كشف التعديل الوزاري الأخير الذي أجراه رئيس الجمهورية، عبد الفتاح السيسي، على الحكومة الحالية ملامح خارطة الطريق الاقتصادية للنظام الذي بدأ يتشكل بعد فترة من التكهنات وجس النبض بين القطاع المالي والنظام الحالي، والتي تطورت من نمط التبرعات المالية كأحد التصورات المطروحة من النظام على رجال الأعمال لتنتقل إلى سيطرة هذا القطاع على الوزارات التنفيذية المسؤولة عن رسم السياسات الاقتصادية.

هذه السيطرة تحققت بدفع مُعظم مندوبي هذا القطاع لا سيما القطاع المالي إلى مناصب تنفيذية داخل الدولة، كي تكون مسؤولة بشكل رئيسي عن رسم أولويات السياسة الاقتصادية.

وزير المالية الجديد.. مندوب «القلعة» في النظام

«عمرو الجارحي»، الذي تولى منصب وزير المالية الجديد، كان العضو المنتدب لاستثمارات قطاع الأغذية، ورئيس التمويل المؤسسي ومتابعة الاستثمارات، في شركة «القلعة».

التعديل الوزاري الأخير

الجارحي عمل كذلك عضوًا منتدبًا للمجموعة المالية «هيرمس»، التي تنظر المحاكم في قضية متورطة فيها بتهمة الاستيلاء على المال العام، مع نجل الرئيس السابق محمد حسني مبارك.

توضح التصريحات السابقة لوزير المالية الجديد التماس في سياساته الاقتصادية مع سياسة المجموعة الاقتصادية التي برزت من خلال جمال مبارك، إذ يقول في تصريح تليفزيوني سابق: «حسني مبارك ماكنش رجل طاغية، لكن السياسات الموضوعة لتداول السلطة سمحت باستمراره 30 سنة»، «مصر تعاني من سوء الإدارة بنسبة 90%، والفساد لا يتعدى من 5 إلى 10%»، «القطاع الخاص تعرض لضغط شديد بعد الثورة، وعلى الدولة أن تحفز المستثمرين».

ويدعم الجارحي استعانة الحكومة بعاملين في القطاع الخاص: «تجربة استعانة الحكومة بالعاملين في القطاع الخاص للعمل فيها كانت تجربةً جيدة، ونشأ عنها مزايا كثيرة وتحسن، والهجوم عليها كان هجومًا خاطئًا وظالمًا».

وزيرة الاستثمار الجديد.. مندوبة «أوراسكوم» في النظام

داليا خورشيد، 42 عامًا، هي مندوبة شركة أوراسكوم للإنشاء المملوكة لناصف ساويرس، أحد كبار رجال الأعمال داخل الوزارة.

التعديل الوزاري الأخير

كانت «خورشيد»، الحاصلة على بكالوريوس إدارة أعمال من الجامعة الأمريكية في القاهرة، انتقلت من قطاع البنوك إلى شركة أوراسكوم للإنشاء منذ عام 2005، لترأس الفريق المالي للشركة.

وعملت «خورشيد» قبل أوراسكوم في سيتي جروب لمدة 8 سنوات، وكان آخر منصب تولته نائب رئيس سيتي بنك في دبي.

وزير السياحة.. مندوب «الخرافي» في النظام

يحيى راشد وزير السياحة الجديد، هو ممثل مجموعة الخرافي الكويتية للتنمية السياحية، التي كان شغل فيها منصب المدير التنفيذي لقطاع الفنادق والسياحة حتى توليه الوزارة.

التعديل الوزاري الأخير

مجموعة «الخرافي» التي تُعد من أكبر المجموعات الاستثمارية في مصر، التي تتنوع نشاطاتها في مجالات الإنشاءات والصناعات الغذائية والأسمدة والسياحة وغيرها، كان أحد مُلاكها قد خرج في حوار صحفي مهاجمًا فيه النظام في مصر، ومناخ الاستثمار.

وزير السياحة كان قد انضم لمجموعة الخرافي الكويتية للتنمية السياحية في عام 2009، وشغل منصب المدير التنفيذي لقطاع الفنادق والسياحة حتى توليه الوزارة.

ممثلو قطاع «البيزنس» الباقون

وزير التجارة والصناعة.. مُمثل مجموعة «أبراج»

وزير التجارة والصناعة الحالي هو مُمثل مجموعة أبراج للاستثمار في الشرق الأوسط وتركيا وآسيا الوسطى، حيث شغل منصب رئيس مجلس إدارتها قبل توليه منصب الوزارة.

التعديل الوزاري الأخير

وكانت مجموعة أبراج الإماراتية اتجهت مؤخرًا للتأميم على القطاع الصحي في مصر، حيث استحوذت على مستشفيات كليوباترا والقاهرة التخصصي ومعامل المختبر والبرج، فضلًا عن تقدمها للاستحواذ على عددٍ آخر من المستشفيات والمعامل، وهو الأمر الذي أثار حفيظة نقابة الأطباء التي تقدمت بطلب تطالب فيه بتدخل سلطات الدولة لإعلان تفاصيل الصفقات في مجال الصحة، والتحذير من هذا الأمر.

الوزير الجديد كان قد شغل أيضًا العديد من المناصب القيادية في شركة بيبسي كولا لمدة 18 عامًا، وكان آخرها رئيس بيبسيكو العالمية لمنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، وانضم كمدير فني لمصر وشمال إفريقيا في عام 1994، وبعد ذلك نائب رئيس امتياز شمال شرق إفريقيا في عام 1997.

وزير الكهرباء.. مُهندس «مشروع خصخصة الكهرباء للسوق والمستهلكين»

محمد شاكر، وزير الكهرباء هو وجه آخر داخل النظام المُمثل للقطاع الخاص داخل النظام الحاكم، فهو مؤسس مكتب «شاكر» الاستشاري‏ في مجال قطاع الطاقة الذي يعمل داخل مصر وخارجها، ومن بين أعماله مشروعات تنفذها وزارة الكهرباء وشركاتها.

التعديل الوزاري الأخير

ويُعد شاكر مهندس مشروع القانون الذي صدر قبل انعقاد المؤتمر الاقتصادي بثلاثة أشهر، حيث نص القانون على إبعاد الدولة عن الإدارة المباشرة لقطاع الكهرباء مع اكتفائها بالدور التنظيمي. وينص القانون على إنشاء هيئة مستقلة «لضمان الحفاظ على مصالح المستهلكين ومقدمي الخدمة وإيجاد علاقة متوازنة بينهما».

ويفتح القانون الباب أمام القطاع الخاص للانخراط في أنشطة نقل الكهرباء وبيعها، بما يعد تحولًا عن النظام الحالي الذي يسمح فقط للشركة القابضة لكهرباء مصر بنقل وبيع الكهرباء عبر الشبكة القومية.

الدولة ليست شركةً كبيرة

تختلف طريقة التفكير المطلوبة في التحليل الاقتصادي ورسم السياسات الاقتصادية للدولة، عن الطريقة التي يتبعها رجل الأعمال في إدارة أعماله، فطبيعة العقول التي تصنع رجل أعمال ناجحًا، لا تصنع محللًا اقتصاديًّا ناجحًا، وكذلك تظهر التجارب والخبرات السابقة في أكثر من دولة أن النظرية القائمة على أن رجل الأعمال الذي يصنع مليار دولار، نادرًا ما يكون الشخص المُناسب لإدارة اقتصاد حجمه ستة تريليونات دولار حيث إن مسألة أن من يستطيع تكوين ثروة خاصة، تتوفر لديه القدرات على جعل أمة أكثر ازدهارًا «غير صحيح»، إذ إن نصائحهم قد تكون كارثية ومُضللة إلى حدٍّ كبير.

من وجهة نظر، بول كروجمان، الكاتب والمُفكر الاقتصادي، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2008، إن هذا الاستنتاج لا يتعلق بفكرة أن رجال الأعمال أغبياء أو أن الاقتصاديين أكثر منه ذكاءً، بل من وجهة نظره أن طريقة التفكير المطلوبة في التحليل الاقتصادي تختلف بشكل كبير عن الطريقة التي تحقق النجاح في مجال الأعمال».

كيف يختلف تفكير رجل الأعمال عن راسم سياسات الدولة الاقتصادية؟

يتضح الاختلاف بين طريقة تفكير رجال الأعمال وراسمي السياسات الاقتصادية للدول بمثالين لفهم هذا الأمر، واستيعابه:

1- التصدير وفرص العمل:

يرى رجال الأعمال أن التوسع في التجارة العالمية له أثر إيجابي على مستوى التشغيل وزيادة فرص العمل، وأن كلما زاد حجم صادرات الدولة إلى الخارج زادت فرص العمل، أي أن الفكرة الرئيسية التي تتبلور وراء ذلك هو أن حرية التجارة كفيلة بتوفير نسبة مرتفعة من الوظائف الناتجة عنها.

من وجهة نظر الاقتصاديين، إن هذا الافتراض «غير مقبول»، فزيادة حرية التجارة تعني المزيد من الصادرات، وبالتالي المزيد من الوظائف المتعلقة بالتصدير، لكن المُشكلة الرئيسية تظهر في أنها تتجاهل أن صادرات دولة ما ليست إلا واردات دولة أخرى، وأن كُل دولار من عائدات التصديرهو بالضرورة نفس الدولار الذي تحول عن المنتجات المحلية لدولة أخرى لصالح وارداتها.

كذلك فمن وجهة نظر الاقتصاديين الأمريكيين، فإن القيود على مستوى التشغيل في الولايات المُتحدة لا تكمن فقط في قدرة الاقتصاد الأمريكي على خلق الطلب سواء عن طريق الصادرات أو من أي مصدر آخر، لكنها تكمن في مستوى البطالة الذي يرى الاحتياطي الفيدرالي أنه ضروري للسيطرة على التضخم.

2- الاستثمار عند رجل الأعمال.. والاقتصادي:

يؤمن رجل الأعمال أن ضخ مليارات الدولارات للاستثمار (كبناء مصانع مثلًا) في دولة لها موقع مميز، سيؤدي إلى ضخ مئات الملايين، ويتحقق الفائض التجاري، غير عابئين باحتمالية معاناة هذه الدولة من عجز هائل في ميزانها التجاري.

على خلاف هذه الرؤية القاصرة لمفهوم «الاستثمار» لرجل الأعمال، يعتقد المسؤول عن تحديد السياسة الاقتصادية للدولة أنه عندما تجذب الدولة الاستثمارات الأجنبية مع تدفق رؤوس الأموال، يمتلك الأجانب أصولًا في الدولة أكثر مما يمتلكه مواطنو تلك الدول المقيمون في الخارج، وهي المسألة التي تعني تجاوز واردات تلك الدولة صادراتها، وعجزًا تجاريًّا.

يوضح هذا الأمر ما حدث لدولة «المكسيك»، ففي بداية الثمانينات لم تكن هناك استثمارات في المكسيك، وكان لديها فائضٌ تجاري، وبعد عام 1989 بدأت الاستثمارات الأجنبية في التدفق وسط تفاؤل بمستقبل جديد للمكسيك، وتسببت هذه الأموال الناتجة في زيادة النشاط الاقتصادي، وانعكست على الواردات، وأدت إلى الارتفاع المُبالغ فيه في تقدير قيمة (البيزو) العملة الوطنية للمكسيك، وتأثرت الصادرات سلبيًّا، ودفع العديد من المُستهلكين لشراء المنتجات المستوردة، وأدى إلى عجزٍ هائل في الميزان التجاري.

عرض التعليقات
تحميل المزيد