ينظر البعض إلى “النظرية التطوريّة” التي طرأت على البيولوجيا في منتصف القرن التاسع عشر على أنها مجرد نظرية تبحث عن أصول الأنواع وتتناول العلاقات التطوريّة بين الأحياء، لكن العلماء والباحثين في علوم النفس والاجتماع والاقتصاد والفلسفة وحتى في الذكاء الصناعي وعلوم الحاسوب لديهم رأي آخر، حيث شكّلت النظرية التطورية ثورة على صعيد “المفاهيم” ارتدت آثارها في جميع الفكر الحديث ودخلت في تفاصيل حياتنا نحن المنتمين للإنسان المعاصر.

والتالي عيّنة صغيرة من الآثار والتطبيقات التطورية الجاري العمل عليها في الوقت الحاضر.

البحث عن آباء الأنواع

يصف أحد المتخصصين بالبيولوجيا التطورية مجال عمله مازحًا: “لماذا لا يستطيع البقر مشاركتنا لعب التنس! أي: لماذا تختلف قوائمها عن أطرافنا بهذا الشكل؟ نبحث على الدوام عن أجوبة لأسئلة مماثلة في البيولوجيا التطورية“.

ما تزال المهمة الرئيسية للبيولوجيا التطورية تكمن في: معرفة سبب التنوع الهائل بين الأحياء على الأرض, وإيجاد الأنماط الخفية بين الأنواع والتي تنمّ عن تقاربٍ تواجَدَ في عصور قديمة بين أنواع أحيائية تبدو الآن في قمة الاختلاف والتباين.

الأمر يشابه ملاحقة قصة تاريخية ليس لديك إلا الفصل الأخير منها وأنتَ تحاولُ بكل خبرتك الاستقصائية معرفة الفصول الأولى المبكّرة من خلال معرفة أنسباء الكائنات الحية الموجودة الآن.

وإذا كان أول ما يقفز للذهن عادة عند ذكر نظرية التطوّر هو “انحدار الإنسان من القرد”، فإنه بالإضافة إلى عدم دقّة هذه الجملة، هذا الأمر ليس أغرب ما جاءت به النظرية التطورية، فلقد استمرت باستنتاج ترابطات غير متوقعة تمامًا بين أنواع أحيائية تبدو بعيدة جدًا عن بعضها للـ”حسّ البشري القريب”، من قبيل:

 صورة تخيليّة للـأركيوپتركس/المجنّح العتيق، وهو أقدم الطيور المعروفة على الإطلاق.

الطيور تنحدر من الديناصورات

حتى عهد قريب شكّلت الطيور لغزًا كبيرًا بالنسبة للبيولوجيين، حيث أنها تختلف إلى حد مثير عن المخلوقات الحية الأخرى جميعها، ولديها أجزاء في ملامحها الهيكلية لا يشاركها بها أيّ حيوان آخر، من مثل المنقار الخالي من الأسنان- العظام الجوفاء- الأقدام الجاثمة وغيرها، ويزداد الأمر صعوبة حين تفكّر بطريقة تطويرها لريشِها وطيرانها.

ومع أن “توماس هكسلي” طرح فكرة وجود علاقة تطورية بين الديناصورات والعصافير منذ القرن التاسع عشر، لكن لم يكن العلماء لأكثر من قرن بعدها على استعداد لقبول هذه النظرية، وهكذا استمر الأمر حتى ستينات القرن الماضي حين أعاد “أوستروم” إحياء الفكرة بقوة، وفتح بابًا للجدل التفصيليّ استمر ليومنا هذا.

[هل تناولت ديناصورات لذيذة مؤخرًا؟ لدينا طبق مميز في الداخل]

لافتة عُلّقِت على أحد المطاعم

تجمع البحوث الأخيرة على أن الطيور لم “تنحدر” من الديناصورات وحسب، بل هي بالفعل نوع من الديناصورات، بصياغة أخرى: كما نُعدّ البشر من الثدييات فإن الطيور ليست إلا نوعًا من أنواع الزواحف، وبشكل أدقّ هي ديناصورات ثيروپودية لاحمة صغيرة، قصيرة الذيل وذات ريش، وهيَ المجموعة الوحيدة من الديناصورات التي تمكنت من النجاة من الإبادة التي حصلت قبل 65 مليون عام.

 مستحاثة  أركيوپتركس وجدت في طبقات الدور الجوراسي، أي تعود لـما قبل 150 مليون سنة، ويتميز بوجود صفات من الزواحف والطيور.

تطبيقات

 

المثال أعلاه ليس إلا مثالًا واحدًا من كمّ هائل من بحوث تحاول إيجاد العلاقات التطورية الخفيّة والكامنة بين الأنواع، ومع أنه مجال دراسة نظرية بحتة لكن كل اكتشاف صغير يفتح بابًا لتطبيقات كثيرة بعده.

والطموحات الثورية الأكبر في هذا المجال تكمن في عكس عملية التطور إلى الوراء، وإعادة بعض الحيوانات إلى جذورها، على الأقل على مستوى صغير، وآخر ما تحقق في هذا المجال:

تلاعب في البروتينات لخلايا جنينية للدجاج لعكس العملية التطورية: حيث تدل البحوث أن العظام الصغيرة الموجودة بالقرب من الجزء الأمامي للفكّ تطوّرت عبر آلاف السنين لتغدو منقارًا لدى الطيور.

وأصدر علماء في جامعة “ييل” بيانًا صحفيا في بداية الشهر الجاري، وضحوا فيه أنهم قاموا بـإطلاق مثبطات كيماوية لتثبّط عمل البروتينات المسؤولة عن عملية تشكيل “المنقار”، ما أوجد في النهاية دجاجًا لديه زوج من العظام الأمامية غير المزدوجة عوضًا عن المنقار، وهو أقرب شكل لـ”خطم” سلِفها الديناصور.

دمج جينات “الماموث الصوفي” المنقرض مع “الفيل الآسيوي”: وذلك عبر دمج قطع صغيرة من عينات الـDNA المتبقية من حيوان “الماموث الصوفي” المنقرض منذ آلاف السنين مع جينات أقرب الحيوانات إليه وهو “الفيل الآسيوي”، لإعادة الجينات المقاومة للبرد التي كان يمتلكها الماموث، على أمل القدرة على إعادة إحياء الماموث نفسه في المستقبل البعيد، والتخطيط لإعادة حيوان منقرض يعدّ طموحا ثوريّا جدًا للوقت الحاضر.

 الهيكل العظمي لحيوان “الماموث الصوفي” المنقرض, والذي تواجد في العصر الجليدي

الميمز، أو علم التطور الثقافي

 

حدثت قفزة تطورية مميزة في علم الاجتماع بدخول النظرية التطورية فيه، وأوصلته بالنهاية إلى فكرة الـ”MEMES”.

والـ”ـMeme/ميمة” هي وحدة فكرية أو ثقافية أو معرفية تنتشر ثقافيًّا عبر التناسخ من عقل إلى آخر، وبذلك يكون عقل الإنسان هو “المعيل” لها، وهي تؤثر على معيلها، ويمكن للميمات أن تتواجد بأي شكل ثقافي، ربما نكتة أو بيت شعر أو معلومة علمية أو فكرة منطوقة أو نمط سلوكي معين أو قصة… إلخ.

الميمات في هذه النظرية الاجتماعية تقابل الجينات في علم الأحياء، وميمات الأفكار مثل الجينات يمكن لها أن تتناسخ وتنشر نفسها، وينطبق على “الميمات” كل ما ينطبق على الجينات بالمفهوم التطوري: التناسخ، التكاثر، الانتقاء الطبيعي، الانقراض، الطفرات… إلخ.

 صورة: ريتشارد دوكينز العالم البيولوجي الشهير، مبتكر كلمة الـ”meme”

 

النتائج: يمكن للباحث الاجتماعي أن يفهم الكثير عن السيرورات الثقافية لكل مجتمع وتباين الثقافات  بالتعامل مع الثقافات على أنها مجموعة “ميمات” فكرية هائلة تطورت مع الزمن وتفاعلت مع بعضها البعض لتصل إلى الأفكار “الأصلح للبقاء” لكل جماعة بشرية.

وباستخدام المنهج البيولوجي التطوري فإن: – فكرة “النسبيّة” الهائلة التي أتى بها عالم الفيزياء آينشتاين في أول القرن الماضي هي “طفرة نافعة”، استنسخت نفسها بقوة عبر الزمن الحاضر مؤدية لـ”تنحي” الميمات/الأفكار السابقة لها أو “انقراضها” تماما.

– النكتة التي تحمل بعدًا جنسيًا في داخلها هي نكتة مرشّحة جدًا لإعادة استنساخ نفسها باستمرار، وتناقلها من دماغ بشري إلى آخر، لأنها تحمل بداخلها بذور انتقالها، أي أنها تمسّ دافعًا عند “معيليها” من العقول البشرية لجعلهم يعيدون نقلها إلى إنسان آخر، يماثل ذلك أيضًا ميمات “الإشاعات”، وأيضا صور الـMEMES التي انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعية بكثرة وبكل اللغات.

