هل نجحت سياسة الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة الرئيس باراك أوباما في منطقة الشرق الأوسط؟

يقول «جيمس جاي كارافانو»، نائب رئيس «مؤسسة التراث» الأمريكية، إن سياسة الإدارة الأمريكية الحالية في الشرق الأوسط مزرية. تلك السياسة التي ساهمت في إبعاد أكثر الحلفاء قربًا من واشنطن عن القضايا الأكثر أهمية.

وقال «جاي» إنه، وفي الوقت الذي تدخل فيه المفاوضات الجارية بشأن البرنامج النووي الإيراني مراحلها الحاسمة على مدى الأشهر القليلة القادمة، فإن الكثير من التشويش سيبقى في الشرق الأوسط حتى بعد رحيل الرئيس الأمريكي عن «المكتب البيضاوي»؛ ولذا فقد بات من المبكر التفكير في كيفية التعاطي مع الفوضى التي ستُخلِّفها الإدارة الحالية بعد رحيلها.

أساء «أوباما» فهم ما يجري في الشرق الأوسط على كافة المستويات؛ وهو ما سيضطر معه الفريق الرئاسي القادم إلى استيعاب كافة الأطر ذات الصلة والتي تحكم الشرق الأوسط، وذلك على صعيد خمس قضايا أساسية نعرض لها فيما يلي.

1. اللعبة الكبرى

لم تكن القوى الكبرى لتعتني كثيرًا بمصير منطقة الشرق الأوسط، إذا لم يكن لتلك المنطقة أهمية كبرى لبقية العالم. لمَ لا وقد كانت المنطقة ولا تزال ساحة للمنافسة الجيوستراتيجية. ولا يستطيع البيت الأبيض على مدار تاريخه أن يتجاهل حقيقة أن القوى الخارجية تتصارع فيما بينها لبسط نفوذها على ذلك الجزء من العالم.

وفي الوقت الذي ورث فيه الرئيس أوباما حالة من النفوذ الأمريكي الكبير في المنطقة، ذلك النفوذ الذي لم تكن لتحظى به أي من القوى الأجنبية الأخرى، إلا أن ردود الفعل التي تبناها ذهبت بالولايات المتحدة بعيدًا عن ذلك النفوذ وتلك الهيمنة.

ردود فعل عكستها سياسات تبنتها الإدارة الأمريكية من قبيل الانسحاب من العراق، وتجاهل للثورة الخضراء في إيران، والتعاطي برعونة مع الملف السوري، وكذا الوقوف بموقف المتفرج مع ما تبقى من الربيع العربي.

وحتى الآن وفي ظل التهديد الذي يشكله تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ما يزال الكثيرون في المنطقة يفكرون في السؤال التالي: ما هي الحلول النهائية لأوباما لمواجهة تلك الأزمة؟

وإذا كانت الجيوستراتيجية تتلاقى عكسيًا مع الفراغ، فإنه وفي حال لم تبدِ الولايات المتحدة شغفًا بقيادة المنطقة، فإن القوى الأخرى لن تتوانى في بسط نفوذها على المنطقة، وهو الأمر الذي لن يكون مجديًا سواء للمنطقة أو للولايات المتحدة.

فالقوى الـأجنبية الأخرى لا تمتلك القدرة على إحداث الفارق بالمنطقة. علاوة على ذلك، فإن الولايات المتحدة تهدف من خلال مشروع الشرق الأوسط الكبير إلى خلق حالة بنَّاءة تحقق لشعوب المنطقة السلام والرخاء.

سيتعين على الإدارة الأمريكية الجديدة أن تعالج الانحرافات التي خلفتها الإدارة الحالية نتيجة لمواقفها المتبدلة والمتباينة في المنطقة. سيكون من المهم للحكومة الجديدة أن تتبنى إستراتيجية جادة لقيادة الأمور في الشرق الأوسط.

2. عش من الدول القومية

من الخطأ أن نعتقد بأن دول المنطقة ليست سوى بيادق في لعبة شطرنج عالمية. غير أن المشكلة التي تكتنف أوضاع تلك الدول هي ما تتميز به من سياسات قميئة، بما في ذلك مستويات الفساد العالية، وسوء الإدارة، وضعف سلطة القانون، ناهيك عن الانتهاكات العديدة في مجال حقوق الإنسان.

وفي ظل هذه الانتهاكات والسياسات، لم يسعَ الرئيس الأمريكي بجدية لفعل الكثير لمواجهة تلك العقبات. حتى أن البيت الأبيض لم يفعل شيئًا للمساعدة في معالجة نقاط الضعف الهيكلية الكامنة وراء العديد من الدول ذات الأهمية الإستراتيجية في هذا الجزء من العالم.

تونس كانت مثالًا على ذلك. تلك الدولة التي بعثت من جديد في ظل الربيع العربي، والتي قام فيها الشعب التونسي بقمع التهديد الذي شكله سيطرة الإسلاميين، فضلًا عن التزام الحكومة والمجتمع المدني بالإصلاحات التي تعزز الحرية الاقتصادية. وفي الوقت الذي قدمت فيه تونس الكثير للولايات المتحدة بما يمكنها من المساعدة في دفع تلك الإصلاحات، لم تحصل تونس في المقابل سوى على القليل الذي لا يتعدَّى عدسات المصورين.

مصر هي الأخرى بحاجة إلى جرعات متتالية من الحرية الاقتصادية بدرجة أكبر من أي دولة أخرى بالمنطقة. فمن بين 15 دولة بالشرق الأوسط، تحتل مصر المركز الثاني عشر وفقا لأحدث مؤشر للحرية الاقتصادية الصادر عن «مؤسسة التراث» و«صحيفة وول ستريت جورنال». وإذا كانت القاهرة بحاجة إلى الشركاء لتعزيز مبادرات السوق الحرة، فإن أوباما ما يزال يعامل قادة هذه الدولة بطريقة أفضل قليلًا من معاملة «المنبوذين».

تقديم جدول أعمال لبناء الحرية الاقتصادية والحكم الرشيد في المنطقة يجب أن تكون أولوية قصوى بالنسبة للرئيس القادم. وسيكون هذا تحديًا حقيقيًا. أضف إلى ذلك تعزيز الإصلاحات التجارية ومحاربة الفساد، وحماية حقوق الملكية، ودعم سيادة القانون، كل ذلك من شأنه أن يحقق نتائج أفضل بكثير.

3. حرب الأفكار

ثمة صراع أيديولوجي كبير يخيم على المنطقة، متجاوزًا سياسات القوى العظمى وحدود الدولة. إنه حرب بين الحرية والاستبداد. على مدى القرنين الماضيين، تنازعت كل من الفاشية، والشيوعية، والاشتراكية من جهة، والأيديولوجية الليبرالية لكسب قلوب وعقول الشعوب في هذا الجزء من العالم.

الإسلامية أيضًا خاضت معركة من جهتها لقمع الحداثة الغربية لأكثر من قرن من الزمان، بما تشمله من تنظيمات كجماعة الإخوان المسلمين، والوهابية، وتنظيم القاعدة، و«داعش» والملالي الإيرانية.

تخلَّى أوباما ببساطة عن مجرد المشاركة في هذه الحرب الدائرة. فالرئيس الأمريكي لم يرفض فقط توظيف كلمة «إسلامي»، بل إنه أيضًا تخلَّى عن الكثيرين في المنطقة الذين يحاولون تفنيد المعتقدات الدينية المتطرفة، وقدَّم التبريرات لأنظمة سياسية بعيدة كل البعد عن الليبرالية يفرضها أصحابها بأبشع أنواع العنف.

