بماذا يفكر الناس الذين يعيشون تحت الأنظمة القمعية والاستبدادية؟ ربما يمكن للشعوب العربية – بعضها على الأقل – الإجابة عن هذا السؤال، وربما تكون إجاباتهم متفرقة، لكنها ستدور حول فكرة واحدة في الغالب، النجاة. غالبًا ما سيكون الحفاظ على الذات هو أفضل ما يمكن أن يأمله الناس تحت بطش الأنظمة القمعية، خصوصًا وأنهم عاجزين عن الاعتراض على هذا النظام.

في تونس ومصر واليمن وغيرها من الدول العربية، تمكن الأفراد، بحظ مناسب وشجاعة وذكاء، من الثورة على هذا النظم. وبالفعل أطاحوا بها بغض النظر عما آلت إليه الأمور في النهاية. لكن الغريب أن هذه الثورات جاءت بعد عشرات السنوات من العيش تحت هذه السلطات الديكتاتورية، والتي ربما ترك بعضها هامشًا من الحرية كان السبب في هذه الثورات.

لكن الأمر قد يكون أكثر صعوبة في الأنظمة الاستبدادية والشمولية. هناك أمثلة لا حصر لها من الأنظمة الوحشية في الماضي والحاضر مثل نظام هتلر والقبضة الحديدية للاتحاد السوفيتي، وحاليًا هناك نظام كوريا الشمالية. كل هذا الاستبداد والظلم يثير تساؤلًا عن سبب عدم قيام الناس بالانتقام ضد حكامهم، لماذا يقبل الناس البقاء تحت هيمنة هذه الأنظمة، رغم أن التاريخ يثبت أن الشعوب دائمًا أقوى من حكامها.

تاريخ وفلسفة

منذ 11 شهر
أبرز الوسائل السلمية التي أسقطت أعتى الأنظمة العسكرية الديكتاتورية

بعض الناس يصدرون أحكامًا سريعة على أولئك الذين يتوافقون مع الأنظمة الاستبدادية بدرجة وصف هذه الشعوب بأنها تحب جلاديها وتهوى الذل، أو أنهم مختلون عقليًا ويقدسون حكامهم. نلاحظ هذه الأحكام السريعة عندما يطلق البعض النكات عن ديكتاتور كوريا الشمالية وكيف يعبده الشعب، بل إن بعض هذه الأحكام صدرت حتى في منطقتنا العربية، تارة ضد الشعوب التي لم تثر مع انطلاق ثورات الربيع العربي، وتارة بعد عودة الأنظمة القمعية من جديد لبعض الدول، دون أن يتحرك الناس ضدها كما فعلوا سابقًا.

دعنا نثير التساؤل هذا بعبارة أخرى، بدلًا من أن نسأل لماذا لا يثور الأفراد ضد أنظمتهم القمعية، يمكن أن نسأل، ما هي فرص فرد معين يعيش وسط نظام في أن يكون متمردًا بطوليًا ويرفض أن يكون متواطئًا في الحفاظ على النظام أو حتى فرضه؟ كيف يمكن لفرد أن يتحدى النظام القائم وألا يكون أداة من أدواته أو حتى ساكتًا عنه؟

في البداية.. السلوك الإنساني بين العواقب والملاءمة

طبقًا لما ذكره خبراء علم النفس، فإن السلوك الإنساني للفرد الذي يعيش في مثل هذه الأنظمة، يحكمه منطقان متكاملان رغم اختلافهما الكبير. المنطق الأول يسمى «منطق العواقب»، وهو الذي يجعلنا نفكر مثل الخبراء الاقتصاديين، فنقوم باختيار أفعالنا بعد دراسات وتحليلات. في هذه الحالة يقوم الإنسان بتقييم تكاليف ونتائج وفوائد الخيارات المتاحة في ضوء أهدافه الشخصية. بمعنى آخر نحن نبحث بهذا المنطق عن كيفية الحصول عما نريده بالوسائل المناسبة والتي تحمل الخسارة الأقل.

Embed from Getty Images

ولكن هناك أيضًا منطقًا ثانيًا، وهو «منطق الملاءمة». وفقًا لهذا، غالبًا ما تكون النتائج التي استخلصناها من خلال المنطق الأول، جيدة كانت أو سيئة، ذات أهمية ثانوية. في المقابل نحن نختار غالبًا ما يجب القيام به من خلال طرح السؤال التالي: ما الذي كان من المفترض أن يقوم به أي شخص آخر في مثل هذا الوضع الذي أنا فيه؟ بكلمات أخرى فنحن ننظر إلى الآخرين ونرى ما يقومون به، لنعتقد أن ما يجمع عليه الكثير هو بالتأكيد الأمر الصحيح.

هذا يظهر في الثورات بشكل واضح. في البداية يكون غالبية الناس ضد التحركات الثورية هذه، لأنهم يرون أن غالبية الناس حولهم لا يشاركون فيها أو يدعمونها. لكن مع مرور الوقت، ومع نجاح الثورة في حشد المزيد من المتظاهرين، يبدأ الناس في تغيير قناعاتهم والاعتقاد بصحة هذا الخيار، لأن أناسًا كثيرة بدأت توافق عليه.

البشر يحبون اتباع القواعد العامة..

حتى نفهم الفكرة أكثر، علينا أن نعرف أنه طبقًا للدراسات النفسية، فإن التفاعلات الاجتماعية البشرية تعتمد على ميلنا إلى الامتثال لما يسمى «قواعد السلوك غير المكتوبة». فمثلًا، معظمنا صادقون ومهذبون ولا يغشون عندما يلعبون لعبة الورق أو ألعاب النرد، ويتبع معظم الناس قواعد السلوك الحسن، رغم أنها قوانين غير مسجلة. بل أظهرت دراسة حديثة أننا نتفق حتى مع المعايير المتوافق عليها، وإن كانت تعسفية. كل هذه الأمور يتعامل معها البشر بشكل تلقائي وطبيعي.

يعد منطق الملاءمة فرضًا ذاتيًا يقوم به الإنسان. فنحن نرفض أو ننبذ أو نبلغ عن أشخاص يكذبون أو يغشون. وأظهرت الأبحاث ميل البشر حتى لدفع أموال إضافية في سبيل معاقبة أشخاص آخرين على عدم تعاونهم وعدم توافقهم على المعايير الموضوعة. لذلك فإن منطق الملاءمة أساسي لفهم كيف يمكننا تنظيم أنفسنا في فرق وشركات ودول بأكملها، إذ أننا نحتاج إلى أنظمة مشتركة من القواعد للتعاون. ومن السهل أن نرى أن عملية التطور التي خضع لها البشر منذ الإنسان الأول، شكلت هذا الأمر في أعماق النفس البشرية.

الأسس النفسية لهذا الأمر، تبدأ في وقت مبكر. ستلاحظ أن الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم ثلاثة أعوام سيحتجون ويعترضون في حالة انتهاك «قواعد» وقت اللعب المخصص لهم في ساحة الألعاب. ونحن نعلم جميعًا كيف يمكن أن تكون عملية الاعتراض هذه عبر الجلوس في ساحة اللعب وعدم الامتثال للأوامر أو عبر انتهاك قواعد متفق عليها ضمنيًا، مثل عدم اتساخ الملابس أو عدم رفع الصوت أو حتى تغيير السلوك.

الإنسان يميل إلى تكرار ما يفضله الآخرون

تُظهر إحدى الدراسات أن الناس يميلون إلى نسخ خيارات الآخرين، حتى عندما يعلمون أن هؤلاء الأشخاص لم يتخذوا قراراتهم بحرية، وعندما لا يعكس القرار تفضيلاتهم الفعلية. من الثابت أن الناس يميلون إلى الالتزام بالسلوكيات الشائعة بين الآخرين. هذا ما يعرف باسم «المعايير الاجتماعية».

تخيل أنك شاهدت رجلًا يسرق بنكًا، لكنه يعطي الأموال المسروقة إلى دار للأيتام. هل تتصل بالشرطة أم تترك اللص وبالتالي يمكن أن تحتفظ دار الأيتام بالمال؟ عند طرح هذا السؤال على الناس والتلميح بوجود توجه عند أناس آخرين باختيار أحد الخيارين، كان غالبية الناس يختارون ما توجه له الآخرون، حتى مع علمهم أن اختياراتهم بنيت على ظروف غير ملائمة أو تعسفية، هذا ما أظهرته الدراسة بوضوح.

ببساطة، فإن إخبار الأشخاص بأن العديد من الأشخاص الآخرين ذكروا أنهم سيقومون بالإبلاغ عن السارق زاد من ميلهم إلى اختيار الإبلاغ عن السارق. أحد التفسيرات الشائعة لهذا الأمر هو «التوافق المعياري»، وهو أنه إذا اختار أي شخص آخر فعل شيء واحد، فربما يكون من الجيد القيام به لأنه قد يكون الأمر الصحيح.

Embed from Getty Images

التفسير الشائع الآخر هو أن الإخفاق في اتباع أحد المعايير قد يؤدي إلى فرض عقوبات اجتماعية سلبية، وبالتالي نحن نلتزم بالمعايير في محاولة لتجنب ردود الفعل السلبية هذه. تدعم النتائج السابقة نظرية تسمى «نظرية التصنيف الذاتي». الفكرة الأساسية هي أن الناس يتوافقون مع معايير بعض الفئات الاجتماعية كلما كانت لديهم رغبة شخصية في الشعور بأنهم ينتمون إلى هذه المجموعة.

الأهم من ذلك، بالنسبة لنظرية التصنيف الذاتي، أنه لا يهم ما إذا كانت القاعدة تعكس تفضيل الناس، طالما أن السلوك يرتبط ببساطة بالمجموعة. وبالتالي، تشير النتائج إلى أن التصنيف الذاتي قد يلعب دورًا في الالتزام بالمعايير والقواعد العامة غير المكتوبة، وهو ما يفسر اختيارات الناس للحاكم الديكتاتور في الانتخابات بمحض إرادتهم.

الأنظمة الاستبدادية بين الجزرة والعصا

كلا المنطقين السابقين للسلوك البشري مطلوب لإنشاء نظام استبدادي والحفاظ عليه. وحتى تضمن هذه الأنظمة أننا نتخذ الخيارات الشخصية «الصحيحة»، فإن الأدوات الرئيسية للدولة القمعية هي الجزرة والعصا، بمعنى منح مكافأة في حالة السير على القواعد، والمعاقبة لمجرد التلميح بالتمرد.

لكن إذا كان منطق المكسب الشخصي (أو البقاء على قيد الحياة) هو الوحيد الحاكم لسلوك البشر، فهو وحده يوفر أساسًا هشًا للدولة القمعية. استمرار الدولة القمعية يتطلب وجود توافق من الشعب على وجوده والدفاع عنه أيضًا. من السهل أن نرى كيف يتلاءم منطق الملاءمة هنا، والذي يتحول من كونه قوة للتعاون إلى آلية لفرض الوضع الراهن القمعي. يطلب هذا المنطق أن نتبع «القواعد» ونتأكد من قيام الآخرين بذلك أيضًا، غالبًا دون الحاجة إلى التساؤل عن سبب وجود هذه القواعد من الأساس.

Embed from Getty Images

لذلك، فإن الأنظمة القمعية تقوم باستكمال المكافآت والعقوبات بقواعد وقوانين ذاتية التنظيم، أي قواعد يقوم الناس باتباعها بشكل ذاتي دون أن تكون مكتوبة. سوف يتعلم رفيق الحزب أو أحد أعضاء طائفة دينية أو جماعة إرهابية أنه من المفترض عليهم إطاعة الأوامر، واستئصال المعارضة وعدم مساءلة السلطة، بل ويفرضون هذه القواعد على زملائهم أيضًا. وبالتالي فإن الدولة الاستبدادية تشعر بالقلق قبل كل شيء من الحفاظ على الأيديولوجية، أو تحديد الطريقة «الصحيحة» للتفكير والتصرف، حتى نتمكن من الالتزام بها دون شك.

يمكن أن يساعد هذا في شرح أهوال ألمانيا النازية، وإظهار أنها ليست في الأساس مسألة شر فردي. وكما جادل الفيلسوف هانا أرندت، فإن «الفظائع التي حدثت في الهولوكوست أصبح ممكن القيام بها من قبل أناس عاديين، لأنه تم التلاعب بهم ليتوافقوا مع مجموعة غير طبيعية ومروعة من المعايير السلوكية».