بشكل عام تعامل عالم الأحياء ريتشارد دوكينز بجدية شديدة مع المسألة، لأن هذه الـ”ـميمـ”ات يمكن لها أن تكون فعّالة جدا ومنتشرة عبر الثقافات أو عابرة للزمن، وتطوّر نفسها باستمرار، يمكن لبعض الأفكار أن تغزو عقول أمم أو أزمانًا بحالِها ويكون لها سلوك “الفيروس”، حيث تغيّر بطبيعة معيلها “العقل” بطريقة تجعله يحتفظ بها ويغلق نفسه عن تلقّي ميمات جديدة بالإضافة إلى استخدامه لنشرِ نفسها باستمرار إلى “معيلين” آخرين.

نموذج من الـ«ميمز» المنتشرة بالإنترنت

علم التطور النفسي، العواطف والأخلاق:

تلقّف المجتمع الفلسفي والثقافي نظرية التطور بشكل سيء لمدة طويلة, حيث اختصرَ الفيلسوف سبنسر فكرة التطور بعبارة “البقاء للأصلح”, واستمر تدوير هذه العبارة بين المهتمين بالنظرية سلبًا أو إيجابًا لتصبح “البقاء للأقوى”, وتغدو النظرية في النهاية سلاحًا في يد مؤيدي الفلسفات العنصريّة بأشكالها, كما أن الناس تميل عمومًا إلى التفكير في التطور بكونه “صراع تنافس شرس” ينجح فيه “الأنانيون” الأكثر دهاءً, لكن الأمر ليس كذلك.

تقترح البيولوجيا التطورية أن “التعاون” و”الغيريّة” أحد العوامل التطورية الرئيسية, وتميل الأنواع البيولوجية إلى اكتساب المزيد من العواطف و”الأخلاق” طرديًا مع تطور ورقيّ النوع, لأن الانتقاء الطبيعي يبارك النزوع إلى “الإيثار- الغيريّة” والتعاون المتناغم في المجموعات الاجتماعية, ويأخذ بعين الاعتبار المجموعة الاجتماعية بتمامها، وليس الفرد وحده، هدفا للانتقاء.

ومن نتائج ذلك اصطفاء “الهوموسابين” وهي الجماعة البشرية التي ننتمي نحن لها الآن على جماعات “النياندرتال” وهو الإنسان الذي سبق وجودنا بآلاف السنين ولم يكن لديه ميزاتنا النفسية والاجتماعية التعاونية.

ويعدّ الكائن البشري المخلوق الأكثر تأثيرًا وسيادة على هذا الكوكب لقدرته على إنجاز الأعمال الضخمة بشكل متعاون, من قبيل فهم أعماق المحيطات واستكشاف الفضاء الخارجي وقيام “تبادليّة اقتصادية” على مستوى واسع ومركز وغيرها من نقاط قوة بشرية حدثت تحديدًا لأن البشر هم النوع البيولوجي “الأكثر تعاونًا”, أو “متعاونون فائقون”.

ويُعدّ هذا المفهوم البيولوجي الحديث من أهمّ التطورات الثورية التي طرأت في الفكر الحديث وارتدّت آثارها في علم النفس والفلسفة وعلم الاقتصاد السلوكي, وتُعتبر طريقة سير عمل موقع الـ”ويكيبيديا” من الأمثلة البارزة على نجاح فكرة “الغيريّة” لدى النوع البشري.

فيديو يظهر خاصية «التعاون» لدى القرود

الخوارزميات التطورية في الذكاء الصناعي

بدأت فكرة “الحوسبة التطورية” على يد العالم “فريزر” في عام 1957م حين قدّم فكرة “الخوارزميات الجينيّة” وتطورت الحوسبة التطورية  بشكل كبير من حينها.

تكمن الفكرة الرئيسية في استنساخ مفاهيم التطور البيولوجية ومحاكاتها والاستعانة بها في علوم الحاسوب, ومن ذلك مفهوما “الانتقاء الطبيعي” و”البقاء للأفضل” و”الاستنساخ” و”الطفرات” وغيرها, لتحقيق قدرة أكبر على “التكيّف” و”التنظيم الذاتي” في منظومات الذكاء الصناعي.

وبذلك فإن المسألة التي تريد معالجتها بخوارزمية تطورية عوضًا عن خوارزمية كلاسيكية, ستخضع لعملية “تطور”, بمعنى أنها ستبدأ بمجموعة من الحلول الأولية والتي ستُجرى عليها تغيّرات على طريقة “الطفرات” و”اختلاط الجينات”, ليترشّح منها جيل تالٍ يُعَاود تطبيق تلك الإجراءات عليه, وهكذا إلى أن تصل المسألة إلى “أفضل حلولها” أو “خياراتها” الممكنة.

ومن أبرز تطبيقات الحوسبة التطورية: البرمجة التطورية المستخدمة في التعليم الإلكتروني, الروبوتات التطورية التي تساعد على التعرّف على الشبكات العصبية البيولوجية.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد