«أعتقد أن الوظائف من اختراعات القرن العشرين، وأنا لا أريدها»

كانت تلك هي الرؤية الثورية التي جعلت كريستوفر ماك كاندلز، بطل فيلم «Into the Wild» الصادر عام 2007، والمأخوذ عن قصة حقيقية، للتخلي عن خط السير المعتاد بعد التخرج من الجامعة من البحث عن وظيفة، ثم الادخار لشراء منزل والزواج وما إلى ذلك من الخطوات الروتينية.

كان الحل من وجهة نظره يتمثل في الانطلاق إلى الطبيعة بعيدًا عن أي قيود تحرمه من العيش بحرية، فتبرع بكل مدخراته البالغة 24 ألف دولار أمريكي إلى إحدى الجمعيات الخيرية، وأحرق ما تبقى معه من نقود في المحفظة، إلى جانب تمزيق بطاقاته الشخصية، وسافر بعدها إلى ألاسكا في رحلة التقى فيها بمجموعة من الشخصيات التي أثرت في تغيير نظرته للحياة، وكانت نهاية الفيلم ما حدث في الواقع بوفاته داخل إحدى الحافلات المهجورة التي كان يعيش فيها، ورغم اختلاف تفسيرات وفاته، إلا أنه كتب في مذكراته أنه قد عاش حياة سعيدة.

بعيدًا عن كاندلز ظهر مؤخرًا بعض الشباب العرب الذين انتهجوا نهجه بشكل جزئي، بأخذهم قرار الاستقالة من العمل، والانطلاق في حياة جديدة أساسها الترحال في بلدان العالم، واكتشاف التجارب المثيرة، وعرض رحلتهم ومحطاتها من خلال مقاطع فيديو على موقع «يوتيوب».

1- جو حطاب.. لا للوظيفة الثابتة ونعم للسفر والترحال

ودع الشاب الأردني جو حطاب وظيفته الثابتة التي كان يعمل بها في السعودية، وهي محاسب مالي بإحدى الشركات عام 2016؛ ليبدأ من بعدها رحلته في أنحاء العالم ناشرًا تفاصيلها عبر مقاطع مصورة على قناته في يوتيوب، والتي يتجاوز إجمالي عدد المشاهدات بها 187 مليون مشاهدة، فيما يبلغ عدد المشتركين حوالي مليون و800 ألف مشترك، شاهدوا المقاطع المصورة التي زار فيها حطاب أكثر من 35 دولة.

شرح حطاب في فيديو عن استقالته من العمل تخطيطه للفترة القادمة آنذاك، بتأكيده على أن كل ما يملكه هو «اللاب توب» الخاص به والكاميرا وجواز السفر، والأشخاص الذين سيتابعونه، وقد وصف مشاعره يوم تقديم استقالته بالتوتر، لعلاقة ذلك بالخروج من منطقة الراحة التي عاش بداخلها ثلاث سنوات.

تشارك الكورية صوفي في الكثير من رحلات حطاب، وهي فتاة تعرف عليها أثناء زيارته لكوريا الجنوبية، وكانت مسافرة إلى تايوان فسافرا سويًا وعندما عاد حطاب إلى كوريا الجنوبية مرة أخرى سكن في منزل أسرتها لمدة شهر كامل، انطلقا من بعده في العديد من الرحلات حول العالم، وتشاركا صناعة المحتوى الخاص بها على يوتيوب سويًا.

يرى الرحال الأردني أن السفر أفاده في الكثير من الجوانب أهمها اكتشاف ذاته، وهو السبب الرئيس الذي دفعه لترك الوظيفة الروتينية، فعلى سبيل المثال اكتشف تميزه في مهارة التصوير والمونتاج، ويؤكد أنه لو كان ظل على مكتبه لن يعرف مواهبه المدفونة.

لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة، فعندما ترك جو وظيفته كان بحوزته مبلغ من المال ادخره خلال سنوات عمله، لذلك دارت في ذهنه شكوك ومخاوف من اضطراره للرجوع بعد نفاد المال إلى الوظيفة التي لا يحبها، وعندما بدأ في نشر المقاطع على يوتيوب لم يشاهده لمدة ثمانية شهور أعداد كبيرة؛ ما اضطره إلى بيع سيارته لاستكمال رحلته، لكن شيئًا فشيئًا تصاعدت أعداد المشاهدين.

يُعرف الشاب الأردني نفسه على أنه «صانع محتوى على يوتيوب»؛ باعتباره يمثل مصدر دخله المادي، ويرتبط ذلك كما أوضح بكثرة مشاهديه من دول الخليج العربي؛ مما يساهم في زيادة الأرباح من الإعلانات، وبعد ازدياد عدد المشاهدات لمقاطعه، أصبحت بعض شركات الطيران تدعوه لرحلات مجانية مقابل الدعاية لها، إلى جانب بعض الفنادق التي تقدم له إقامة مجانية، وحسب تعبيره فهو «لا يُجمل سمعة الداعمين لرحلته ولا يأخذ الأموال منهم، إنما فقط يشاركونه عبر الخدمات التي يقدمونها».

«الرقميون الرُحل».. أن تعمل وأنت تجوب العالم!

2- محمد العفيفي.. يطوف العالم بأقل التكاليف

«قررت أسيب الشغل، وأعيش حياتي سفر وتصوير»

أخذ الشاب المصري محمد العفيفي هذا القرار بعد أربع سنوات من العمل محاسبًا في دولة قطر، ويصف الأيام التي مرت عليه طوال تلك الأربع سنين بأنه لم يشعر في أي يوم منها، بأن تلك الوظيفة هي المناسبة له؛ لأنه لم يكن يتمنى أن يقضي مستقبله فيها، وأيضًا لم يجد أي شغف حقيقي تجاهها؛ مما قاده للبحث عما يحب، واكتشف في النهاية أنه يتمثل في السفر والتصوير؛ مما دفعه للاستقالة، وبدأ رحلته وتدشين قناته على «يوتيوب».

ورغم رؤية الكثير من الأشخاص المحيطين بالعفيفي أن ما يفعله شيء تافه، والأفضل له أن يبحث عن وسيلة يحقق بها الخطوات «الروتينية» لأي شاب من شراء شقة وسيارة، إلا أن والده شجعه على الاستقالة، فقد رأى أنه شخص ناضج يريد الوصول إلى العالمية؛ مما يجعله يتمنى له مستقبلًا باهرًا، ولا يملك إيقافه عما يريد.

عند بداية الرحلة، لم يمتلك محمد مدخرات كبيرة فمجموع ما جمعه في أربع سنين عمل لم يتجاوز 5 آلاف دولار، وهو مبلغ قد لا يكفي لشراء سيارة مستعملة متوسطة في مصر، لذلك استغل جميع الاختيارات المتاحة له للاقتصاد في المصروفات، من بحث عن أرخص رحلات الطيران، والسكن مع أهل القرى والمدن باستخدام بعض المواقع التي تتيح ذلك، وتناول الطعام في المطاعم الشعبية.

انطلق الرحالة المصري من مدينة برلين إلى جنوب أفريقيا في رحلة استهدف فيها أن يجوب القارة الأفريقية من جنوبها إلى شمالها، والسبب في انطلاقه من برلين لأنها مدينة صديقته دومينيك الفتاة الألمانية التي التقى بها في تركيا، وأخبرها عن تطلعه للبدء في رحلة أفريقيا فأبدت تحمسها وكانت معه فيها.

أما سبب اختياره أفريقيا بالتحديد، فهو – بحسبه – رغبته في نقل الصورة الحقيقة عن القارة السمراء، والبعيدة عن الصورة الشائعة بأنها بلاد مجاعات وحروب، فيما يصفها هو أنها أكثر أمانًا مما كان يتخيل، وتخطو نحو النمو والتقدم، ويوجد بعض التشابه بينها وبين معظم الدول العربية.

عند الحديث عن طموحه المستقبلي وخططه على المدى البعيد أكد أنه يريد الوصول إلى اعتماده كليًا في دخله على ما يأتي إليه من «يوتيوب»، وهو ما سيجعله يعيش حينها حرية مادية كاملة، فيصبح قادرًا على العمل من أي مكان في العمل والسفر لأية دولة يود السفر إليها، مضيفًا أنه ليس من الخيارات المتاحة بالنسبة له أن يعود إلى وظيفته التي لم يحبها.

«وطن الفانيليا» الذي لم يكن ينتمي لأفريقيا.. 6 معلومات قد لا تعرفها عن مدغشقر

3- هيفاء بسيسو.. جسر بين الشرق والغرب

«استقلت من عمل مميز يتمناه الكثير من الأشخاص؛ حتى أركز أكثر على حلمي وأتبع ما أريده حقًا»

قالت الشابة الفلسطينية هيفاء بسيسو الكلمات السابقة في فيديو نشرته على قناتها في يوتيوب في يونيو (حزيران) 2015، ومنذ ذلك الحين بدأت في صنع مقاطع الفيديو التي تظهر فيها وهي تجول بلدان العالم، وتكتشف حياة شعوبها ومعالمها المميزة، وهو ما جعل قناتها تحظى اليوم بـ 664 ألف مشترك، و38 مليون مشاهدة.

نشأت بسيسو في دبي وكانت نقطة بداية حبها للسفر عندما أهداها عمها رحلة إلى أمريكا بعد تخرجها من المدرسة، وتخوفت قبل سفرها من ردود فعل الأمريكيين وتعاملهم معها نظرًا لارتدائها الحجاب، لكن الواقع نفى تلك التخوفات؛ فقد عوملت هناك بلطف، ودعاها البعض إلى تناول القهوة للحديث معها عن الثقافة العربية، فعادت من الرحلة بصورة جديدة عن الغرب، ومنذ ذلك الحين وضعت في ذهنها هدف العمل على سد الثغرة الموجودة بين الشرق والغرب.

تخرجت هيفاء في الجامعة في تخصص الإنتاج الرقمي، وعملت لثلاث سنوات منتجة تلفزيونية، لكن الروتين الوظيفي كان منهكًا لها مما اشعرها في النهاية بالاختناق ومن ثم الاستقالة؛ بهدف السعي وراء تحقيق أحلامها في السفر وصناعة المحتوى، وترى أن والدتها لها دور مؤثر بعد وفاة أبيها في تربيتها على القوة والاعتماد على الذات.

سافرت الرحالة الفلسطينية إلى أكثر من 35 دولة، أحببت منها زنجبار ونيبال وبريطانيا، وبالأخص شعب زنجبار، فقد اكتشفت بعد رحيلها عنهم أنها تحب الأفارقة للغاية نتيجة بساطتهم وحبهم للحياة، الذي ترى أنه متوارث في جيناتهم، أما البلد الذي تود أن تعيش فيه فهو نيبال؛ لشعبها المبتسم وأراضيها التي تنتشر بها المساحات الخضراء على مد البصر.

من التجارب المثيرة للاهتمام التي صنعتها هيفاء تجربة الزواج من الحياة، وذلك بشرائها فستان الزفاف الأبيض وخاتم الزواج، ومن ثم توزيع الدعوات في إحدى المنتزهات بدبي، لحضور حفل زواجها من الحياة، ومن ثم أخذت تركض بحذائها الرياضي في جوانب المنتزه، وقادت سيارة رياضية مكشوفة، وهي أمنيات كانت مؤجلة بالنسبة لها.

كل ذلك وفقًا لبسيسو بهدف بث رسالة لكل فتاة تتعرض لضغط مجتمعي لتأخر زواجها، وكأن مهمتها الزواج والإنجاب فقط، تقول لها فيها: «إن ذلك لا يمكن أن يكون هاجسًا مقلقًا يعطلها عن ممارسة حياتها بشكل طبيعي، وحب نفسها واعتزازها بذاتها».

لم تكن تلك هي التجربة الوحيدة لهيفاء في كسر الصورة النمطية، فقد شاركت عام 2018 في مبادرة يوتيوب التي تُدعى «Creators for Change programme»، وهي مبادرة عالمية تدعم صانعي المحتوى الذين يعملون على نشر الوعي والتسامح والتعاطف، وجرى اختيارها كواحدة من السفراء الخمسين للمبادرة، فصورت فيديو بعنوان «Stereotype World»، في دول مختلفة، مثل: الإمارات، ومصر، والمغرب، والسودان، وهو عبارة عن مسرحية مصورة تستهدف تصحيح الأفكار المغلوطة عن الشرق الأوسط.

إذا كنت تنوي السفر حقًا فهذه أفضل 10 دول للسفر والاستمتاع بها في 2019

4- أحمد محسن.. المتعة ليست في جمع المال

«عايز أحس إني عايش وحر، عايز لما حد يسألني بشتغل إيه؟ أقوله بلف العالم»

هكذا عبر الشاب المصري أحمد محسن بكل بساطة عن شغفه تجاه السفر، الذي دفعه لأخذ قرار الاستقالة من وظيفته المكتبية مبكرًا، فقد كان يُخطط لفعل ذلك في سن الخامسة والثلاثين من عمره، لكنه لم يطيق العيش في ظل الروتين حتى ذلك الحين، فاستقال وهو في الثلاثين ليتفرغ للسفر وصناعة المحتوى.

يفسر محسن قراره بأن هناك فروقات بين الأشخاص، فمثلًا يوجد من يفضلون العمل من التاسعة صباحًا حتى الخامسة عصرًا، وهي مواعيد العمل المعتادة، لكنه شخصيًا لم يحب ذلك طوال حياته، فهو يرفض أن يكون مجرد ترس في ماكينة يعمل بجد من أجل أن يتكسب من وراءه صاحب العمل.

بدأ حب السفر عند الشاب المصري عندما سافر لأول مرة عام 2007، ومنذ ذلك الحين وهو يستغل كل فرصة للانطلاق في رحلة جديدة، فسافر إلى أكثر من 20 دولة، و70 مدينة؛ بهدف التعرف على ثقافات وشعوب جديدة، وصنع ذكريات تعيش معه طوال عمره.

يصف محسن نفسه أنه شخص متوسط الحال ماديًا لا يمتلك الكثير من المدخرات؛ لأنه يرى أن المال يُرغم الشخص على الدخول في دائرة الروتين، فيضطر أن يقضي حياته وراء جمع المال وينسى أن يعيش، وحول مصدر الدخل البديل أكد على أنه سيكون من العمل الذي سيأتي إليه من وراء الفيديوهات التي يقدمها على قناته في يوتيوب التي يتابعها 76 ألف مشترك، ووصلت عدد المشاهدات فيها إلى مليونين و680 ألف مشاهدة، وحتى في حال فشله لا يرى في ذلك عيبًا؛ لأنه سيكون حينها قد خاض التجربة وتحقق بأن هذا ليس هو الطريق الصحيح.

 

المصادر

تحميل المزيد