كيف يتمرد المتمردون؟ ولماذا؟

طبقًا لما سبق، يبدو أن غالبيتنا ستكون أقرب للتوافق مع النظام القمعي (مع بعض الشعور بعدم الارتياح إلى حد ما)، وسنجد صعوبة في التشكيك بأن الطريقة التي تتم بها الأمور حاليًا ليست الطريقة الصحيحة والمناسبة. يمكن أن تفكر في تلك الحماسة التي يبديها الناس تجاه فرض نوعية ملابس معينة أو فرض معايير معينة لارتداء الملابس في بعض المجتمعات، أو الحظر المفروض على الألفاظ المهينة، أو القواعد الغذائية التعسفية التي يمكن تطبيقها على بعض المجتمعات والدول، والتي تشير إلى اقتناع الناس بأن هذه القواعد هي الصح.

في الواقع، قد نشعر بـ«الالتزام الأخلاقي» لحماية الحزب أو الأمة أو الدين، أيًا كان طابعه. ومع ذلك، فإن عددًا صغيرًا منا سيثور لكن ليس بشكل أساسي، استنادًا إلى الاختلافات في الشخصية الأخلاقية الفردية. يحتاج المتمردون، أيضًا، إلى تسخير «منطق الملاءمة»، فهم بحاجة إلى إيجاد قواعد ومثل مختلفة، ومشاركتها مع زملائهم في المقاومة، والتي ربما تكون مستوحاة من التاريخ أو الأدب. يتطلب الخروج عن مجموعة واحدة من المعايير أن يكون لدينا بديل متاح.

إعلام

منذ شهرين
كیف یجري التلاعب بالشعوب والأنظمة؟ 14 أسلوبًا لتغییر الرأي العام

بعض الأشخاص قد يكون لديهم شخصيات غير متوافقة مع الواقع المفروض بشكل طبيعي أكثر من الآخرين، على الأقل في بعض فترات حياتهم. ومع ذلك، فإن نجاح مثل هؤلاء المتمردين في الخروج، قد يعتمد جزئيًا على مدى الإقناع الذي يمكنهم به تبريره لأنفسهم، ويعتمد أيضًا على الآخرين الذين لا يريدون التوافق مع النظام القائم.

إذا كان الأمر كذلك، فإننا نتوقع أن يكون هناك ميل لاعتماد معايير غير قياسية ترتبط بالمهارة اللغوية وربما ذكاء كبير في الأفراد الذين يثورون بالفعل، وهو ما تدعمه بعض الأدلة. أضف إلى هذا أن رد فعلنا على الظلم قد يؤثر أيضًا على ميلنا إلى التمرد. وجدت إحدى الدراسات أن الأشخاص الذين ينفرون من المخاطر ويثقون في الآخرين بسهولة هم أقل احتمالية للرد بقوة على الظلم، وبالتالي هم أكثر عرضة للتوافق ومسايرة النظام.

عامل آخر هو الظروف الاجتماعية. كانت الطبقات العليا والمتوسطة في ألمانيا خلال العشرينيات والأربعينيات من القرن العشرين أكثر عرضة للانضمام إلى الحزب النازي تقريبًا مقارنة بالذين يتمتعون بمكانة اجتماعية أقل. لذلك قد يكون أولئك الذين لديهم أكثر ما يخسرونه أو أولئك الحريصون على صعود السلم الاجتماعي هم الأكثر مسايرة وتوافقًا بل ودفاعًا عن النظام. وبالطبع، إذا كان الأعضاء الآخرون في دائرتك الاجتماعية متوافقون مع النظام، فقد تعتقد أنه الشيء «المناسب» الذي يجب القيام به.

قليلون سوف يقاتلون الحاكم الاستبدادي بعد تقييم العواقب بعناية، لأنه بالطبع ستكون النتيجة الأكثر احتمالًا أمامهم هي الفشل والإبادة. أحد أبرز الدوافع التي تحرك القتال ضد مجتمع قمعي إلى الأمام، هو وجود رؤية منافسة، رؤية للمساواة والحرية والعدالة، والشعور بأن هذه الأمور يجب الدفاع عنها، مهما كانت النتائج.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد