من المحتمل أن يقرر أحد أفراد حزبٍ ما أن يدعم الحزب المنافس، لكن هذه الاحتمالية تقل إذا قلنا إن هذا الفرد سيدعم المنافس علنًا، وتتضاءل الاحتمالية أكثر إذا كنّا نتحدث عن دعم المنافس في الانتخابات الرئاسية؛ لأن كل من ينتمي لحزبٍ لا بد أنه يؤمن أن حزبه هو من يعرف مصلحة الوطن، وأفضل فرصة لتنفيذ برنامجه، هو الفوز بالانتخابات الرئاسية.

دولي

منذ شهر
بين كورونا وحراك السود.. ما مصير الانتخابات الرئاسية الأمريكية؟

بالطبع لا يمكنك تخيّل الآتي، أن يقرر عشرات من أبناء الحزب دعم مرشح الحزب المنافس، ليس دعمًا فرديًا فحسب، بل أن يكوّنوا لجنة تدعم المنافس. تذّكر أن تلك العشرات لم تنشق عن الحزب، ستبقى تحت رايته وسوف تتحدث وشعاره في خلفية حديثهم، حتى لو قالوا إنهم يتحدثون بصفاتهم الشخصية.

الحالة التي يمكن فيها أن يبدو كل ذلك فيها منطقيًا – ليس شرطًا أن يكون متقبلًا – أن يكون هؤلاء العشرات من أبناء الحزب الجمهوري الأمريكي، والمنافس الذي يتوافدون للالتفاف حوله هو الديمقراطي جو بايدن. لكن السّر لم يكن أبدًا في بايدن أو برنامجه أو حتى شخصيته، فقد أتاه الجمهوريون بفعل قوة دونالد ترامب الطاردة، لا بفعل قوته الجاذبة.

نقلت وكالة «رويترز» عن مصدر مطلع، أن العشرات من الجمهوريين مسئوولي الأمن القومي يعملون على تشكيل فريق لدعم المنافس الديمقراطي جو بايدن. المصدر الذي نقلت عنه الوكالة الإخبارية يقول إن المجموعة ستُعلن تأييدها علنًا لبايدن في الأسابيع القادمة، بحد أقصى شهر أغسطس (آب) 2020، إذ سيُعلن فيه بايدن ترّشحه رسميًا.

وتتألف هذه المجموعة من 24 عضوًا – لازالوا يقنعون المزيد بالانضمام لهم – سبق وأن خدموا جميعا تحت قيادة رؤساء جمهوريين سابقين مثل رونالد ريجان وجورج بوش الأب وجورج بوش الابن. الأسماء المُعلنة من تلك المجموعة هي جون بيلينجر، وكين وينستاين، اللذان شغلا مناصب مهمة في عهد بوش الابن.

القائمة طويلة ومتجددة.. جمهوريون تخلّوا عن ترامب

لفتت تلك المجموعة المُجهلّة، الأضواء في الأيام الأخيرة، بسبب ما يلفها من غموض علاوة على تكهنات الإعلاميين حول تلك الأسماء شديدة الأهمية التي رفضت أن يُذكر اسمها قبل أن تُقرر هي ذلك، بالرغم من أن العديدين سبقوهم. فإلى جانب هؤلاء العشرات الذين نقلت عنها «رويترز» يوجد عشرات آخرون أعلنوا بأنفسهم أنهم لن يدعموا ترامب.

آخرهم وأبرزهم كان وزير الخارجية الأسبق، كولن باول، الذي قال صراحةً إنه لا يستطيع أن يدعم ترامب لأنه انحرف عن المسار الدستوري. سبقه في ذلك الرئيس الأسبق، وآخر جمهوريّ تولى الرئاسة، جورج بوش الابن، الذي أعلن أنه لن يصوت لترامب، ومثله سيفعل شقيقه جيّب بوش، حاكم ولاية فلوريدا السابق.

Embed from Getty Images

وزير الدفاع السابق جيم ماتيس، قال إن ترامب هو أول رئيس أمريكي لا يحاول توحيد الأمريكيين ولا يتظاهر حتى بأنه يحاول. واتفق معه في ذلك الجنرال البحري جون كيلي، رئيس هيئة الأركان السابق، وأضاف أنه يجب أن ينظر الأمريكيون بجدّية أكثر إلى من ينتخبونهم. إلى جانب هذين فسيندي ماكين أرملة السيناتور الجمهوري الراحل جون ماكين، أعلنت أنها لن تصوت لترامب أيضًا، ومع الثلاثة يقف الأدميرال البحري المتقاعد ويليام ماكرافين، مدير الغارة التي قتلت أسامة بن لادن.

وتحدث 89 رجلًا عسكريًا بالسلب ضد ترامب في الشهر الأخير فقط، من بينهم خمسة وزراء دفاع سابقين؛ ما يعني أن كرة الثلج التي تتدحرج منذ شهور بدأت تصبح كتلةً حرجةً يمكنها الفتك بترامب والدرع الحامي له هو الدعم الشعبي من الجمهوريين، لكن إذا تآكل ذلك الدرع أيضًا؛ فربما يصاب ترامب في مقتل.

كل شيء تغيّر ولا يمكن تجميل الواقع

إذا كان الجمهوريون يكرهون ترامب لهذه الدرجة، فلماذا هاجموا ميت رومني؟

في محاكمة العزل التي جرت لترامب في فبراير (شباط) 2020 قرر السيناتور الجمهوري ميت رومني أن يُصوت ضد لعزل ترامب. بعد نهاية التصويت وُجد أن رومني هو الوحيد الذي صوت ضد ترامب، وهو أول سيناتور على الإطلاق يصوت ضد رئيسٍ من حزبه. بعد انتهاء التصويت فُوجئ رومني بحملة لاذعة من زملائه تطالبه بالاستقالة من الحزب، وأعلن آخرون أنهم سينتقلون لولايته كي ينافسوه على مقعده.

حتى عدة شهور مضت كان الجمهوريون يتعاملون مع ترامب بعقلية تعاملهم معه أثناء انتخابات 2016، لكن حاليًا اختلفت الأمور بالنسبة للعديد منهم. الذي اختلف عن حملة 2016 هو أن الجمهوريين أنفسهم ظنّوا لدرجة اليقين، أن ترامب لن يفوز بأي حال من الأحوال، لذا فلم يكن هناك داع في رأيهم لإعلان معارضته.

كما أنهم لم يتوقعوا أن حال فوزه سيُعرض أجندتهم الحزبية للخطر من أجل تنفيذ أجندته الخاصة، والتي يشك الكثيرون في وجودها أصلًا، فلا يبدو أن هناك أجندة معينة ينطلق ترامب منها، إنما يرتجل الحكم. ولم يظنوا كذلك أنه سينجو شعبيًا بعد سياساته التي يرّونها مُحرجة، خاصة بعد تعامله الصادم مع المظاهرات التي تلت مقتل الأمريكي الأسود جورج فلويد.

كذلك في 2016 كانت عدم كفاءة ترامب للحكم محل شك لكنها لم تكن أمرًا يقينيًا، فقد أعلن 50 مسئولًا جمهوريًا قبل الانتخابات وقتها، عن عدم ثقتهم في ترامب، وعدم ظنهم أنه يمتلك المهارات اللازمة للحكم، حتى أن بعضهم وصفه بأنه سيكون «أخطر رئيس للولايات المتحدة». تلك المجموعة قالت إن عدم تزكيتهم له ليس لأنه جاهل بشئون السياسة والأمن القومي فحسب، بل لأنه لا يُبدي أية رغبة في التعلم.

لكن الحال وصل في 2020 إلى كونه يُعرض سياسات الحزب للخطر، ويُهدد صورة الدولة القوية والديموقراطية العريقة التي يريد الديمقراطيون والجمهوريون على السواء ترسيخها في الأذهان الدولية. وبعد ما يزيد عن ثلاث سنوات في الحكم أصبح له سجّل يمكن الحُكم عليه منه، لا مجرد رجل جاء «من خارج العُصبة السياسية الفاسدة» كما روّج لنفسه في الانتخابات الأولى.

«صحوة كبرى».. هكذا يرى أوباما تخلي الجمهوريون عن ترامب

كل ما سبق يعد أوتار حساسة يضرب عليها بايدن، إلى درجة إعلانه أنه سوف يُنشئ تكتلًا أو ائتلافًا يحمل اسم «جمهوريون من أجل بايدن» لإبراز أن الانتماء الحزبي في الولايات المتحدة لا يقف حائلًا أمام العمل على مصلحة الوطن، وأن التغاضي عن الانتماء الحزبي أهون من التغاضي عن الانتماء للوطن الأكبر. مستفيدًا من بيان المجموعة المُجهلة الذي نقلته «رويترز» حين قالوا: «إن الولايات المتحدة لا تحتمل أربع سنوات أخرى من حكم دونالد ترامب».

Embed from Getty Images

استطلاعات الرأي تُظهر أن الشعب يفضل بايدن عن ترامب بنسبة 50% للأول، و36% للأخير، فيما لم تحسم البقية قرارها بعد. لكن ما لا يدركه بايدن أن هذه النسب ليست لأن ترامب انتهك الدستور أو طالب بنزول الجيش، بل لأن 45 مليونًا خسروا وظائهم بسبب جائحة كورونا، لذا فربما لو تمكن ترامب بصفقة سلاح جديدة أن يمنحهم وظائف جديدة أو تعويضات مادية جيّدة؛ فقد تذهب أصواتهم إليه دون تردد.

لكن حتى تأتي تلك اللحظة، أو حتى يحسم المواطنون على الأرض موقفهم، فالنخبة تتخلى عن ترامب، وكرة الجليد تكبر، ورومني الذي تعرض لهجوم كاسح يُمكن اعتباره أول قطعة في كرة الثلج التي توشك أن تقتلع ترامب، ومدير حملته، زاك موفات، هو الآخر يُعتبر شريكه في إعطاء إشارة البدء. ويمكن القول بأن كرة الجليد قد تضاعف حجمها مرةً واحدةً بعد أن نشر المستشار الأمني السابق، جون بولتون كتابه حول فترة عمله البالغة 17 شهرًا بجانب ترامب.

هذا التخلي لا يراه الديمقراطيون خيانةً حزبية أو حتى تساميًا من الجمهوريين على مصالحهم الخاصة، بل يرونه شيئًا أقرب للتكفير عن ذنبهم بحمل ترامب إلى داخل البيت الأبيض في المقام الأول. فالرئيس السابق، باراك أوباما، وصفه بالـ«صحوة الكبرى»، وكررّها قائلًا: «إن أمله هائل في صحوة كُبرى قد تحمل بايدن إلى البيت الأبيض».

وأضاف في حملة إلكترونية لجمع الأموال لحملة بايدن «لا أؤمن بأحدٍ أكثر مما أؤمن بصديقي العظيم جو بايدن لتضميد جراح هذا البلد وإعادته إلى المسار الصحيح». واستطرد أوباما قائلًا: «إن البيت الأبيض في عهد ترامب والجمهوريين والإعلام المحافظ ضربوا الأُسس الأمريكية».

جماعة «لينكولن» تضرب بلا هوادة

ربما ليس أوباما وحده من يرى التخلي عن ترامب في الانتخابات القادة صحوةً وتصحيحًا للمسار، جماعة «لينكولن» توافقه الرأي، أوباما الديمقراطي وجماعة لينكولن الجمهورية اتفقا أخيرًا على شيء؛ ترامب ليس إلا خروجًا عن المسار الأمريكي. لكن جماعة لينكولن لها منهج أشد قسوةً في إبداء رأيها، والمسيرة الانتخابية الأولى لترامب في تولسا، أوكلاهوما، توضح لك الفرق!

الجماعة التي تأسست في 2019 اشترت أغلب تذاكر المسيرة الانتخابية، لكنهم لم يحضروا كي تبدو القاعة فارغةً، في رسالةٍ لرجل الأعمال أن لا يترشح ثانية. كذلك ترصدّوا عودته حزينًا بعد المسيرة الفاشلة ونشروا صورةً له، متجهمًا وبملابس غير مهندمة.

 

الجماعة التي اختارت اسم لينكولن لنفسها، ترى ترامب انتكاسةً في الحلم الأمريكي، ذلك الحلم الذي ساهم لينكولن في وجوده بإسهاماته في تحرير العبيد، والمناداة بالحقوق المدنية للجميع وبالمساواة بين البشر. الطريف أنه في فترة لينكولن كان الديمقراطيون هم من يرفضون تلك الإصلاحات، ويعارضونها بشدة.

وقد صرح ترامب في 2 يونيو (حزيران) 2020 أن إدارته قدمت لذوي البشرة السمراء أكثر من رئيس مضى منذ عهد لينكولن. لكن الجماعة لا توافقه الرأي وتخطط لهجوم آخر ضده يدور حول هذه النقطة تحديدًا. فمقطع الفيديو الذي حصد إعلانات مسبقة بلغت أكثر من نصف مليون دولار، في أثناء بثه على «يوتيوب»؛ يتحدث عن التفرقة العنصرية في خطابات ترامب. وتحت اسم «عَلم الخيانة» سوف تذكر الجماعة في مقطع الفيديو، الدعم المالي الذي تلقّاه ترامب من الجماعات القومية البيضاء.

قد يظن البعض من طريقة إدارة مشروع لينكولن يمكن التنبؤ أن مَن في الكواليس هم مجموعة من الشباب المتحمس فحسب؛ لكن الحقيقة أنه يُدار من قِبل فريق رفيع من الجمهوريين المناهضين لترامب، أبرزهم جورج كونواي، زوج مستشارة ترامب السابقة كيليان كونواي، وستيوارت سيتفنز الخبير الإستراتيجي السابق في حملة ميت رومني. كما تحالف مشروع لينكولون مع مشروع جمهوري آخر دُشن منذ انتخابات عام 2016 باسم «أبدًا ترامب» للتحذير من انتخاب ترامب، لكنّه كان أقل شهرةً وقتها.

مشروع لينكولن جمع حتى الآن تمويلًا على هيئة إعلانات قدره 2.5 مليون دولار، أنفق منها قرابة 1.2 مليون دولار. لم تُنفق كلها على مهاجمة ترامب وحده، بل هاجموا أيضًا كبار الجمهوريين الذين ساهموا في وجود ترامب داخل البيت الأبيض.

ومن الذين استهدفهم المشروع، زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، والذي ينتظر إعادة انتخابه هذا العام. إذ هاجمته المجموعة بمقطع فيديو بعنوان «ريتش ميتش»، تتهمه فيه بإثراء نفسه بشكل غير قانوني مستغلًا منصبه.

في 2020: مقطع فيديو قد يهزم رئيسًا

مقاطع الفيديو التي تُنتج بسرعة البرق يمكن أن يكون لها صدى أكبر من أسماء الجمهوريين الكثيرة التي انضوت تحت لواء بايدن؛ لأن علاقات القائمين عليه تمنح المشروع تغطيةً إعلامية أوسع. يزيد من اتساع تغطيتها الإعلامية أن ترامب يرد عليها دائمًا، وإذا كان الرئيس يستخدم مالًا وطاقة للرد على ادعاءات خصومه، فإنه بذلك يخوض المعركة بقواعدهم لا قواعده.

والأهم من ذلك أن مشروع لينكولن يعتمد على نقطة ضعف ترامب الأكبر، نفسه القصير وقدرته الضعيفة على التركيز الذي سريعًا ما يتشتت بأي شيء آخر. فالانتخابات لا تزال بعيدةً جدًا بالنسبة لترامب، ولا يُتوقع أن يظل يرد على كل اتهاماتهم أولًا بأول مثلما يفعل الآن، ما يمنحهم فرصةً للتسلل إلى عقول مؤيديه على الأرض. وإذا استمر في الرد عليهم، فإنه يستنزف طاقته ووقته بعيدًا عن المسيرات الانتخابية ومخاطبات الجمهور، والتي هي أصل الانتخابات وحجر الأساس الذي أوصله البيت الأبيض عام 2016.

Embed from Getty Images

لكن على جانب آخر، فالجمهور الذي أتى ترامب على أكتافه أنشأ مجموعةً خاصة به على موقع التواصل الاجتماعي «فسيبوك» بعنوان «نادم على التصويت لترامب في انتخابات 2016»، فقد خلق الرئيس الأمريكي جمهورًا من النادمين على مجرد تصويتهم له، ويتعهدون بعدم تكرار الأمر أبدًا. يقول أحد كبار السن في المجموعة إنّه طوال حياته كان يصوت للجمهوريين، لكن لم يعد يستطيع أن يقبل وجود ترامب في البيت الأبيض.

إذًا يبدو أن تصريحات وزير الدفاع جيم ماتيس بأن ترامب رئيس لا يُوحد الأمريكيين خاطئة، فطبقًا لكل ما سبق نجد أن ترامب هو الرئيس الأول في تاريخ الولايات المتحدة الذي سيجعل الجمهوريين يتخلون عن حزبهم ومرشحهم لصالح مرشح ديمقراطي، وأن الأمريكيين الذين اعتادوا التصويت بالأحمر دائمًا سيلّونون أوراقهم بالأزرق ربنا للمرة الأولى في حياتهم.

وصول ترامب للسلطة كان حدثًا استثئنائيًا، وطريقة إدارته للبلاد في الأعوام الماضية كانت مفاجأة للجميع، ويبدو أن رحيله عن البيت الأبيض سيكون حدثُا فريدًا يصطف فيه الجمهوريون بجانب الديموقراطيين للاحتفال به.

دولي

منذ 3 شهور
كان سببًا في محاولة عزله.. هل يطيح جو بايدن دونالد ترامب في الانتخابات القادمة؟

لكن الاستثنائية حقًا سوف تتجلى فيما بعد الاحتفال، فالجمهوريون يتخلون عن شخص ترامب، لا يتخلون عن مبادئهم ولا عن رؤيتهم القومية في حكم الولايات المتحدة، ولا عن عقيدتهم أيضًا في قضايا كالإجهاض والمثلية الجنسية والمهاجرين. لذا لا بد أن يتوقع بايدن والديمقراطيون مهاجمةً شرسةً من الجمهوريين فور إزاحة ترامب، أو ربما سيدفع الديمقراطيون ثمن الدعم الجمهوري بتنازلات سياسيةٍ تُرضي الطرفين، وإن كان من المُبكر القول بكل هذا، لأن الخطوة الأولى التي يراها الجمهوريون والديمقراطيون حاليًا بوصفها الخطوة الوحيدة، هي إزاحة ترامب أولًا، وبعدها يمكن للطرفين الحديث.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد