اعتقال الناشطين والأكاديميين، أشهرهم قضية «الإماراتيين الخمسة» المتهمين بالإساءة العلنية لرئيس الدولة عبر الإنترنت، وجرى حل لجمعية الحقوقيين وجمعية المعلمين، ورغم أن البلاد تملك المرتبة الأولى في أطول بناية في العالم، فإنها في المرتبة 128 من بين 162 في مؤشر الحرية الإنسانية لسنة 2019. وذلك لعدة معطيات من بينها انتهاكات في السجون الإماراتية بالخصوص سجن الرزين، وتعرض السجناء للصعق الكهربائي وأشكال أخرى من التعذيب، واستهداف المدافعين عن حقوق الإنسان والسجناء السياسيين.


ويشير التقرير إلى وجود عوائق قانونية للتخلص من ظاهرة التعذيب، من بينها غياب الوضوح في التعريف. بالإضافة إلى ذلك فإن هنالك قصورًا في الوسائل القانونية التي تتيح للضحية آلية لمساءلة السلطة لردع المنتهكين. ورغم انضمام الإمارات لاتفاقية مناهضة التعذيب متأخرة في 2012، فإنها لم تسن قوانين متطابقة مع مقتضيات انضمامها للاتفاقية، كما لم تنضم للبروتوكول الاختياري للاتفاقية المناهضة للتعذيب، والذي يخوِّل اللجنة الفرعية لمنع التعذيب التحقيق حول شكاوى التعذيب. 

وتواترت معلومات مؤكدة وثقتها تقارير حقوقية عن تعرض ناشطين للتعذيب، واجهوا الاعتقال تزامنًا مع انتفاضات الربيع العربي في دول أخرى، من بينها قضية «الإماراتيون الخمسة»، و«إمارات 94» وآخرين عرب وأجانب، وشمل التعذيب وسوء المعاملة النساء أيضًا. 

لم يقتصر التعذيب على السجناء الإماراتيين فقط، بل طال الأجانب أيضًا، من بينهم الطبيب القطري محمود الجيدة، الذي اعتُقل في 2013، وأخبر عن تعرُّضه للضرب على الوجه والقدم والحرمان من النوم، وتعريضه للضوء الساطع، وشرب سائل غير معروف، وجرى تهديده بنزع أظافره وتعليقه في وضعية مقلوبة إلى أن يموت. 

ومن وسائل التعذيب التي ذكرها التقرير: التعذيب حتى الوفاة، والضرب المبرح بالعصا أو اليد، والصعق الكهربائي، والتعليق من اليدين، وقلع الأضافر، ونتف الشعر، والغمر بالماء البارد، ووضع المعتقل في تابوت بالساعات الطويلة، وغيرها من الوسائل التي يمكن الاطلاع عليها في التقرير الأصلي.

اليمن.. كل أطراف الحرب تعذِّب الإنسان

يشير التقرير إلى أن وتيرة التعذيب قد زادت بعد اندلاع ثورة 2011؛ إذ تعرض الكثير من الأشخاص والناشطين للاعتقال والتعذيب بسبب مشاركتهم في الثورة، ويؤكد التقرير أن جميع الأطراف المتنازعة في اليمن متورِّطة في أعمال تعذيب، سواء الحوثيون، أو حكومة عبد ربه منصور، أو المجلس الانتقالي الجنوبي، أو قوات طارق صالح؛ ويضيف أن جماعة الحوثيين والمجلس الانتقالي تتصدَّر عدد انتهاكات التعذيب، وقد أصبحت العاصمة اليمنية صنعاء خالية من الناشطين أو المعارضين أو الإعلاميين الأحرار، وذلك بسبب اعتقالهم أو طردهم، وأُغلقت جميع القنوات الإعلامية والمواقع الإخبارية المعارضة لسياستها. 

 أفاد التقرير بأن جميع أطراف النزاع في اليمن مارسوا التعذيب 

ورغم مصادقة الجمهورية اليمنية على اتفاقية مناهضة التعذيب في نوفمبر (تشرين الثاني) 1991، والعديد من المواثيق الدولية التي تجرِّم التعذيب؛ فإن ذلك لم يتبعه أي التزام من الحكومة اليمنية أو باقي الأطراف المتنازعة على ما تنص عليه هذه القوانين والاتفاقيات؛ بل زادت وتيرة التعذيب منذ 2014. وعن العوائق القانونية لمجابهة ظاهرة التعذيب، يؤكد التقرير وجود قصور في التعريف الشامل الجامع للتعذيب بشقيه الجسدي والمعنوي؛ كما أن النصوص العقابية ضد ممارسي التعذيب تبقى قاصرة، سواء من ناحية العقاب أو الإحاطة بجميع المتورِّطين، إذ يشمل العقوبة الموظف العام فقط دون غيره.

يمَارس التعذيب في أغلب أماكن الاحتجاز، ويشهد معتقل جهاز الأمن والمخابرات في صنعاء ممارسة ممنهجة للتعذيب، اشتكى منه العديد من النشطاء والمعارضين من تعرُّضهم لمعاملة قاسية ولا إنسانية ومهينة أو حاطة للكرامة والإخفاء القسري لدى الجهاز. ولم يكن التعذيب فقط لمجرد انتزاع اعترافات من بعض المعتقلين، بل أيضًا كان إجراء عقابيًّا لكسر إرادتهم وإذلالهم والعدول عن مبادئهم. 

ويواجه ضحايا التعذيب والمعاملة القاسية الذين يبحثون عن الإنصاف صعوبات وعوائق متعددة تمنعهم من تحقيق العدالة؛ إذ لا يستطيعون تقديم شكاوى أو فتح تحقيق في الدعاوى خشية الانتقام منهم، أما الطب الشرعي المكلف بفحص دعاوى التعذيب، فإنه لا يقوم دائمًا بواجبه المهني والأخلاقي تجاه الضحايا؛ ويذكر التقرير أمثلة عن هذا القصور في جانب الطب الشرعي. 

توصيات عامة

ومن أجل ضمان رصد التعذيب وإيقاف أشكاله وإنصاف الضحايا ورد الاعتبار لهم، دعا التقرير دول الإمارات، وسوريا، والعراق، والبحرين، والسعودية، واليمن إلى الامتثال لبنود اتفاقية مناهضة التعذيب، والالتزام بأحكام القانون الدولي، وتوقيع البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب، وإفساح المجال للمنظمات الحقوقية المحلية والدولية لزيارة السجون والحديث إلى السجناء، والإفراج عن سجناء الرأي والمعتقلين بسبب قناعاتهم وأفكارهم التي عبروا عنها بسلمية، والإفراج عن جميع المعتقلين والمختفين قسريًّا، والتوقف عن تعريض الناشطين السلميين والحقوقيين لأعمال انتقامية بذريعة مكافحة الإرهاب. ووضع السجينات في مرافقة مخصصة للنساء وتجنب الانتهاكات في حقهن، وإلغاء الأحكام الصادرة في حق أشخاص أدينوا بناء على اعترافات منتزعة تحت التعذيب، وتوصيات أخرى يمكن الاطلاع عليها في ثنايا التقرير.  

تاريخ وفلسفة

منذ 3 سنوات
رحلة التعذيب عبر التاريخ.. كيف تفنن البشر في إيلام الآخرين؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد