على ما يبدو أن جميع محاولات المؤسسة السياسية العليا في إيران، وحث الإيرانيين على التصويت، تارة بوصف الأمر بأنه واجب وطني، وبوصفه تارة أخرى بأنه واجب ديني، ودعوة الزعيم الأعلى للبلاد آية الله علي خامنئي، لأولئك الذين لا يحبونه على المستوى الشخصي، بأن يذهبوا للإدلاء بأصواتهم، فيما وصفه بأنه سيكون مشهد تألق الجمهورية الإسلامية في الاختبار الانتخابي، قد ذهبت أدراج الرياح.

تلك المحاولات التي وصفت الذين لن يذهبوا إلى التصويت، بأن «مصيرهم الجحيم»، بحسب رجل الدين المتشدد البارز آية الله أحمد خاتمي، لم تجد صدى لدى الإيرانيين الذين أصروا على موقفهم بعدم التصويت لأسباب عديدة.

لتكون المحصلة نسبة مشاركة ضعيفة، أراد بها الإيرانيون إيصال رسالة، مفادها على ما يبدو: «لقد تملك اليأس منا».

42 %.. أقل نسبة مشاركة في تاريخ الجمهورية الإسلامية

بعد أشهر من الجدل المثار الذي سبق الانتخابات البرلمانية الإيرانية، بسبب إقصاء «مجلس صيانة الدستور» (الجهة المكلفة بفحص أوراق المرشحين في كافة الانتخابات) للآلاف من المرشحين الإصلاحيين والمعتدلين، لأسباب تتعلق بعدم ولائهم للدين الإسلامي، أو عدم الولاء للمبادئ الثورية، بجانب قضايا فساد مالي، بحسب ما أعلنوا، دون صدور أي أدلة رسمية عليها علانية.

Embed from Getty Images

جانب من الدعاية للانتخابات البرلمانية الإيرانية 2020

أجرت الجمهورية الإسلامية انتخابات البرلمان الحادي عشر يوم 21 فبراير (شباط) الماضي، وكما كان من المتوقع أن يكتسح المعسكر المحافظ تلك الانتخابات، ويسيطر على مقاعد البرلمان البالغ عددها 290 مقعدًا، كان أيضًا من المفترض أن تعلن النتائج في اليوم التالي من التصويت، لكن الأمر استغرق 48 ساعة، لإعلان النتائج شبه النهائية.

في مؤتمر صحافي بثه التليفزيون الحكومي، أعلن وزير الداخلية الإيراني عبد الرضا رحماني فضلي، يوم أمس 23 فبراير، أن نسبة المشاركة في الانتخابات تصل إلى 42%، من إجمالي عدد الناخبين البالغ عددهم 57 مليون شخص.

علل الوزير النسبة المنخفضة التي وصفت بأنها أدنى معدلات للمشاركة في الانتخابات منذ عام 1979، بالقول: «كان لدينا انتشار فيروس كورونا، والكثير من الظروف السياسية السيئة، مثل حادث تحطم طائرة الركاب الأوكرانية، واحتجاجات نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي». لكنه صرح في الوقت نفسه، بأن نسبة المشاركة الحالية تعد «مقبولة».

الكثير من الارتباك.. تمديد ساعات الاقتراع وتأخير إعلان النتائج

في الساعات الأولى من صباح يوم الجمعة، نزلت كاميرات وسائل الإعلام الإيرانية إلى بعض مراكز الاقتراع، لتنقل مشاهد إقبال الجماهير على التصويت، لكن وبالرغم من جميع المحاولات لإظهار إقبال نسبة كبيرة من الإيرانيين على التصويت، فإن الأمر بدا واضحًا ولا يمكن مقارنة الإقبال على التصويت بالانتخابات البرلمانية عام 2016.

في تمام الساعة الثامنة صباحًا من اليوم نفسه بالتوقيت المحلي الإيراني، ذهب القائد الأعلى لإيران، آية الله علي خامنئي للإدلاء بصوته، وبالطبع استغل الفرصة لتأكيد ضرورة مشاركة الناس في التصويت، مؤكدًا أن التصويت أمر وطني وديني.

Embed from Getty Images

القائد الأعلى للجمهورية الإسلامية يدلي بصوته في الانتخابات البرلمانية 2020

فرامرز مرتضى، الذي يبلغ من العمر 55 عامًا، ويعمل في مجال الطباعة، أحد الذين استمعوا إلى نصيحة آية الله علي خامنئي وذهب إلى التصويت في العاصمة طهران، يقول لـ«ساسة بوست»: «لم يفعل الإصلاحيون شيئًا لنا سوى الصفقة النووية التي دمرت اقتصادنا، ذهبت إلى التصويت من أجل تأكيد قدرة إيران على مواجهة كل المصاعب، من خلال البرلمان الجديد».

على العكس من مرتضى، لم يذهب رضا (اسم مستعار)، البالغ من العمر 32 عامًا، ويعمل في مجال التصوير السينمائي إلى التصويت، ووصف الأمر بأنه مجرد لعبة لا فائدة منها، إذ يقول لـ«ساسة بوست»: «لقد ذهبت إلى التصويت في الانتخابات البرلمانية السابقة، والرئاسية، ولكن ماذا حدث؟ لم يحدث أي شيء، والأمور تذهب إلى الأسوأ، فما الذي يجبرني على التصويت؟».

كان من المفترض أن تغلق مراكز الاقتراع أبوابها عند الساعة السادسة مساءً، لكن في بعض الدوائر الانتخابية، قررت وزارة الداخلية تمديد ساعات الاقتراع، وفي بعض الأحيان جرى التمديد مرتين. قد يتساءل البعض، عن هدف التمديد، هل كان لكثرة الإقبال، أم العكس؟

صحافي إيراني كان يغطي الانتخابات في العاصمة طهران شرح لـ«ساسة بوست» الأمر، شريطة عدم الكشف عن هويته لمخاوف أمنية: «شهدت بعض الدوائر الانتخابية في المدن الصغيرة، نسبة إقبال كبيرة إلى حد ما، لذلك تقرر تمديد ساعات التصويت، لكن العكس كان في طهران البالغ عدد سكانها 91 مليون نسمة، إذ جرى التمديد في بعض الدوائر الانتخابية بها، لضعف نسبة الإقبال».

انتهت عمليات الاقتراع في الساعة الحادية عشرة والنصف مساءً، وانتظر الجميع إعلان النتائج الأولية، لكن وزارة الداخلية قالت إنها ستؤجل الأمر إلى يوم السبت. وبعد إصدار المئات من التقارير والأرقام، من هنا وهناك، نشرت وكالة «فارس» للأنباء، في تقرير لها توقعًا بأن المحافظين قد فازوا بـ135 مقعدًا، بينما سيحصل الإصلاحيون على 20 مقعدًا، والمستقلون 28 مقعدًا. لكن هذه الأرقام ما تزال مجرد توقعات، ونتائج غير رسمية.

30 مقعدًا للمحافظين في العاصمة

في الانتخابات البرلمانية السابقة لعام 2016، كانت نسبة المشاركة 62%، فقد شارك حوالى 34 مليون ناخب في جميع المدن الإيرانية. في عام 2004، والتى كان يصفها الإيرانيون بأنها أقل نسبة تصويت في تاريخ الانتخابات البرلمانية، وصلت نسبة المشاركة إلى 51%. ما يجعل الانتخابات الأخيرة تتصدر القائمة بأدنى نسبة إقبال.

تتنافس العاصمة طهران على 30 مقعدًا في البرلمان، في عام 2016 فاز الإصلاحيون بجميع المقاعد الثلاثين في العاصمة بنسبة تصويت تتجاوز المليون صوت. لكن في الانتخابات الحالية، لم يستطع الإصلاحيون إعلان قائمة لخوض الانتخابات في طهران.

فبحسب السياسي الإصلاحي البارز مجيد أنصاري، قد أقدم 110 مرشح إصلاحي على تقديم أوراقهم للترشح في طهران، لم يقبل «مجلس صيانة الدستور» منهم سوى ستة فقط، ما جعل أمر تشكيل قائمة من 30 عضوًا إصلاحيًّا أمرًا مستحيلًا.

في تقرير سابق كنا قد ذكرنا الائتلافات المحافظة التي تخوض الانتخابات البرلمانية الحالية، وبالرغم من الانقسامات الداخلية بينها، فإن المعسكر المحافظ استطاع في الساعات الأخيرة توحيد صفوفه، وأعلن قائمة من 30 عضوًا للترشح في طهران. ترأس تلك القائمة أحد قادة الحرس الثوري، وعمدة بلدية طهران السابق محمد باقر قاليباف.

اكتسحت قائمة قاليباف الانتخابات في العاصمة طهران، وضمن المعسكر المحافظ 30 مقعدًا في البرلمان الجديد، يتصدر المرشحين المحافظين الثلاثين بجانب قاليباف، مصطفى مير سليم، أحد أبرز قادة «حزب المؤتلفة» الإسلامي، ووزير الثقافة والإرشاد الإسلامي في حكومة الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني. وهناك أيضًا مرتضى آقاتهراني الأمين العام لـ«جبهة بايداري» (الصمود) الإسلامية. ووفقًا لوزارة الداخلية الإيرانية، بلغت نسبة المشاركة في طهران، حوالي مليون و841 ألف ناخب، أي بنسبة 25%.

يقول الصحافي الإيراني لـ«ساسة بوست»: «في النتائج الأولية للانتخابات البرلمانية، فاز عدد من وزراء حكومة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، على قوائم المحافظين».

لكن ما يهمنا في كل هؤلاء الفائزين، هو محمد باقر قاليباف، الذي من المحتمل أن يصبح رئيس البرلمان القادم.

قاليباف.. الكثير من المناصب والكثير من الطموح السياسي أيضًا

محمد باقر قاليباف، الذي يبلغ من العمر 58 عامًا، يحاول منذ عام 2005 خوض الانتخابات الرئاسية، لكنه يفشل في كل مرة، وأخيرًا يبدو أنه على مقربة من تحقيق حلمه في رئاسة واحد من فروع السلطة الثلاثة في إيران.

ولد قاليباف في مدينة طرقبة في مشهد، انضم إلى الحرس الثوري الإيراني في سن صغيرة كأغلب قادة الصف الأول من الحرس، في عمر 22 عامًا أصبح قائدًا لفرقة نصر، وشغل هذا المنصب حتى نهاية الحرب العراقية الإيرانية في عام 1988.

Embed from Getty Images

جانب من دعاية مؤيدة لقاليباف في انتخابات الرئاسة عام 2013

تقلد قاليباف العديد من المناصب المهمة في الجمهورية الإسلامية، أصبح قائدًا للقوة الجوية التابعة للحرس الثوري الإيراني، ثم تولى مقر خاتم الأنبياء، الذراع الاقتصادية للحرس الثوري. ومن ثم أصبح قائدًا للشرطة الإيرانية في عام 2000.

عينه المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، في مجلس تشخيص مصلحة النظام منذ عام 2018، لكنه منصب لمن لا منصب له في إيران، إذ يجري تعيين كل من يُستبعد من منصب قيادي كبير، في هذا المجلس، وهذا ما يتعارض مع طبيعة قاليباف الطموحة.

في الانتخابات الرئاسية عام 2005، كان هو المرشح المحافظ الوحيد أمام أربعة مرشحين من المعسكر الإصلاحي، لكنه ظهر بمظهر غريب على كونه مرشحًا محافظًا، مما كان السبب في استبعاده من السباق الانتخابي في اللحظات الأخيرة، واستُبدل به عمدة طهران آنذاك، محمود أحمدي نجاد.

يعرف عن قاليباف أن لديه عدة استراتيجيات يجربها في كل مرة يخوض سباقًا انتخابيًّا، ففي تلك الانتخابات، حاول التحرر من الصورة الذهنية المتصورة عن كونه قائدًا عسكريًّا مواليًا للتيار المحافظ.

انتشرت صوره وهو يرتدي بدلات ونظارات شمسية باهظة الثمن، وصور أخرى ارتدى فيها زي الطيران المدني، وهو جالس في كابينة القيادة لطائرة خاصة، كان الهدف من كل تلك الأمور هو جذب أصوات الناخبين الشباب.

لكن في الوقت نفسه رفض كبار قادة التيار المحافظ تلك المظاهر الغريبة، على رجل عسكري، ومن المفترض أنه يمثل المبادئ الثورية الإيرانية، فاستُبدل به النقيض منه، محمود أحمدي نجاد بملابسه المتواضعة، وخطابه الشعبوي.

عاد قاليباف ليخوض الانتخابات الرئاسية لعام 2009، لكن المرشد الأعلى نصحه بعدم ترشيح نفسه، وكان يجب عليه الاستماع لتلك النصيحة، وبالفعل عدل عن مشاركته، ليعود مرة أخرى في الانتخابات الرئاسية لعام 2013، إذ خاض السباق الانتخابي ضمن ائتلاف محافظ مكون من غلام علي حداد، وعلي أكبر ولايتي، كان من المفترض أن ينسحب اثنان من هذا الائتلاف الثلاثي، لدعم المرشح المقرر في نهاية المطاف.

لكن الثلاثة مرشحين عن التيار المحافظ، انقسموا وهاجموا بعضهما بعضًا، واستكمل ولايتي وقاليباف الانتخابات، مما أدى إلى تشتيت الأصوات المحافظة، حصل قاليباف في تلك الانتخابات على حوالي 6 مليون صوت.

لم يتملك اليأس من قاليباف إطلاقًا، وقرر خوض الانتخابات الرئاسية لعام 2017، لكنه أدرك أن منصب الرئاسة بعيد المنال تلك المرة أيضًا، وبدلًا من خسارة كل شيء، قرر الانسحاب لصالح المرشح المحافظ إبراهيم رئيسي، وكسب ثقة المعسكر المحافظ، لعله يجد ضالته في منصب آخر.

متهم بالفساد سيحارب الفساد!

فى يوم 20 فبراير الجاري، قال محمد باقر قاليباف «إن العقوبات الأمريكية مسئولة عن 30% من الأزمات الاقتصادية في إيران، لكن الفساد وسوء الإدارة، يتسبب في 70% من مشكلات الإيرانيين».

عندما قرر قاليباف خوض السباق الانتخابي الرئاسي في عام 2017، كان يعتمد على نجاحه في إدارة بلدية طهران، التي تولى رئاستها عام 2006، ولمدة 12 عامًا. حينها كشف ياشار سلطاني الصحافي الإيراني، عن ما أطلق عليه وقتها «قضية العقارات الفلكية»، والمتورط فيها قاليباف.

اتهم سلطاني قاليباف بتورطه في عمليات بيع عقارات في مناطق حيوية في العاصمة، بأسعار زهيدة للغاية، لأعضاء مجلس مدينة طهران، وأفراد أسرته، وزوجته.

أنكر قاليباف تلك الاتهامات، وطلب البرلمان من القضاء التحقيق في الأمر، فصوت 130 نائبًا بالرفض، ولم يجر التحقيق مع قاليباف، واعتقل الصحافي ياشار سلطاني.

Embed from Getty Images

جانب من الدعاية الانتخابية لقاليباف في الانتخابات الأخيرة

في عام 2017، تعرض مبنى بلاسكو  المكون من 17 طابقًا في العاصمة طهران للحريق، وهو من أقدم المباني في إيران، ويضم العديد من المحلات التجارية، ونظرًا إلى عدم الحفاظ على الصيانة الدورية للمبنى القديم من قبل بلدية طهران، انهار المبنى بأكمله على رؤوس رجال الإطفاء. اتُّهم  قاليباف وقتها بالإهمال، وعادت قضايا الفساد المتورط فيها إلى السطح مرة ثانية، وكان من المفترض عزله من منصبه، لكن لم يصوت عدد كاف من أعضاء مجلس مدينة طهران على هذا الأمر.

ويتضح مما سبق أن الفساد الذي يمثل 70% من مشكلات إيران بحسب تصريحات قاليباف الأخيرة، هو نفسه جزء منه. فقد اتُّهم بتبديد المال العام، ونقل ملايين الدولارات من ديوان مجلس المدينة إلى شركة تجارية تابعة لزوجته، لكن كل تلك القضايا حفظت في الأدراج، ولم يحاكم قاليباف على أي منها، ومن المرجح أنه سيصبح رئيس البرلمان القادم.

المثير للدهشة في الأمر برمته، أن «مجلس صيانة الدستور»، الذي يدقق في كل ورقة تخص المرشحين، لم ير أن تورط قاليباف في قضايا الفساد السابق ذكرها، تدينه في شيء أو تمنعه من الترشح للانتخابات البرلمانية والرئاسية.

إذًا.. ما الذي تعنيه سيطرة المحافظين على البرلمان؟

لا يختلف أحد على أن الجمهورية الإيرانية الإسلامية، تمر بواحدة من أقسى الفترات منذ تأسيسها، فبعد إبرام صفقة نووية ناجحة، ظل يراهن عليها الإصلاحيون والرئيس المعتدل حسن روحاني لسنوات، صعد دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة، وأنهى هذا الحلم، بعدما سحب بلاده من الاتفاق النووي مع إيران، وأعاد فرض عقوبات اقتصادية على طهران.

لم يكتفِ ترامب بهذا الأمر فقط، بل كرست إدارته كل الجهود لتنفيذ ما أسمته بخطة أقصى قدر من الضغط على طهران، حتى تتراجع عن سياستها الإقليمية، وبرنامجها الصاروخي، وتعود للتفاوض على صفقة جديدة.

ثم أمر الرئيس الأمريكي باغتيال الرجل الثاني بعد آية الله علي خامنئي في إيران، الجنرال قاسم سليماني قائد قوة القدس التابعة للحرس الثوري، ليزيد من حدة التوترات بين البلدين.

على الجانب الآخر، وفي الداخل الإيراني؛ تعاني البلاد من أزمات اقتصادية كبيرة، بعد منع الولايات المتحدة لها من تصدير نفطها، الشريان الأساسي للاقتصاد الإيراني، فارتفعت نسبة البطالة والتضخم، وانهارت القدرة الشرائية للإيرانيين، وهبطت العملة المحلية إلى أدنى مستوياتها.

منطقة الشرق

منذ 4 شهور
احتضار بدأ مع أحمدي نجاد.. هل نشهد وفاة الحركة الإصلاحية في إيران؟

فى نهاية عام 2017، وبداية 2018، خرج الناس إلى الشوارع احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية المتأزمة، ثم عادوا للتظاهر مرة أخرى ولكن بشكل أعنف في نوفمبر الماضي، على إثر قرار الحكومة بتقنين البنزين ورفع الأسعار، وكانت تلك الاحتجاجات هي الأعنف في تاريخ إيران الحديث، إذ قابلتها قوات الأمن بحملة قمع دموية، راح ضحيتها المئات من المحتجين، واعتُقل الآلاف. وإلى الآن ترفض الحكومة الإيرانية إصدار أي بيانات رسمية لأعداد الضحايا والمعتقلين.

ثم جاءت حادثة إسقاط طائرة الركاب الأوكرانية، عن طريق «الخطأ»، من قبل الدفاعات الجوية الإيرانية، في أثناء ردِّها على اغتيال سليماني بقصف صاروخي على قاعدة عين الأسد بالعراق التي تستضيف قوات أمريكية.

ظلت المؤسسة السياسية الإيرانية تنكر تورطها في إسقاط الطائرة التي قتل جميع من كانوا على متنها، والبالغ عددهم 176 شخصًا، أغلبهم من الإيرانيين، لمدة ثلاثة أيام، قبل الاعتراف الصادم الذي دفع الإيرانيين إلى الشوارع مرة أخرى، مطالبين أعلى قيادة في البلاد، آية الله علي خامنئي بالاستقالة.

سلسلة الأحداث السابقة، كان لها تأثير كبير في قرار بعض من الإيرانيين بمقاطعة التصويت في الانتخابات البرلمانية. لكننا في الأخير، صرنا أمام واقع سيطرة التيار المحافظ على السلطة التشريعية في البلاد، وعلى الرغم من أنه ليس للبرلمان تأثير كبير في السياسة الخارجية أو النووية، التي يقررها المرشد الأعلى وحده؛ فإن تلك السيطرة المحافظة، تعد أول خطوة في إحكام قبضة المتشددين على البلاد لسنوات قادمة.

يقول سياسي إصلاحي بارز، لـ«ساسة بوست»، مفضلًا عدم الكشف عن هويته: «نتوقع تكرار أحداث عام 2004؛ فالمحافظون سوف يسيطرون على الانتخابات الرئاسية أيضًا، وإذا جاؤوا برئيس محافظ، يعني أنهم سيحددون السياسات الإيرانية، سواء الداخلية أو الخارجية، لسنوات عديدة قادمة».

بينما يرى المحلل السياسي المقيم في طهران، سعيد رجبي، أن الأمر يتوقف أيضًا على من سيفوز في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، فيقول رجبي لـ«ساسة بوست»: «إذا أعيد انتخاب ترامب، فنحن أمام فترة عصيبة، لكن إذا انتُخب رئيس ديمقراطي، فمن المتوقع أمام الأزمات الاقتصادية، ألا يغلق المحافظون الباب بكلمة أمام التفاوض مع الغرب مرة أخرى».

هل انتهى عصر الانتخابات التنافسية في إيران؟

على مر تاريخ إيران، ليست تلك هي المرة الأولى التي يُستبعد فيها فصيل سياسي لصالح آخر، فمنذ الثورة الدستورية إلى يومنا هذا، كانت هناك فترات معينة وقصيرة الأجل، سمحت بتنوع الآراء السياسية في إيران.

على سبيل المثال، ربما كانت السنة الأولى بعد تولي محمد رضا شاه بهلوي الحكم، العامين الأولين من الثورة الإيرانية، تلك هي الفترات التي عرف الناس فيها الحرية السياسية النسبية.

Embed from Getty Images

لكن المؤسسة السياسية الإيرانية ظلت متمسكة بالأجواء الديمقراطية، التي تستمد منها الشرعية، بالرغم من تضييق المجال السياسي أمام مختلف الأحزاب المعارضة لنظام الحكم، والتزمت القيادة العليا بإتاحة قدر قليل من التنافس بين الأحزاب.

بعد إعلان نسبة المشاركة القليلة في الانتخابات البرلمانية، ألقى الزعيم الأعلى الإيراني باللوم على أخبار انتشار «فيروس كورونا» في إيران، قائلًا: «هذه الدعاية السلبية حول انتشار الفيروس، أثرت في حجم المشاركة، ولم تفوت وسائل الإعلام الأجنبية أي فرصة لإثناء الناخبين الإيرانيين عن التصويت».

لكن، إن كان آية الله حامئني يصدق أن السبب في تراجع الإيرانيين عن التصويت، هي الدعاية السلبية من قبل «أعداء» البلاد، وليس يأس الشعب وغضبه من الأوضاع الحالية؛ فإنه سيجد نفسه أمام مأزق كبير؛ إذ ستكون تلك أكبر نقطة انفصال بين المؤسسة السياسية والشعب.

يقول المحلل السياسي سعيد رجبي لـ«ساسة بوست»: «لا بد أن يتدارك النظام خطورة الأمر، في الانتخابات الأخيرة كانت بمثابة تحذير من الشعب له. فإما تقديم إصلاحات وفتح الأجواء السياسية للجميع، وإما الانهيار».

عرض التعليقات
تحميل المزيد