«عميق، ومظلم وعاطفي في بعض الأحيان»، هذا هو ما يبدو عليه الإكراه أو إجبار الإنسان على الانتقام؛ فهذه الرغبة العميقة في الانتقام عبارة عن عاطفة معقدة جدًا، لدرجة أنه كان من الصعب على العلم أن يحاول شرحها، وتشريح أبعادها بشكل لا يصدق.

وعلى الرغم من الإجماع الشعبي على أن الانتقام هو أمر جيد وحلو وممتع، فإن سنوات من البحوث التجريبية أشارت إلى خلاف ذلك؛ هذه التجارب وجدت أن الانتقام نادر ما يكون مرضيًا كما كنا نتوقع، وغالبًا ما يترك الانتقام الشخص أقل سعادة على المدى الطويل.

الآن، أضاف بحث جديد من «جامعة واشنطن الأمريكية» لمسة لـ«علم الانتقام»، وأوضح أن لدينا علاقة الحب والكراهية المتعلقة بهذه الرغبة المظلمة للانتقام، هي في الواقع مجموعة مختلطة، تجعلنا نشعر بالسعادة والسوء في نفس الوقت؛ لأسباب لم نكن نتوقعها على الإطلاق.

الحلو المر

قال المؤلف الأول للدراسة، «فاد إيداه»، وهو طالب دكتوراه في «العلوم النفسية والمخ» بكلية الفنون والعلوم: إننا لاحظنا أن الناس تعبر عن كل من المشاعر الإيجابية والسلبية عن الانتقام، وهو ما يعني أن الانتقام، ليس مرًا، ولا حلوًا، ولكنه كلا الأمرين في نفس الوقت. وأضاف «نحن نحب الانتقام؛ لأننا نعاقب من خلاله الطرف المخالف، لكننا نكره الانتقام في نفس الوقت؛ لأنه يذكرنا بفعل هؤلاء الأشخاص السيئين معنا».

الدراسة التي نشرت في «مجلة علم النفس الاجتماعي التجريبي»، قدمت فهمًا أكثر دقة لكل من مزايا وعيوب الانتقام، وذلك من خلال التواصل مع باحثين من مختبر السلوك والإدراك الاجتماعي في نفس الجامعة، وعلى رأسهم مدير المختبر، والأستاذ المشارك، «آلان لامبرت»، وطالب الدراسات العليا «ستيفاني بيك».

وتستند نتائج هذه الدراسة على ثلاث تجارب، والتي طلب فيها من نحو مائتي شخص، لكل تجربة، ملء استبيانات على الإنترنت لتقييم شدة المزاج والمشاعر الناجمة عن قراءتهم لآخر الأخبار التي تظهر على حساباتهم الشخصية، وكان من بين هذه الأخبار، تلك التي وصفت مقتل «أسامة بن لادن»، زعيم تنظيم القاعدة السابق، من قبل قوات الولايات المتحدة؛ انتقامًا لهجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)2001 .

وقد صممت هذه التجارب لاستكشاف ما إذا كان الناس على حق في التفكير بأن للانتقام القدرة على إشعارهم بالسعادة، على الرغم من أن الأبحاث الأخيرة كانت تشير إلى خلاف ذلك. وقال «إيداه» إننا نتساءل عما إذا كان حدس وبديهة الناس عن الانتقام هي في الواقع أكثر دقة مما كان متوقعًا. وأضاف «لماذا يوجد مثل هذا التوقع الثقافي المشترك بأن الانتقام يشعرنا بالسعادة والرضا؟ وإذا كان الانتقام يجعلنا نشعر بالسوء، فلماذا رأينا الكثير من الناس يهتفون في شوارع العاصمة الأمريكية، «واشنطن»، ومدينة «نيويورك»، بعد الإعلان عن وفاة بن لادن؟»

رسم توضيحي 1 يجعلك الانتقام تشعر بالرضا عن النفس

التجارب والنتائج

في واحدة من التجارب الثلاث، كان المشاركون يقرؤون إما «تم تحقيق العدالة»، فيما يتعلق بالأخبار الخاصة بمقتل أسامة بن لادن، أو يقرؤون عن أخبار غير سياسية متحكم بها، تتعلق بالألعاب «الأولمبية». وبعد ذلك يجري الباحثون تقييمًا لمدى قوة مشاعر المشاركين الحالية، عبر مطابقتها مع قائمة عشوائية من 25 من الصفات المختلفة، مثل «سعيد، منفعل، راضٍ، غاضب، جنون، مستاء، أو حزين».

وعلى الرغم من أن هذا الإطار للتجربة مماثل لتلك المستخدمة في دراسة عام 2014 الخاصة بالانتقام، والتي أجراها «آلان لامبرت»، إلا أن الباحثين أجروا تعديلًا على مرحلة تحليل البيانات للتركيز على قياس حجم العاطفة، في مقابل الحالة المزاجية. الدراسة التي أجراها «لامبرت» ودراسة أخرى أجريت عام 2008 عن الانتقام، أجريت بواسطة «لات كيفن كارل سميث»، من «جامعة كولجيت»، كلاهما ركز على الحالة المزاجية، وكلاهما وجد أدلة صغيرة على أن الانتقام يساهم بشكل إيجابي مع الناس، وتجعلهم يتفاعلون بشكل إيجابي معه، لكن في المقابل، فقد أظهرت الدراستان أن الناس بدأت تشعر بالسوء، وتصبح أكثر شعورًا بالحزن، بعد تنفيذ الانتقام.

يقول إيداه إنه في حال مقتل أسامة بن لادن، فإنه كان مسؤولًا عن «فعل إرهابي بشكل واضح»، طبقًا لوصف الدراسة، وهو ما يوفر سببًا يشرح لماذا يمكن أن يكون الانتقام مصدرًا غير مباشرًا للإحساس بالمشاعر السلبية. وأضاف أن ما أظهرته دراستنا الجديدة، هو أن الطريقة التي نقيس بها المشاعر يمكن أن تكون هامة للغاية.

رسم توضيحي 2 لكنك تشعر بالحزن لاحقًا

المزاج والعاطفة

في بعض الأحيان يستخدم علماء النفس مصطلحي العاطفة والمزاج بالتبادل، كدلالة على تشابههما في المعنى، ولكن هناك اختلافات هامة بينهما، كما يتضح من نتائج الدراسة الحالية: فعادةً ما تتصل المشاعر ببعض الإثارة الواضحة والمحددة، والتي يمكن أن تكون شديدة، لكنها غالبًا ما تكون عابرة. لكن المزاجية، من ناحية أخرى، قد تنشأ تدريجيًا، وتستمر لفترة طويلة، وغالبا ما تتميز بأن شدتها منخفضة بشكل أكثر وضوحًا.

وبعبارات أخرى، فإن العاطفة تتعلق بكتلة من المشاعر المحددة والواضحة التي تنطلق داخلك بقوة وشدة كبيرة نسبيًا، فتقول إنك تشعر الآن بالحب، أو بالكرة، أو بالرغبة في الانتقام، أو بالغضب، وهكذا، بينما المزاجية تتعلق بعاطفة تنشأ تدريجيًا داخلك ، وتدوم لفترة طويلة بشدة منخفضة نسبيًا، فتقول إن مزاجك متعكر، أو مزاجك رائع، من هنا نفهم أن المزاج يتغير نتيجة تراكم أحداث ومواقف، بينما العاطفة تتغير نتيجة لحدث، غالبًا ما يكون شديدًا.

في هذه الدراسة، استخدم إيداه وزملاؤه أدوات لغوية متطورة، بالإضافة إلى وجود قائمة من أنواع المزاج القياسية؛ وذلك بهدف التفرقة والفصل بين الاختلافات في المشاعر التي يبلغ عنها المشاركون، بعد قراءة الفقرة أو الخبر المتعلق بالانتقام. وأدى هذا التحليل إلى تكرار النتائج السابقة التي كانت قد أظهرت أن قراءة الناس عن عمليات الانتقام يضعهم في مزاج أسوأ، لكن التحليل وجد أيضًا أن نفس التجربة كانت قادرة على توليد مشاعر إيجابية.

وبالتالي، فإن الانتقام يجعلك تشعر بعاطفة إيجابية، ومزاج سلبي، ولأن العاطفة تكون شديدة وقصيرة، بينما المزاج يكون منخفض التركيز وطويل المدى، فإنك عند السماع عن الانتقام تشعر بالسعادة، لكن على المدى الأكثر بعدًا تبدأ بالشعور بمشاعر الاستياء، وعدم الرضا عن النفس.

وقال إيداه إن الورقة البحثية تظهر باستمرار أن العواقب العاطفية للانتقام هي عبارة عن مجموعة مختلطة، نشعر فيها بالسعادة والحزن في نفس الوقت عندما نأخذ بالثأر من طرف آخر. وأضاف أن هذا يتعارض مع بعض الأبحاث السابقة حول هذا الموضوع، والتي أظهرت أن الانتقام هو تجربة سلبية تمامًا.

ولوضع هذه الاختبارات موضع المزيد من الاختبارات، كرر الباحثون التجربة باستخدام فقرات أخبار معينة متحكم بها؛ لتجنب الصياغة أو المحتوى الذي قد يجعل القارئ متأهبًا نحو مشاعر أو مزاج معين. على سبيل المثال: فلتجنب تحفيز مشاعر الوطنية، أزال الباحثون الأخبار المتعلقة بالألعاب الأولمبية، واستبدلوا بها أوصافًا عامة للحساسية الغذائية. أيضًا، جرى تغيير الصيغ الخاصة بخبر أسامة بن لادن، بحيث لا يشار إلى أن مقتل أسامة بن لادن جاء انتقامًا لهجمات الحادي عشر من سبتمبر.

وعلى الرغم من هذه التغييرات، ظلت هذه النتائج هي نفسها إلى حد كبير. قال إيداه «نحن نعتقد أن السبب الذي يجعل الناس قد يشعرون بالرضا عن الانتقام، هو أنه يتيح لنا الفرصة لتصحيح فعل خاطئ ارتُكب، وتنفيذ الهدف المتعلق بمعاقبة رجل سيء». وأضاف «إنه، في هذه الدراسة، وُجد أن الأمرثكيين أعربوا ـ في كثير من الأحيان ـ عن قدر كبير من الارتياح لخبر وفاة بن لادن؛ «لأننا أنهينا حياة الشخص الذي كان العقل المدبر وراء منظمة إرهابية».

عرض التعليقات
تحميل المزيد