حتى أن خطاب الرئيس عن الصراع الأيديولوجي في المنطقة لم يؤخذ على محمل الجد سواء من قبل الإصلاحيين الليبراليين أو أولئك الذين يسفكون الدماء في «داعش». علاوة على ذلك، عززت رواياته عن الخطايا المزعومة للحروب الصليبية الغربية من رسالة الإسلاميين بأن المعركة هي بين الإسلام والغرب.

لترجيح كفة الميزان في حرب الأفكار تلك، سيكون من الضروري إنزال الهزيمة بتنظيميْ داعش والقاعدة، وتقديم يد العون للحد من التبعات التدميرية لإيران وحزب الله وحماس وجماعة الإخوان المسلمين.

4. الانقسام الطائفي

إن الانقسام الكبير بين الشيعة والسنة لا يبعد كثيرًا عن محور الصراعات في المنطقة. وسيتعين على أيَّة إستراتيجية يتم وضعها لتشكيل مستقبل المنطقة أن تأخذ هذا الصراع بعين الاعتبار.

لا يمكن أن يكون أوباما قد نجح في التعاطي مع هذا الملف، خاصة وأن العديد من السنَّة، على سبيل المثال، يعتقدون بفشل التوصل إلى اتفاق نووي بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما سيضعهم تحت مظلة التهديد النووي الإيراني. حتى أنهم ينظرون إلى حوار الإدارة الأمريكية مع إيران باعتباره دليلًا على وقوف واشنطن بجانب الشيعة ضد السنة.

ليست هناك إجابة سهلة لكيفية مواجهة ذلك الانقسام والعداء الطائفي. غير أن الإدارة المقبلة بإمكانها البدء ببناء الثقة مع مختلف الفصائل وكسب احترامها، والحد من مشاعر القلق المتبادلة بين كافة الأطراف حيال بعضها البعض. وفي حال اكتسبت الإدارة المقبلة احترام هذه الفصائل من السنة والشيعة والمسيحيين والأكراد للقوة الأمريكية والحماية التي تصاحبها، فسيكون من الأرجح أن تحصل في المقابل على تعاونها.

5. القبائل

من كل القوى التي تحرك العمل في المنطقة، تظل العلاقات القبلية هي الأقدم والأكثر استدامة. ومع ذلك، لم تُلقِ الإدارة الأمريكية بالًا لتلك القوى باستثناء نائب الرئيس جو بايدن الذي اقترح تشكيل بلدان مثل العراق على هيئة «إقطاعيات قَبَلية».

ومع ذلك لا يمكن تأمين مستقبل المنطقة إذا ما تم إعادة ترتيب الحدود على أسس قبلية قديمة، خاصة وأنه لن يكون هناك احترام لتلك الحدود، فضلًا عن الحروب القبلية المتوقعة. كما أن الهياكل القبلية التي تشملها المنطقة ليست موحدة ولا ثابتة.

إن مراعاة التأثيرات القبلية يجب أن يكون جزءًا من الإستراتيجيات الإقليمية ودون الإقليمية. ولتطوير العلاقات والإجراءات البناءة في المنطقة، ستحتاج الولايات المتحدة لتجنيد فئة أفضل من الخبراء في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية، وأجهزة الاستخبارات وفي البنتاجون.

يجب أن تستند إستراتيجية الولايات المتحدة المستقبلية على بناء علاقات ثنائية قوية مع الدول الرئيسية، بما في ذلك تونس والمغرب ومصر وإسرائيل والأردن والعراق. من شأن هذه العلاقات أن تمنح القادة الأمريكيين المرونة لممارسة نفوذهم في ذلك الصراع الإقليمي من جهة، ومواجهة القوى المدمرة التي تسعى إلى تمزيق الشرق الأوسط، من جهة أخرى.

سيكون الرئيس القادم بحاجة إلى تبني نهج يكون أكثر تطورًا لمنطقة الشرق الأوسط الكبير. نهج يكون أفضل بكثير من ذلك النهج الذي رأيناه على مدى السنوات الست الماضية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد