1,268

تحظى الرعاية الصحية بمكانة متميزة بين مهام الدولة الحديثة، وبالنسبة لمصر ارتبطت منظومة الرعاية الصحية ارتباطًا وثيقًا بمصالح الدولة منذ لحظة النشأة، فقد كان محمد علي بسبب قلقه من قلّة عدد السكان واحتياجاته التي لا تكاد تشبع من الرجال للوفاء بطموحاته العسكرية، الهادفة في المقام الأول إلى إقامة سلالة حاكمة له ولذريته من بعده، يسعى بكافة السبل لتحسين الأحوال الصحية في ولايته المتميزة، مصر، وكذلك زيادة القدرة الإنتاجية لرعاياه وقدراتهم القتالية في جيشه المرهوب، فاستعان بخدمات طبيب فرنسي نشط، هو الدكتور أنطوان بارثملي كلوت، الذي عين بعد وصوله عام 1825م، كبيرًا لجراحي الجيش (حكيمباشي الجهادية)، وواصل كلوت بك جهوده فأقام مدرسة ومستشفى القصر العيني الطبية، وكانت هذه لحظة دخول الطب الحديث مصر، والقصر العيني هو إحدى المؤسسات القليلة في هذا الصدد الباقية من عهد محمد علي حتى وقتنا هذا.

اقرأ أيضًا:الصحة تنعش خزينتك.. 4 فوائد اقتصادية مذهلة لاستثمار مصر في قطاع الصحة

وعلى الرغم من قيامها بمجموعة واسعة النطاق من مهمات الرعاية الصحية، إلا أن مصر لم تشهد نظامًا صحيًا بالمعنى الحقيقي للكلمة، إلا في الحقبة الناصرية، وتحدديدًا عام 1963 عندما تم تدشين نظام التأمين الصحي لأول مرة، وتبعه نظام الرعاية الأولية ثم العلاج على نفقة الدولة، إلا أن فعالية النظام الصحي خلال الحقبة الناصرية، بدأت في التراجع أواخر السبعينيات، تزامنًا مع سياسات الانفتاح الاقتصادي وتراجع دور الدولة، وتقدم دور القطاع الخاص، وقد استمرت الأزمات التي يعانيها القطاع الصحي تزداد يومًا بعد يوم، إلى أن وصل لحالٍ يرثى لها.

في هذه الورقة، سنقوم باستعراض بعض جوانب تلك الحالة، قبل البدء في تحليل أسبابها، من خلال تحديد موقع مصر من بعض المؤشرات المعتمدة من قِبَل منظمة الصحة العالمية، بالمقارنة مع كوبا، نظرًا لتميز النظام الصحي الكوبي باعتباره أحد أفضل الأنظمة الصحية العالمية على الرغم من التشابه الكبير في ظروف الدولتين، كمحاولة منا للإجابة على سؤال محدد، وهو: هل ينعم المواطن المصري حاليًا بنظام صحي آمن؟ وهل لا تزال الرعاية الصحية حقًا للمواطن، كما ينص الدستور، أم تسعى الدولة لتسليعها؟ والاجتهاد في طرح اقتراحات لحلول هذه المشكلات الرئيسية.

جدير بالذكر أن الدستور المصري الحالي، في مادته رقم 18، ينص على أن «لكل مواطن الحق في الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة وفقًا لمعايير الجودة، وتكفل الدولة الحفاظ على مرافق الخدمات الصحية العامة التي تقدم خدماتها للشعب ودعمها والعمل على رفع كفاءتها وانتشارها الجغرافي العادل، وتلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للصحة لا تقل عن 3% من الناتج القومي الإجمالي تتصاعد تدريجيًا حتى تتفق مع المعدلات العالمية، وتلتزم الدولة بإقامة نظام تأمين صحي شامل لجميع المصريين يغطي كل الأمراض، وينظم القانون إسهام المواطنين في اشتراكاته أو إعفاءهم منها طبقًا لمعدلات دخولهم، ويجرم الامتناع عن تقديم العلاج بأشكاله المختلفة لكل إنسان في حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة. وتلتزم الدولة بتحسين أوضاع الأطباء وهيئات التمريض والعاملين في القطاع الصحي، وتخضع جميع المنشآت الصحية، والمنتجات والمواد، ووسائل الدعاية المتعلقة بالصحة لرقابة الدولة، وتشجع الدولة مشاركة القطاعين الخاص والأهلي في خدمات الرعاية الصحية وفقًا للقانون».

بالأرقام.. ما تقييم جودة النظام الصحي في مصر؟

تشمل جوانب النظام الصحي ما يتعلق بالغذاء والماء والهواء، قبل الممارسة الوقائية/ العلاجية، ولكننا سنقصر تحليلنا على الممارسة الوقائية/ العلاجية وما يتعلق بها.

يمكننا تحديد مدى جودة نظام صحي ما، من خلال بعض المؤشرات العالمية، والتي تعتمدها منظمة الصحة العالمية، وفيما يلي مقارنة بين مصر وكوبا، من خلال بعض أهم تلك المؤشرات (الكمية)، وستعتمد الورقة بشكل كبير على المقارنة بين النظام الصحي في الدولتين، وقد اخترنا كوبا لأنها تعتبر نظامًا شموليًا، يمتاز بدور متضخم للدولة في قطاعات الخدمات، كما أن الجيش يلعب دورًا حاسمًا في جميع سيناريوهات المشهد السياسي بها، بالإضافة إلى أنها واحدة من دول العالم الثالث، وهو ما يجعلها في ظروف مشابهة للغاية مع ظروف الدولة المصرية، فتصبح المقارنة ها هنا ذات معنى.

وقد عانت كوبا كثيرًا من العقوبات الأمريكية مما أثر على نهضتها الاقتصادية بشكل ملحوظ للغاية، وعلى الرغم من أن كوبا تعيش في أجواء متوترة منذ أمد بعيد، مما يعني أن مصر امتلكت ظروفًا أفضل وأنسب منها كثيرًا لتحقيق معدل تنمية مناسب، إلا أننا نفاجأ بالعكس، مما دفعنا للتساؤل ومحاولة البحث عن الأسباب الكامنة وراء هذه المفارقة، للاستفادة منها.

1 – عدد الأطباء لكل 1000 شخص

وفقًا لمنظمة الصحة العالمية فإن كوبا هي أعلى دولة في العالم في أعداد الأطباء بالنسبة لعدد السكان، حيث تمتلك 7.52 طبيبًا لكل ألف نسمة، أي طبيب لكل 133 مواطنًا تقريبًا، في حين تمتلك مصر 0.81 طبيبًا (عام 2014) لكل ألف نسمة، مما يعني أن هناك طبيبًا لكل 1234 مواطنًا، وهي من أدنى النسب العالمية، إذا استثنينا وسط وغرب أفريقيا ومنطقة القرن الأفريقي، ويمكننا تمثيل الفارق بين الدولتين بالرسم البياني التالي:

ويتضح من الرسم البياني أن عام 2005 شهد طفرة كبيرة في عدد الأطباء بجمهورية مصر العربية، حيث ارتفعت النسبة من 0.5 إلى 2.4، واستمرت في الصعود، إلى أن بدأت في الانحدار بشكل حاد بعد الثورة، حتى وصلت إلى 0.814 عام 2014.

2 – عدد أسرّة المستشفيات لكل 1000 شخص

وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإن مصر تمتلك 0.5 سرير لكل ألف نسمة، مما يعني أن هناك سريرًا واحدًا لكل ألفي شخص، في حين تمتلك كوبا 5.3 سريرًا لكل ألف نسمة.

3 – معدل وفيات المواليد لكل 1000 مولود

وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، كان معدل الوفيات بين المواليد لكل ألف مولود في مصر عام 2016، 13 مولودًا، وعلى الرغم من كونه أفضل من الكثير من الدول، إلا أنه لا يزال مرتفعًا، ويتضح ذلك بالمقارنة مع كوبا، التي بلغ معدل الوفيات بها لكل ألف مولود، اثنين فقط في عام 2016.

4 – معدل وفيات الأطفال لكل 1000 مولود

وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، يصل معدل الوفيات بين الأطفال لكل ألف مولود في مصر، عام 2016، إلى 19 طفلًا، في حين يصل في كوبا إلى أربعة أطفال فقط.

5 – معدل وفيات الأطفال دون الخامسة لكل 1000 مولود

وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، يصل معدل وفيات الأطفال دون الخامسة لكل ألف طفل، في مصر لعام 2016، إلى 23 طفلًا، في حين يبلغ ستة أطفال فقط في كوبا.

6 – العمر المتوقع عند الولادة

بلغ متوسط العمر المتوقع عند الولادة في كوبا، عام 2015، 80 عامًا، متجاوزةً بذلك الولايات المتحدة الأمريكية، بينما يظل العمر المتوقع في مصر لنفس العام 71 عامًا فقط.

ويقدم الجدول التالي توضيحًا للفارق الكبير في تلك المؤشرات: 

أسباب أزمات النظام الصحي المصري

يمكننا إرجاع الأسباب التي تقف خلف أزمات النظام الصحي المصري إلى سببين رئيسيين؛ يتعلق أولهما بالعنصر البشري في المنظومة الصحية، وثانيهما هو العامل الاقتصادي، أو ما يعرف باقتصاديات الصحة.

أولًا: العنصر البشري

ونقصد بالعنصر البشري كل العاملين في المنظومة الصحية، من أطباء بشريين وأطباء أسنان وصيادلة وممرضات وفنيين وموظفين إداريين، ونظرًا لعدم اتساع المقام لتناول كل ما يتعلق بجميع الفئات، فإننا سنقصر التحليل على الأطباء البشريين، وما يتعلق بهم من نقص العدد، وضعف المستوى.

أ‌-  التعليم الطبي وأزماته

توجد بمصر 38 كلية طب بشري، ما بين حكومي وخاص، تخرج سنويًا 10 آلاف طالب في المتوسط؛ منهم 37 كلية ذات نظام تعليمي واحد، حيث مدة دراسة بكالوريوس الطب والجراحة تبلغ ست سنوات دراسة، وسنة تدريب تعرف بسنة «الامتياز».

في أول ثلاث سنوات في مرحلة البكالوريوس، يدرس الطالب العلوم الأكاديمية/ النظرية التي تخدم المعرفة العملية المستهدفة، والتي يفترض أن تبدأ من السنة الرابعة، حيث تكون معظم ساعات الدراسة في المستشفيات الجامعية للتدريب العملي على المهارات اللازمة للممارسة الطبية، التي تستهدف تنمية القدرة على التشخيص.

تعاني العملية التعليمية بكليات الطب من العيوب نفسها التي تعتري العملية التعليمية بكل كليات التعليم العالي المصرية، بالإضافة إلى بعض المشاكل الخاصة بها، ويمكننا حصر أهم مشاكل التعليم الطبي في مصر في النقاط التالية:

        على الرغم من كون الطب علمًا تطبيقيًا بالأساس، إلا أن أول ثلاث سنوات من الدراسة تزدحم بمعرفة نظرية ضخمة للغاية، وغالبيتها بعيدة تمامًا عن التطبيق والواقع العملي، ولن ينتفع بها الطالب في حياته العملية بعد التخرج، في حين يتم إهمال الكثير من المعلومات ذات البعد التطبيقي، ويعتبر المثال الأبرز على ذلك، مادة التشريح، حيث يتجاوز مجموع صفحات هذه المادة الألف وربما ألفي صفحة، معظمها معلومات غير هامة بالنسبة للحياة العملية، بالإضافة إلى أن المعلومات ذات البعد التطبيقي، سيتم دراستها مجددًا في السنة السادسة في مادة الجراحة العامة.

وعند مقارنة أحد كتب أقسام التشريح في الجامعات المصرية بكتاب USMLE الخاص بالمعادلة الأمريكية (نظام البورد الأمريكي) نجد الفرق بين الحجمين مهولًا، ربما يصل لخمسة أضعاف، في حين يحتوي كتاب USMLE على صغر حجمه، على المعلومات الأهم، ذات البعد التطبيقي أو ما يعرف بالـApplied Anatomy، وفي الوقت الذي تغيب فيه معظم هذه المعلومات عن كتاب التشريح التابع لجامعة مصرية، نجده – أي كتاب التشريح المصري – يعج بمعلومات لا فائدة منها، إلا للمتخصصين الأكاديميين في علم التشريح، أي من سيكمل دراساته العليا ويتخصص في علم التشريح، أما باقي الطلبة فلا فائدة حقيقية يرجونها منها، خصوصًا في عصر زالت العوائق فيه بين الإنسان والمعلومة.

      أسلوب التقييم يحدد كيفية الدراسة والمذاكرة، وما زالت اختبارات التقييم الشفوية والتحريرية في التعليم الطبي تعتمد على الأسئلة الإنشائية قليلة العدد، المعتمدة على الحفظ الكمي للمعلومات واستدعائها كما هي في الغالب بدون توظيف. بالطبع نحن هنا لا نتحدث بتعميم كامل، وإنما عن النسبة الغالبة.

      سوء طريقة العرض والشرح تسبب في نشوء ظاهرة الدروس الخاصة وتسربها للجامعات، مما أنشأ ظواهر عرضية أبعدت العملية التعليمية عن الهدف منها، مثل تعمد بعض الأساتذة أثناء وضع الامتحانات تعجيز الطلبة، كنوع من العقاب على الانضمام للدروس الخاصة، مما ينعكس على طريقة مذاكرة الطلبة وتحصيلهم بالسلب.

       يتضح غياب الرؤية عن بعض الأساتذة في أسئلة الامتحانات، فعلى الرغم من أنه ينبغي على الامتحانات أن تختبر إلمام الطالب بالمسائل والحالات التي يُتَوقّع أن يقابلها خلال حياته العملية وخصوصًا في بدايتها، إلا أننا نجد العديد من الأسئلة بعيدة تمامًا عن الواقع، ومن الأمثلة الصارخة على ذلك، تكرر سؤال مثل مرض الكبد الكحولي (Alcoholic Liver)، في الامتحانات، فعلى الرغم من شيوع هذا المرض في الدول التي ينتشر فيها تعاطي الكحوليات، إلا أنه بطبيعة الحال غير منتشر بمصر، بل يعد نادرًا جدًا، فلماذا يُعطى هذا المرض أولوية على غيره من الأمراض التي تعاني منها شرائح كبيرة في المجتمع؟ بالتأكيد لابد من إلمام الطالب بمعرفة هذا المرض، لكن إذا كان لن يقابل هذا المرض في حياته العملية، فلمَ تتحدد إجازته من عدمها بناء على معرفته به؟

      نقص التدريب العملي خلال مرحلة البكالوريوس، حيث يفترض، كما سبق الذكر، تدريب الطالب على كيفية التشخيص وأخذ التاريخ المرضي، إلا أن سنوات الممارسة العملية (الكلينيكال) الثلاث، يمر عليها الطالب في أغلب الجامعات بدون أن يتمكن من هذه المهارات.

      هناك ظاهرة مهمة، على ما تمثله من مفارقة وطرافة بالنسبة للبعض، إلا أنها كاشفة لمدى تدهور العملية التعليمية وفسادها، ومؤشر قوي على حتمية البدء في إحداث تغييرات جذرية، وهي ظاهرة «المرضى المحترفين»، والمقصود بهم مرضى بأمراض مزمنة، وظيفتهم حضور الامتحانات ليُختَبَر عليهم الطلبة، وهي «وظيفة» بالفعل؛ حيث يرفض المريض أن يجيب على أسئلة الطالب عند أخذه التاريخ المرضي منه، إلا بعد أن يدفع له الطالب مبلغًا من المال يحدده المريض في الغالب، وبعد ذلك، لا يوجد تاريخ مرضي في أغلب الأحيان، حيث يكون المريض مشخصًا بالفعل منذ فترة من الزمن، فيخبر الطالب مباشرة بالمرض الذي يعاني منه، بدلًا من أن يصف له الأعراض ويصبح دور الطالب محاولة تشخيص المرض.

المفارقة في الأمر أن بعض هؤلاء المرضى يرفض العلاج حتى لا يُحرَم من هذا الرزق الذي يأتي له في موسم امتحانات البكالوريوس والماجستير والدكتوراة، والبعض الآخر يحمل لقب «متعهد المرضى»، حيث يحمل وسائل الاتصال مع باقي المرضى ويتحمل مسؤولية التواصل معهم وإحضارهم في موسم الامتحانات، ويجدر بالذكر أن هذه الظاهرة قديمة، تعود لعشرات السنين، مما يعني أنه تم التطبيع معها من قبل الأساتذة قبل الطلاب، لدرجة أنه تم تمثيلها في بعض الأفلام السينمائية المصرية في عقد الثمانينيات من القرن الماضي، مثل فيلم «على باب الوزير»، من بطولة الفنان المصري عادل إمام.

      سنة الامتياز التي يفترض أنها سنة التدريب العملي، والتأهيل للحياة العملية للطالب ممارسًا عامًا، تضيع على الطلبة في مهام وظيفية داخل المستشفيات الجامعية، مثل نقل المرضى وإحضار التحاليل وأكياس الدم، وتكثر الشهادات حول تقصير النائب في القيام بدوره في نقل خبراته – البسيطة بطبيعة الحال – إلى طلبة الامتياز، ولذلك يتهرب العديد من طلبة الامتياز من الحضور، خصوصًا وأنه لا توجد وسيلة لتقييم مدى الاستفادة أو الالتزام خلال سنة الامتياز.

نبذة عن التعليم الطبي في كوبا.. كيف نجحت الدولة الفقيرة أن تصبح الأفضل؟

توجد في كوبا 21 مدرسة للتعليم الطبي، تخرج سنويًا، بدءًا من عام 2012، 11 ألف طالب. كيف نجحت كوبا في الوصول بمستوى خريجي كليات الطب بها إلى رقم واحد على مستوى العالم؟

اقرأ أيضًا: دروس من كوبا.. ما لا يحكى عادةً عن مشاكل التعليم الطبي في مصر

نبذة بسيطة عن التعليم الطبي في كوبا كفيلة بإلقاء إضاءات على الإجابة. التعليم الطبي في كوبا ست سنوات، سنة إعداد لإكساب الطالب أساسيات الرعاية الصحية الأولية، واللغة الإسبانية للطلبة الدوليين غير الناطقين بها، ثم سنتان يدرس فيهما الطالب المعرفة النظرية الأساسية، ولكن ليست كعلوم منفصلة كما تُدَرّس في معظم كليات الطب المصرية، وإنما من منظور تكاملي، حيث يطلق على المنهج «المورفوفسيولوجي» Morphophysiology، حيث يشمل منهجًا متكاملًا من علوم التشريح والفسيولوجي (علم وظائف الأعضاء) والهستولوجي (علم الأنسجة) والباثولوجي (علم الأورام) والإمبريولوجي (علم الأجنّة)، مما يزود الطالب بنظرة كلية عميقة، والقدرة على الربط بين المستويات الوظيفية المختلفة للجسد البشري، مما يسهل القدرة على الاستدعاء الموظّف للمعلومات.

أما السنوات الثلاث الأخيرة، فتكون كاملة للتدريب الإكلينيكي، ولكن بتطبيق ما يطلق عليه نظام «Social Accountability» أي المسؤولية الاجتماعية، ويعني الربط بين الدراسة وبين المشاكل التي سيواجهها الطالب عند عودته لبيئته بعد التخرج، فيتم تخصيص برامج للطلبة تتوافق مع احتياجات مناطق سكنهم التي سيتم تكليفهم فيها، والجدير بالذكر أن السنة الرابعة يمكن للطلبة الدوليين أن يقضوها في كوبا أو يعودوا لقضائها في أوطانهم بإشراف أساتذة كوبيين، لجعلهم أكثر ألفة بالمشاكل الطبية التي تنتظرهم فور تخرجهم، مما ينتج خريجًا أكثر فعالية، في وقت قصير، فلن يكون بحاجة لكثير من الوقت الإضافي بعد التخرج، وفور بدء حياته العملية لاكتساب خبرات خاصة بأمراض وحالات منتشرة في بيئته، ويقابلها لأول مرة، وبالتالي يتم توفير الكثير من الوقت والمجهود، وتجنب النسبة المرتفعة من الأخطاء الطبية التي يرتكبها الخريجون الجدد في بدايات حياتهم العملية.

ب – العقبات التي تواجه طالب الطب المصري بعد التخرج

من بين 10 آلاف خريج من كليات الطب سنويًا (6)، يوجد فقط ما يقارب الألف ممن يحظون بفرصة التعيين في الجامعة أو المستشفيات الخاصة بهيئات الشرطة والجيش والقضاء وبعض الهيئات الأخرى، ويحظى هؤلاء بفرصة أفضل من باقي زملائهم في التدريب، وإمكانية التسجيل المبكر للدراسات العليا، إلا أن الغالبية العظمى يكون تكليفهم تابعًا لوزارة الصحة، ويعانون من ظروف يصفها أغلبهم بالسيئة؛ خصوصًا من يأتي تكليفهم في المناطق النائية، وهؤلاء يتم تكليفهم في تلك المناطق تبعًا للائحة التي تقضي بأنه كلما قلّ المجموع التراكمي، بَعُدَت المسافة، مما يعني أن غالبيتهم كانوا ذوي مستوى تحصيل علمي منخفض، ويتم حرمانهم من التسجيل في الدراسات العليا حتى انتهاء فترة التكليف، بجانب أن هذه المناطق النائية لا توجد بها فرصة للتدريب أو التعرض لحالات جديدة، ولا يوجد تجهيز، بالإضافة إلى غياب عامل الأمان في معظم الحالات، مما يعني إهدار جزء كبير من القوة العاملة وضياع الوقت على الطبيب، فيترتب على ذلك زيادة الكلفة النهائية عليه وعلى الدولة.

ونظرًا لهذه الظروف في المناطق النائية، يتهرب الكثير من الأطباء من التكليف، أو يرفضون التكليف، مما ينتج عنه عشرات الوحدات الصحية الخالية، ويتسبب في حرمان نسبة كبيرة من القرى من الخدمة الطبية.

جـ – نقص العدد

يُشاع أن عدد الأطباء بمصر كبير، وتتبنى الدولة هذه الرواية في بعض المناسبات، خاصة حين يطالب الأطباء بالكادر (زيادة المرتب)، قائلة إن عدد الأطباء في مصر كبير للغاية، ومن ثم لن تستطيع الدولة تلبية مطالبهم بتطبيق الكادر لهم جميعًا، إلا أن إحصاءات منظمة الصحة العالمية والمركز القومي للتعبئة العامة والإحصاء توضح أن معدل الأطباء بمصر لكل ألف شخص، يعتبر من أقل المعدلات العالمية، حيث يصل إلى 0.814 طبيبًا لكل ألف شخص، أي طبيب لكل 1234 شخصًا، وهو معدل منخفض جدًا، إذا ما قورن بكوبا أو حتى بالمتوسط العالمي، وتخبرنا لغة الأرقام أن عدد الأطباء في كوبا التي يبلغ عدد سكانها 11,462,000 تقريبًا (2016)، يتجاوز عدد الأطباء العاملين بمصر التي بلغ عدد سكانها عام (2016)95,688,000 نسمة تقريبًا.

ويرجع نقص الأطباء إلى عدة أسباب، أهمها عدم ملاءمة بيئة العمل للتطور العلمي المستمر، وعدم كفاية المرتبات لتوفير حياة كريمة، مما يضطر الطبيب إلى الاستقالة والتوجه للقطاع الخاص، أو البقاء ولكن التغيب المتكرر أو عدم التواجد طوال الوقت المطلوب، لاضطراره للعمل في القطاع الخاص، لتوفير نفقات معيشته ونفقات الدراسات العليا المرتفعة، وكذلك لارتفاع معدلات الهجرة بين الأطباء، أضف إلى ذلك قلّة عدد الخريجين، على عكس ما يُشاع، فـ10 آلاف خريج كمتوسط، ليس بالرقم الكبير على دولة بهذا التعداد السكاني، وهذا الرقم من كليات الطب، وقد سبق الذكر أن كوبا تخرّج سنويًا 11 ألف طبيب.

ولأن عدد الأطباء يرتبط ارتباطًا وثيقًا بجودة الخدمة الصحية، فإن نقص الأطباء يتسبب في خفض جودة الخدمة الصحية المقدمة للمواطنين، حيث يتسبب في:

        انخفاض جودة الرعاية الصحية، نتيجة لقصر مدة زيارة الطبيب.

        ارتفاع نسبة الوفيات بين المرضى أثناء انتظار دورهم في الرعاية الصحية.

        ارتفاع أسعار ممارسة الطب، نتيجة لقانون العرض والطلب.

        زيادة أعباء العمل على الطبيب مما يؤدي لحرمانه من النوم في حالات كثيرة مما يهدد سلامة المريض وأمنه.

ومما سبق، نستطيع استنتاج محورية العامل الاقتصادي في هذه الشبكة من الأزمات.

ثانيًا: اقتصاديات الصحة في مصر

تمهيد

تعد إشكالية الرعاية الصحية في مصر إحدى الخدمات العامة المنوط بالدولة تقديمها؛ في كونها حقًا اقتصاديًا واجتماعيًا لمواطني الدولة من جانب، ومن جانب آخر باعتبار كونها ذات تأثير كبير على التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدولة، ومن ثم تطور الأمر ليصبح التزامًا اقتصاديًا وسياسيًا على حكومة الدولة نجحت نسبيًا في الوفاء به حتى عقد السبعينيات، فتم رفع متوسط الأعمار وخفض وفيات الأمهات والأطفال ومكافحة الأمراض الوبائية.

غير أنه بحلول منتصف السبعينيات أصبح النظام الطبي المدعوم من الدولة وذو القاعدة الخدمية الواسعة مهددًا بفعل إجراءات الانفتاح والتحرر الاقتصادي التي قادها الرئيس الراحل محمد أنور السادات، فحدث تحول كبير في نمط اقتصاديات الصحة في مصر من ناحيتين:

الأولى: أدت إجراءات الانفتاح الاقتصادي إلى حدوث عجز كبير في ميزان المدفوعات مع ارتفاع مستويات الدين وتدهور في المؤشرات الاقتصادية، ما استدعى الحكومة إلى إجراء تخفيض في الإنفاق العام طال تخفيض الإنفاق الحكومي الكلي على الخدمات مثل الصحة.

الثانية: إطلاق يد القطاع الخاص الذي يهدف إلى الربح لتقديم الخدمات الصحية ليساعد في تقليل الفجوة التي بدأت في الظهور بسبب انخفاض الإنفاق الحكومي على الصحة في مصر، ومن ثم ارتفع ما يسمى بإنفاق الجيب أو إنفاق الأفراد على الصحة ليشكل مصدرًا رئيسيًا من مصادر تمويل الخدمات الصحية في مصر، تفوق على الإنفاق الحكومي نفسه بنسب كبيرة، كما سيأتي بيانه، ما أدى للتأثير على مستويات معيشة الأفراد.

ونتيجة لما سبق ومع مرور الوقت لا سيما مع تفاقم المشاكل الاقتصادية في مصر؛ تبلور تصورٌ ضار أصبح على ما يبدو دستورًا لدى بعض الحكومات التي تعاقبت على إدارة الأمور داخل القطر المصري، هو محاولة الدولة التملص من التزاماتها إزاء حقوق المواطنين في الرعاية الصحية ومحاولة إخلاء مساحات للقطاع الخاص حتى أصبح بالفعل المقدم الأساسي للخدمة الطبية في مصر، وأصبح الجزء الأكبر من الإنفاق يأتي من الجيب مع تحيزات واضحة وعنيفة ضد الأفراد الأشد فقرًا.

من أجل ذلك؛ ظهرت آثار سلبية على التنمية الاقتصادية ومساهمة رأس المال البشري في دفع ذلك التقدم، نتيجة للتحول في طبيعة النظام الصحي الذي كان يتسم بالاهتمام بالرعاية الصحية الأساسية وخدمة الغالبية من السكان الأكثر احتياجًا والأشد فقرًا إلى تراجع الدور الحكومي بسبب تدني المخصصات الحكومية للإنفاق الصحي ومن ثم خصخصة تقديم الخدمة مقابل أجر مما ساهم في انهيار منظومة القيم السائدة في النظام الصحي وتحولها إلى منظومة جديدة سوقية تقوم على السعي للربح في المقام الأول أدت إلى تدهور جودة الخدمة وارتفاع تكلفتها، وفقدان ثقة المواطنين بها سواء من جانب الخدمة الطبية المقدمة في المؤسسات العامة لتدني جودتها أو من جانب الخدمة المقدمة من القطاع الخاص بسبب ارتفاع تكاليفها بدرجة تؤثر على دخله ومن ثم على مستوى معيشته، ولذلك تبرز أهمية دراسة مدى تأثير تطبيقات اقتصاديات الصحة في مصر على مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وللوقوف على وضع الاقتصاد الصحي في مصر تجدر الإشارة إلى إيضاح أهم المؤشرات الصحية وعلاقتها بالاقتصاد الوطني، فكلا الأمرين يؤثران ويتأثران ببعضهما البعض أي أن العلاقة متبادلة ولا تسير في اتجاه واحد كما يُعتقد، فكلما كان الاقتصاد قويًا فسوف يدعم الخدمات الطبية بشكل لائق وهو ما سوف ينعكس بالتبعية على دعم متانة وتطور الاقتصاد نفسه.

على سبيل المثال، عند ارتفاع دخل المواطن المصري نتيجة لطفرة اقتصادية معينة فسوف يرتفع إنفاق الفرد على نوعية الغذاء الجيد ما يؤدي إلى زيادة قوته البدنية والذهنية، ومن ثم زيادة إنتاج السلع والخدمات فضلًا عن زيادة الابتكارات التي تدعم اقتصاد المعرفة، ومن ثم يؤدي ذلك إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي في المجمل، وحين يرتفع دخل الأفراد أيضًا يصبحون قادرين على المبادرة إلى سرعة معالجة الأمراض التي تُلم بهم ومن ثم تقليل مدة انقطاع الفرد عن الإنتاج والعمل وبالتالي دعم النمو الاقتصادي للدولة أيضًا، وهو ما سوف ينعكس على قدرة الدولة على تلبية احتياجات مواطنيها في تقديم الخدمات الصحية بالجودة اللائقة عن طريق زيادة مخصصات الإنفاق الصحي.

بيد أنه قبل الشروع في ذلك ينبغي التعرض لوضع اقتصاديات الصحة في واحدة من الدول التي حققت قفزات تفوقت من خلالها على الدول المتقدمة نفسها، رغم المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها وتمسكها بالنظام الاشتراكي حتى وقتنا هذا، وهي دولة كوبا، التي تعد المثال الصارخ على كيفية تخصيص الموارد المحدودة وتوظيفها بشكل أمثل للوصول للمستوى الحالي من نظام الرعاية الصحية عالي الجودة المقدم للمواطنين الذي يعتبره البعض «انتصارًا عظيمًا» للاشتراكية في كوبا، وهو ما تشهد به منظمة الصحة العالمية على التطور الكبير في مجال الرعاية الصحية هناك.

وتأتي نسبة الإنفاق على الرعاية الصحية من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي (GDP) أحد المؤشرات الرئيسة التي تنبئ عن مدى اهتمام الدولة بالمنظومة الصحية وما إذا كانت تضعها على رأس أولوياتها باعتبار ذلك التزامًا منوطًا بها. نتناول هنا النسبة المئوية للإنفاق إلى الناتج المحلي الإجمالي بداية من عام 2000 إلى عام 2014 في كل من مصر وكوبا.

يبين الجدول السابق مدى التفاوت الكبير في الإنفاق على الرعاية الصحية في كل من مصر وكوبا رغم اقتراب النسب بداية سنوات المقارنة، ففي العام 2000 كانت نسبة الإنفاق مقارنة بالناتج المحلي متقاربة في الدولتين إذ إن الفرق بينهما بلغ نصفًا في المائة فقط، وفي حين استقر الإنفاق في مصر حول 5% بدأت كوبا في الصعود بمستوى الإنفاق على الرعاية الصحية لا سيما بداية منذ عام 2005 الذي يشكل طفرة كبيرة في الإنفاق تمكنت كوبا من المحافظة عليها دون تناقص إلا قليلًا، حتى وصل الإنفاق في سنة المقارنة عام 2014 إلى ضعف الإنفاق على الرعاية الصحية في مصر تقريبًا، على عكس الأخيرة التي وصل إنفاقها عام 2000 إلى 5.6% من الناتج المحلي وبعد مرور 14 عامًا مكث الإنفاق عند تلك النقطة أيضًا وهي 5.6%.

ويمكن زيادة توضيح الفارق بين الدولتين من خلال الرسم البياني التالي، وفقًا لبيانات البنك الدولي:

لا يختلف الأمر كثيرًا عن كوبا فهناك دول أفريقية بدأت مع مصر عند مستوى الإنفاق عام 2000 إلا أنها تفوقت كثيرًا بحلول عام 2014 مثل ليبيريا إذ وصل مستوى الإنفاق على الرعاية الصحية عام 2000 نحو 5.9% من الناتج المحلي ليصل عام 2014 إلى 10%، كما يوضح الرسم البياني التالي:

ويأتي الإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية نسبة إلى إجمالي الإنفاق الحكومي ليؤكد البيانات السابقة فيعني انخفاض نسبة الإنفاق على الرعاية الصحية من جملة الإنفاق الحكومي تراجع دور الدولة في أداء واجبها والعكس صحيح، هنا يبرز تراجع نسب الإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية في مصر نسبة إلى إجمالي الإنفاق العام مقارنة بكل من دولتي كوبا وليبيريا في فترة المقارنة السابقة بين عامي 2000 إلى 2014، كما يوضح الجدول التالي:

اقرأ أيضًا:من رواندا إلى كندا.. مقارنة بين أنظمة الرعاية الصحية في مصر والعالم

يبين الجدول الفارق الكبير في مستوى الإنفاق بين كل من مصر من ناحية، ودولتي كوبا وليبيريا من ناحية أخرى، فتشير بيانات الإنفاق على الرعاية الصحية نسبة إلى إجمالي الإنفاق الحكومي تراجع النسب على مدار سنوات المقارنة من 7.3% من إجمالي الإنفاق الحكومي عام 2000 إلى 5.5% فقط، في حين تشير بيانات كوبا إلى ارتفاع نسبة الإنفاق على الرعاية الصحية من إجمالي الإنفاق الحكومي من 10.8% عام 2000 إلى 18% عام 2014، كما تشير البيانات إلى ارتفاع مماثل وبشكل لافت في دولة ليبيريا الأفريقية الفقيرة، فمستوى الإنفاق عام 2000 كان 6.6% أي أقل من مستوى الإنفاق ليصل بحلول عام 2014 إلى 11.8%.

ويعني تراجع الإنفاق الحكومي في مصر على الرعاية الصحية زيادة الإنفاق الخاص وإنفاق الجيب، ما يعني نقل مسؤولية تقديم الخدمات الطبية من على عاتق الدولة إلى الأفراد أنفسهم.

ويوضح الرسم البياني التالي صورة إجمالية لوضع الإنفاق الطبي الحكومي من إجمالي الإنفاق العام:

وعند النظر في تأثير البيانات السابقة على صحة الأفراد كان لابد من النظر في مؤشر التنمية البشرية Human Development Index HDI الصادر عن الأمم المتحدة والذي يقيس متوسط العمر المتوقع للأفراد عند الولادة في دول العالم ضمن مؤشراته الفرعية الأخرى كمقياس على الحالة الصحية للأفراد في الدول، فيشير تقرير التنمية البشرية لعام 2016 عن ارتفاع متوسط العمر المتوقع للأفراد عند الولادة في كوبا مقارنةً بمصر بنسبة كبيرة حيث بلغ متوسط العمر في مصر 71.3 عامًا، في حين بلغ في كوبا 79.6 عامًا لتتفوق بذلك الدولة الكوبية على الولايات المتحدة نفسها التي بلغ متوسط العمر فيها 79.2 عامًا.

ويدل انخفاض متوسط العمر المتوقع في مصر إلى عدم حصول أغلب السكان على الخدمات الطبية ونقص الإمكانات البشرية الطبية كالنقص في عدد الأطباء والممرضين وعدد الأَسِرّة وانخفاض في جودة نوعية الغذاء وكذا انخفاض الوعي الصحي لدى المجتمع.

وتشير دراسة صادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية التي قامت بتحليل مؤشرات الإنفاق الصحي والحالة الصحية في المجتمع المصري خلال خمس سنوات من عام 2010 حتى عام 2015، إلى تباين نسبة الإنفاق العام للدولة على الصحة قبل ثورة يناير (كانون الثاني) وبعدها، حيث تراجعت الدولة من خلال وزارة الصحة عن الالتزام بنصوص المادتين 18 و238 من الدستور المصري الذي تم إقراره عام 2014، واللتان تلزمان الدولة بزيادة نسبة الإنفاق الحكومي على الصحة.

وتشير الدراسة كذلك إلى أن مصر تنفق نصف متوسط ما تنفقه الدول من نفس مستوى الدخل طبقًا لبيانات منظمة الصحة العالمية، مع وجود فجوة كبيرة في نصيب الفرد من إجمالي الإنفاق على الصحة مقارنة بالعديد من الدول العربية والأفريقية ودول شرق المتوسط، وتشير إلى زيادة نسبة ما تتحمله الأسرة المصرية من مصروفات على الصحة، وتفاوت توزيع الإنفاق الحكومي على الصحة بين المحافظات والأقاليم.

كما توصلت الدراسة إلى وجود خلل في نمط تخصيص الإنفاق على القطاعات الفرعية المختلفة داخل قطاع الصحة مما يؤثر بشكل مباشر على مستويات الكفاءة مقارنة بالعديد من الدول التي تتشابه ظروفها الاقتصادية والسياسية بظروف المجتمع المصري.

وبالرغم من التقدم الملموس الذي تم إحرازه في مصر، مثل: زيادة متوسط العمر المتوقع للفرد (71.5 سنة) وخفض وفيات الأطفال دون سن الخامسة بنسبة 36%، إلا أن الفروق ما زالت كبيرة مع دول لديها الظروف نفسها، وحتى داخل القطر المصري نفسه بين المناطق المختلفة، وبين المحافظات الحضرية، فمؤشرات الوجه البحري من القطر أفضل من مؤشرات الوجه القبلي.

وعن تأثير الاهتمام بقطاع الرعاية الصحية من عدمه، فقد توصل بحث تحت عنوان «اقتصاديات خدمات الرعاية الصحية في الدول النامية وأثرها على التنمية» إلى أن الاهتمام بقطاع الرعاية الصحية الأساسية في الدول النامية يؤدي إلى تحقيق نمو اقتصادي سريع، فضلًا عن أن الميزانيات المالية الضعيفة التي يتم تخصيصها لقطاع الرعاية الصحية في الدول النامية تغذي حلقة مفرغة من عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وضعف التنمية وضياع الإنتاجية ومن ثم بطء النمو الاقتصادي.

كما أن «اللجنة المعنية بالنمو والتنمية» التي شكلها البنك الدولي عام 2006 بهدف إعادة النظر في الدراسة النظرية والتجريبية للنمو الاقتصادي لاستخلاص نتائج على صعيد السياسات مقدمة لصناع السياسات في البلدان المختلفة، قد أثارت إشكالية تساؤل مفاده هل التحسينات في الصحة في حد ذاتها تعد عاملًا مساعدًا على تعزيز النمو الاقتصادي؟ ليأتي الجواب في تقرير اللجنة المعنية بالاقتصاد الكلي والصحة التابعة لمنظمة الصحة العالمية، والذي يشير إلى أن «توسيع نطاق تغطية الخدمات الصحية الأساسية لتصل للفقراء في العالم يمكنه إنقاذ حياة الملايين من البشر كل عام، وتقليص الفقر، وتحفيز التنمية الاقتصادية وتدعيم الأمن العالمي».

أضافت اللجنة المعنية بالنمو والتنمية على ذلك أن الرعاية الصحية الأفضل ربما تتمكن من تحقيق ما فشل فيه العاملون في محيط التنمية، والمنظمات غير الحكومية، والخبراء الاقتصاديون، والمعونة الأجنبية، والدبلوماسية، وقد وجد بعض الباحثين وشائج قوية بين الصحة والنمو الاقتصادي منهم على سبيل المثال (بلوم وكانينغ 2003أ، 2003ب)، ثم استخدموا هذا الاستنتاج في الدعوة إلى زيادة كبيرة في الإنفاق الحكومي على الصحة.

وبشكل تجريبي تؤثر الصحة على النمو الاقتصادي عن طريق تقليل خسائر الإنتاج بسبب مرض العمال، وتزيد من إنتاجية الكبار نتيجة لتغذية أفضل، وتخفض معدلات التغيب وتحسن التعلم بين أطفال المدارس، إضافة إلى أن تقديرات البنك الدولي تشير إلى أن الزيادة بنسبة 10% في نفقات الصحة العامة مثل نسبة من الناتج المحلي الإجمالي في البلدان النامية أو متوسطة الدخل سوف تؤدي إلى انخفاض قدره 7% في معدل وفيات الأمهات، وانخفاض بنسبة 0.69% في معدل وفيات الأطفال، وانخفاض بنسبة 4.14% في حالات الوزن المنخفض للأطفال دون سن الخامسة. وهذا على عكس ما قد تظن الدولة أن الاهتمام برفع مستوى الرعاية الصحية الذي ينتج زيادة في متوسط العمر، بأنه سيشكل عبئًا على الدولة، على اعتبار أن رفع متوسط العمر يعني بالتبعية زيادة في نسبة المعاشات والإنفاق على التأمين الصحي لكبار السن، فإن رفع متوسط العمر يتصاحب بالضرورة مع رفع الكفاءة الإنتاجية.

حلول مقترحة لبعض المشاكل الرئيسية للقطاع الصحي المصري

بادئ ذي بدء، يجب الأخذ في الاعتبار أن الاقتراحات التالية تتعلق بالزاوية التي ناقشنا منها الموضوع، وأن هناك جوانب عديدة لتأزّم القطاع الصحي المصري، وبناء على ما تقدم يمكن طرح العديد من الحلول التي تفضي لتحقيق تقدم لائق يساعد على تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في جمهورية مصر العربية، وفيما يلي أهم ما وصلنا له من اقتراحات:

  • زيادة الموازنة العامة لوزارة الصحة والمستشفيات الجامعية لابد منها، وترشيد توزيع موازنة وزارة الصحة، واستخدامها في زيادة عدد المستشفيات والوحدات الصحية، وتجهيزها، وتأمين المستشفيات والوحدات النائية، أو التي تقع على الطرق السريعة، سواء بالتعاقد مع شركات أمن أو مع وزارة الداخلية، للتغلب على مشكلة تهرب الدكاترة من الأماكن غير الآمنة. وقبل كل ذلك، لزيادة مرتبات الأطباء، مما سيحدّ من عملية الهجرة المنتشرة في الوسط الطبي، وزيادة موازنات المستشفيات الجامعية أيضًا أحد الإجراءات الهامة، نظرًا لكون المستشفيات الجامعية تتحمل الضغط الناتج عن عزوف المواطنين عن مستشفيات وزارة الصحة سيئة الخدمة، فيزداد الضغط على المستشفيات الجامعية، على الرغم من أنها تقدم الخدمة مجانًا.

اقرأ أيضًا:بدون إرهاق الدولة ماديًا.. 4 اقتراحات غير مكلفة لتطوير القطاع الصحي في مصر

  • إصدار قرار من النقابة بشرط تجديد ترخيص مزاولة المهنة، فترخيص مزاولة المهنة هذا يصدر مرة واحدة فقط بعد التخرج، أما إذا أخذنا في اعتبارنا أن الطب يتغير بشكل راديكالي كل عقد من الزمان تقريبًا، فإذا رغبنا في إلزام الأطباء بمتابعة البحث العلمي وكل جديد في حقل التخصص والاطلاع الدائم، فإن هذه الفكرة تبدو فعّالة، حيث يتم تجديد ترخيص مزاولة المهنة باختبار يختبر مدى إلمام الطبيب بآخر المستجدات في تخصصه، والطبيب الذي يفشل في اجتياز الاختبار يمنع عن الاستمرار في مزاولة المهنة، حتى يعيد الاختبار وينجح في اجتيازه، مما سيلزم الطبيب بالبقاء على اطلاع دائم على كل جديد، وهو ما سينعكس بشكل إيجابي بالطبع على مستوى الممارسة الطبية.
  • التعاقد مع الطلاب المغتربين وخاصة اللاجئين، من السوريين والفلسطينيين وغيرهم، للعمل في القطاع العام، بعقد، سيشكل عرضًا جيدًا لهم، وسيساعد على تعويض النقص الموجود في عدد الأطباء، الذي سبق وشرحنا حقيقته على عكس ما تقوله وتروج له الرواية الرسمية.
  • إلغاء تبعيّة مستشفيات الجيش والشرطة والسكة الحديد… إلخ، لهذه الهيئات والمؤسسات، وجعلها تابعة لوزارة الصحة ماليًا وإداريًا، وينطبق عليها ما ينطبق على جميع مستشفيات الصحة، وتعتبر هذه النقطة محورية جدًا؛ لأن الفئات التي تتحكم في السلطات السيادية في الدولة عزلت نفسها عن عموم المواطنين، فأصبحت قضايا المواطنين لا تخصهم تمامًا، فأصبحوا فوقها، على الرغم من أنهم هم من يتحكمون بها، ولذلك ربط مصير الفئات السيادية بمصير عموم الشعب، يصبح الحل السحري لإرغام السلطة على الانتباه إلى أن الرعاية الصحية للمواطن هي قضية أمن قومي.
  • دراسة تجربة كلية طب جامعة قناة السويس، التي اعتمدت نظامًا مختلفًا في تدريس الطب، يعتمد على نظام الـBlocks، وقد كانت أول كلية تحصل على الجودة والاعتماد عام 2010، ونجحت في تجديده حتى عام 2020، وهذا النظام المعتمد بها لتدريس الطب له العديد من المزايا التي سبق وذكرنا افتقار التعليم الطبي لها؛ مثل غياب الحشو النظري غير المفيد، والتطبيق منذ اليوم الأول للدراسة، واتباع أسلوب يساعد على تنمية الاستدعاء الموظف للمعلومات.
  • الاهتمام بزيادة معدل التدريب الإكلينيكي أثناء مرحلة البكالوريوس، وهو ما تم بالفعل الالتفات إليه في قرار مجلس الوزراء على مشروع قرار بتعديل نص المادة 154 من اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات الصادر رقم 49 لسنة 1972، والخاص بمدة دراسة بكالوريوس الطب والجراحة، لتصبح خمس سنوات، يعقبها سنتان دراسة إكلينيكية، ثم امتحان عام كشرط لمزاولة المهنة، تشرف عليه هيئة التدريب الإلزامي، وقد اقترح الدكتور حسام موافي، رائد الطب الباطني بمصر، أن يتم تسيير حملات من الأساتذة الجامعيين إلى المستشفيات والوحدات الصحية النائية لتدريب الأطباء حديثي التخرج، وأعلن عن جاهزيته لذلك شخصيًا وعن جاهزية الكثير من الأساتذة لذلك أيضًا.
  • إلغاء تجنيد الأطباء بالجيش لمدة ثلاث سنوات ضابط احتياط، وخصوصًا من يذهبون إلى قطاعات بعيدة عن الممارسة الطبية العلاجية، وجعلها سنة واحدة حدًّا أقصى، حتى لا تضيع هذه المدة الكبيرة هباءً على المجتمع وعلى الطبيب بدون أن يتحصّل على أي خبرة في مجاله، وربما تسببت في نسيانه بعض المهارات التي اكتسبها خلال مرحلة البكالوريوس والامتياز.

اقرأ أيضًا:أطباء أم «شماشرجية».. ماذا تعرف عن «ديرتي» أطباء الامتياز في مصر؟

  • الاستفادة من نظام التعليم الطبي الكوبي، في الربط بين المشكلات الصحية المجتمعية وبرامج التعليم الطبي، حتى تكون الفائدة والفعالية أكبر، ويستوجب هذا بالطبع تعديلًا في اللوائح الخاصة بتوزيع التكليف على أطباء وزارة الصحة، ليصبح كل طبيب له الأولوية في التكليف بمنطقة سكنه بغض النظر عن مجموعه التراكمي بالكلية.