576

بالرغم من كل ما قيل ويقال عن ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، فإنها تظل من أعظم احداث هذا القرن السياسية في العالم العربي، وربما في ما هو أبعد منه. ليس هناك حدث يضاهي في زخمه وقوة تأثيره حجم الثورة المصرية العظيمة. فقد نجح ذلك التدفق الجماهيري الهائل على ميدان التحرير وسائر ميادين مصر الكبرى في فرض تنحي مبارك بعد طول عناد.

حينما تمكن التونسيون من إسقاط راس نظامهم يوم 14 يناير، تملك أشقاؤهم المصريون شعور عارم بالابتهاج للتخلص من حاكم عربي مستبد، وحرقة على بقائهم تحت حكم حسني مبارك منذ 1981.

وقد تمكنت وسائل الإعلام الاجتماعي والفضائيات من نقل ما كان يجري في تونس بسرعة البرق، وأدخلت حدث الثورة إلى كل بيت عربي؛ لتهز استقرارًا زائفًا قائمًا على قوة البطش والقهر.

وإذا كانت الثورة التونسية قد انطلقت من مدن العمق بصورة عفوية، ثم تحركت تدريجيًا إلى  صفاقس، ثاني مدن البلاد، ومنها إلى العاصمة تونس، فإنها ولدت في مصر بقلب القاهرة، وكانت بالغة الحضور والكثافة في ميدان التحرير، ومنها امتدت إلى بقية المدن المصرية الكبرى التي صنعت بدورها ميادين تحريرها من الإسكندرية إلى الجيزة.
وخلافًا للثورة التونسية التي بدأت بمطالب اجتماعية تتعلق بالتنمية والتشغيل، ثم أخذت تدريجيًا طابعًا سياسيًا أفرز شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، فإنها في مصر ولدت منذ بدايتها مسكونة بمطالب سياسية واضحة، ومن ثم انطلقت من حيث انتهت ثورة تونس.

كان  شباب مصر المتعلم والواعي، الذي انضمت إليه القوى السياسبة لاحقًا، بمثابة الوقود المحرك لثورة 25 يناير؛ إذ جمع بين قوة التصميم، وقدر عال من التسييس. وبالرغم من محاولات رجال مبارك والمجلس العسكري تقسيم صفه وتشتيته من خلال فتح قنوات حوار مخاتلة، بالتوازي مع استخدام العنف والترويع لفض اعتصام ميدان التحرير، إلا أنه حافظ على تماسكه ووحدة هدفه: «رحيل نظام مبارك».

وكانت أشهر المنازلات التي استبسل فيها شباب مصر وصمد، تلك المعروفة بـ«موقعة الجمل»، حيث أطلق مبارك جيشًا من البلطجية الهمج، وهم يمتطون الجمال، ويحملون السيوف والعصي لتفريق المعتصمين، ولكنه فشل في تحقيق مراميه، وبقي الشباب متجلدًا مرابطًا إلى أن وصل لمبتغاه بتلاوة  عمر سليمان، نائب رئيس الجمهورية ورئيس جهاز المخابرات سابقًا، بيانه الشهير معلنًا «أن الرئيس محمد حسني مبارك قرر التنحي عن السلطة».

الحقيقة ان الانقلاب على الثورة المصرية بدأ منذ اليوم الأول للثورة نفسها، عبر ترويج مقولة مضللة مفادها «أنها ثورة الجيش والشعب معًا»، ثم بتولي المجلس العسكري المرحلة الانتقالية مباشرة بعد إزاحة مبارك.

وحتى حينما اضطر الجيش للذهاب للانتخابات في شهر مايو (أيار) 2012، تبين أن الأمر مجرد توزيع تكتيكي للسلطة داخل منظومة الحكم القديمة،  أتاح لـ«العساكر» أن يحكموا قبضتهم على كل مفاصل الحكم، حتى وإن اضطروا للتواري حينًا في الصفوف الخلفية.

بل إن الجيش المصري نظر لثورة 25 يناير باعتبارها فرصة ذهبية لإعادة التموقع بعد التخلص من رأس النظام الذي بات عبئًا عليه.

وفِي الوقت الذي كان من المفترض أن تمضي القوى السياسية والثورية في توحيد جبهتها الداخلية لضمان نقل السلطة إلى المدنيين وعودة العساكر إلى ثكناتهم، انشغلت بالصراع على الحكم واستنزفت طاقتها في لعبة الاصطفاف الانتخابي.

وازداد الأمر تعقيدًا في ظل الاستقطاب الحاد بين الإسلاميين والعلمانيين، واتساع الهوة بين الشباب الثوري والقوة الإسلامية التقليدية، ممثلة في الإخوان المسلمين.

لم يكن الذهاب للانتخابات خطأ في حد ذاته، لكن التوجه إليها تحت وصاية العساكر وضمن المربع الذي رسمه الجيش، مع مشاحنات السياسيين وتطاحنهم، أصاب ثورة مصر في مقتل. وقد تبين فيما بعد أن الحبل الذي أرخاه الجيش بعض الشيء  تحت ضغط الشارع الثائر والزخم الجماهيري الهائل أخذ يشده تدريجيًا؛ إلى أن أحكم الخناق على الثورة كليًا بانقلاب مكتمل الأركان نفذه يوم 3 يوليو (تموز) 2013.

ولم يكن هذا الانقلاب، إلا امتدادًا تراكميًا للانقلاب المصغر الذي تحقق بإعلان المجلس العسكري توليه مقاليد الحكم بعد إزاحة مبارك.

اليوم وقد طوقت الثورة المضادة ثورة 25 يناير، وطمست معالمها، وحاصرت الشعب المصري بآلة متوحشة يقودها عسكري «جلف»، نسأل: ما الذي بقي حيّا من ثورة 25 يناير؟ وهل صحيح أن ما سميت زورًا بثورة 30 يونيو (حزيران)، قد جبت ثورة 25 يناير إلى غير رجعة؟

المتأمل في المشهد المصري، يصعق للصورة القاتمة التي تطالعه من كل جانب، فتبدو حقبة مبارك أشبه بعصر ذهبي مفقود. ومع ذلك فإن ثورة 25 يناير لا زالت حية متقدة في وجدان قطاعات واسعة من المصريين الذين جربوا الحرية، وخبروا قدرتهم على تخطي حاجز الخوف والرهبة، وأدركوا أنهم قادرون على قلب المعادلة على مستبد كانوا يحسبونه فرعونًا جديدًا؛ فتبين أنه محض نمر من ورق.

صحيح أن الأمور قد انتكست إلى حد بعيد، لكن على صعيد الوعي الفردي والجماعي، لم يعد من الممكن الرجوع إلى المربع الأول، فقد أدخلت ثورة 25 يناير ديناميكية جديدة في الواقع المصري والعربي، بالرغم من شراسة المقاومة من الجيش والقوى المضادة للثورة. وآجلا أو عاجلًا سيترجم هذا الوعي السياسي الجديد، وهذه الجرأة على الديكتاتورية إلى فعل واقعي على الميدان.

لن تستطيع الثورة المضادة، مهما بلغت من شراسة وقدرة على التضليل، تعطيل ضرورات التاريخ. لقد توقفت ثورة 25 يناير في منتصف الطريق، مذ قبلت بكذبة «الجيش والشعب إيد واحدة»، وبات الجميع  اليوم يدرك أن لا مفر من استكمال الحلقة المفقودة: «تسليم السلطة لقوى مدنية تعبر عن إرادة الشعب، وعودة الجيش إلى ثكناته». ولن يستطيع انقلاب 3 يونيو، مهما بطش وتجبر وأسال من دماء، إيقاف هذه الوجهة المستقبلية لمصر، وكل العالم العربي.

تعليقات الفيسبوك