ثورة ديمقراطية أم انقلاب؟ دليلك لفهم ما يحدث في بوليفيا الآن

فجأة صدر قرار بوقف عملية فرز الأصوات. طال القرار لمدةٍ تُقارب اليوم ثم ظهرت النتائج. الاختلاف أنّه قبل القرار كان الفارق بين المتنافسين أقل من 10%، ما يعني اللجوء لجولة الإعادة. لكن بعد العودة من التوقف أصبح الرئيس في بوليفيا «إيفو موراليس» متفوقًا على خصمه «كارلوس ميسا» بفارق كبير.

تلك الفجوة الزمنية أثارت الشكوك حول نزاهة العملية الانتخابية. اشتعلت الاحتجاجات منذ 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2019. موراليس أعلن أنّه سيدعو لجولة إعادة إذا ثبت التزوير، بينما الوصيف ميسا دعا أنصاره إلى الاستمرار في الاحتشاد. البداية كانت سلميةً، لكن فجأةً أخذت الأمور منحنى شديد الخطورة.

عام 2009 أقرّت المادة 168 من دستور بوليفيا بجواز ترشح الرئيس ونائبه للانتخابات مرةً واحدةً فقط، يعني تحديد عدد المدد الرئاسية بمدتيّن فقط.  الحزب الحاكم حاول قدر استطاعته أن يُغيّر تلك المادة عام 2015. ونجحوا بالفعل في تمرير القانون عبر المجالس النيابيّة ليُوضع بين يدي الشعب. كان موراليس شديد التفاؤل أن الشعب سيقبل تلك الإصلاحات بنسبة لا تقل عن 70%. لكن فضيحةً للفساد قلبت الموازين، إذ كشف أحد الصحافيين عن علاقةً تجمع بين الرئيس وصديقة سابقة تُدعى غابرييلا زاباتا. زاباتا تتولى إدارة الشركة الصينية الهندسية التي وقعت عقودًا بـ576 مليون دولار مع الحكومة. ما يثير تساؤلات حول استغلال النفوذ.

نتيجة لما سبق في 21 فبراير (شباط) 2016 رفض الشعب هذا المُقترح بنسبة 51%. ما وضع موراليس الذي يرى نفسه أبرز رموز الاشتراكية في القرن الحادي والعشرين أمام خط نهاية لمدد حُكمه الثلاث، فقد حكم البلاد مدةً عام 2006 قبل إقرار قانون 2009، ثم المدتين بعده على اعتبار أنّه لا يمكن تطبيق القانون بأثر رجعي، لكن كيف إذن ترّشح موراليس، أول رئيس من السكان الأصليين، للجولة الرابعة في 2019؟

المحكمة العليا هى من منحته الإذن. إذ حكمت بعد ما يُقارب العام بأحقية موراليس في الترشح لولاية رابعة. دليلها في ذلك الحكم أن المناصب العامة، إجمالًا، لا يجب أن يكون لها حد زمني. والرئاسة منصب عام بطبيعته، لذا صار من حق موراليس الترشح للمُدّة الرابعة.

نيران الغضب تشتعل ولن تخمد

لكن تقريرًا مؤلفًا من 190 صفحة أعدّته المعارضة جعل الاحتجاجات تنتقل من الشك في التزوير إلى اليقين في حدوثه. وأرسلت ذلك التقرير إلى العديد من المنظمّات العالمية طلبًا للدعم والتعاون. من تلك الحُجج أن موراليس يزعم حصوله على عدد أصوات يفوق عدد الأصوات الصحيحة بالكامل.

الأحداث بدأت ساخنةً إثر عثور بعض سكان المناطق على مواد انتخابية، مثل أوراق انتخابات وأحبار وغيرها في أيدي أشخاص عاديين موالين لموراليس، ليسوا مشاركين بأي صورة في إدارة العملية الانتخابية. في أحياء سوبوكاتشي، وميرافلوريز السكنية في لاباز وُجدت بعض تلك المواد أيضًا. الصادم أن رد فعل الشرطة جاء لحماية من يحملون المواد. فأطلقت الشرطة قنابل الغاز المُسيل للدموع ضد السكان من أجل السماح لحاملي المواد بالهرب. بعد تلك الأحداث طالب الأهالي بتعليق دراسة أولادهم حتى تستقر الأمور.

طالت نيران الغضب مقر الحملة الانتخابية في سوكري، ثم امتدت حتى صناديق الاقتراع ومقار اللجان الانتخابية، وانتهت بإشعال النار في المحكمة الانتخابية وما جاورها من منازل. نادت النيرانُ بعضها، وأيقظ الغضبُ الجميع، فاندفع أنصار المُرشح المعارض في حملات اعتراض وتدمير. حتى صارت مواجهةً بين المؤيدين والمعارضين على مرأى من الشرطة، وحين تتدخل فإنها تفعل لإطلاق الغاز المسيل للدموع على المعارضين. الاحتجاجات دفعت بقية المحاكم الانتخابية ومراكز الفرز غير المُنتهية لتعطيل عملها. وهاجم المعترضون حكام المُدن الموالين لموراليس، وخُرّبت الممتلكات العامة.

بوتوسي.. المدينة التي أمدّت أوروبا بكنوز الفضة وعاشت في الفقر

حُطّم تمثال لـ«هوجو تشافيز» رئيس فنزويلا السابق وصديق موراليس. استقيظ عُمدة ريبرالتا ليجد رأسه أمام عتبة منزله. حركةٌ رآها المؤيدون إشارة لاستخدام العنف، فأعلنوا أنّهم سيتخدمونه أيضًا. هروبًا من احتمالات العنف المتصاعد قررت المحاكم الانتخابية إتمام عمليات فرز الأصوات في 24 أكتوبر 2019 في أماكن غير المُعلن عنها. فتمت إحدى العمليات في قاعة اجتماعات شركة الزجاج العامة في بوليفيا. وأنهت محكمة «بوتسي» عملية الفرز دون أن تُخطر مندوبي الأحزاب المعارضة.

الأمر دفع العديد من دول أمريكا اللاتينية إلى الاصطفاف مع المعارضة والمطالبة بجولة إعادة مهما كانت النتائج. وافقتهم الرأي الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، ما جعل المتظاهرين يملأون الشوارع رافعين شعارات «لسنا كوبا أو فنزويلا»، «يجب احترامنا». الشعور بالإهانة تعمّق بعد أن أعلنت الحكومة سقوط الضحية الأولى، كما أعلنت أن عملية مراجعة الأصوات سوف تستغرق 12 يومًا على الأقل. وبعدها سيدعو موراليس إلى جولة إعادة إذا أعلنت التقارير وجود شبهات تزوير.

سحل المسؤولين في الشوارع.. والشرطة تعلن العصيان

خامس أكبر دول أمريكا اللاتينية مساحةً بعد البرازيل، والأرجنتين، وبيرو، وكولومبيا باتت متأهبةً لتبادل الاتهامات والقتال. يوم الاثنين الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 تعرّضت طائرته لحادث أثناء إقلاعها من قرية في جبال الإنديز. ترنحت الطائرة في الهواء قبل أن يستطيع قائدها التحكم بها والهبوط اضطراريًّا. التحقيقات قالت إن عطلًا في مروحة الذيل هو السبب. لكنّ أنصاره اعتبروا الأمر هجومًا إرهابيًّا.

حالة الاحتقان دفعت المظاهرات إلى الخروج عن إطاراها أكثر من مرة. كما حدث مع عمدة إحدى قرى بوليفيا، باتريسيا آرس، من الحركة الاشتراكية الحاكمة. دفعها المتظاهرون للخروج إلى الشارع بإحراق مكتبها ومحاصرة أبوابه الخلفية، ما أفشل أي محاولة منها للهرب. المتظاهرون سَحلوها في الشوارع حافية القدمين، ولطّخوا جسدها بطلاء أحمر اللون، كما قصّوا شعرها بالقوة. المتظاهرون قالوا إن ذلك انتقامًا لاثنين من رفاقهم قُتلوا على يد قوات باتريسيا. لكن لم يثبت حتى الآن سوى مقتل واحد فقط.

التطور الأبرز في الأحداث كان انضمام عناصر من الشرطة إلى المتظاهرين. ثلاث مدن مختلفة تزامن فيها انتقال الشرطة من صفوف النظام إلى صفوف المعارضة، الأمر الذي وصفه موراليس بالانقلاب، وأعلن أنه لن يستجيب بالاستقالة. أقسى الانشقاقات كانت من قوات الشرطة المسؤولة عن حماية القصر الرئاسي. انسحبت القوات وتركت المجال مفتوحًا للمتظاهرين لدخول القصر. لم يكن موراليس موجودًا فيه، وجرى نقل مسؤولي القصر إلى أماكن أخرى في العاصمة. اقتحام القصر تزامن مع اقتحام أشد نوعيةً وخطورةً، السيطرة على وسيلتيّ إعلام مملوكتين للدولة هما تلفزيون «بوليفيا»، وإذاعة «باتريا نويفا».

لكن على الجهة الأخرى على مدى الأسابيع الأولى أعلنت وزراة الدفاع ولاءها للرئيس، كما دعت المعارضة لضبط النفس. وفي كلٍ أعلن وزير الدفاع ووزير الداخلية ورئيس الدولة أنّه لن يستخدم الجيش لقمع المعارضين. إلا أنّ الوضع تغيّر في العاشر من نوفمبر 2019 حين طالب الجنرال وليامز كاليمان الرئيس بالاستقالة من أجل صالح بوليفيا، وقد كان.

تجنب موراليس التلويح بورقة نزول الجيش، ثم استجابته السريعة لقراره خطوة مهمة على عكس العديد من القادة الذين دائمًا ما يستدعون الجيش عند أول خلاف مع الشعب. لكن لا يبدو أن الشعب منبهر منها، والواقع أن المظاهرات ضد موراليس من أجل الديموقراطية ليست من أجل الاقتصاد كما يبدو. لقد حقق موراليس طفرةً اقتصاديةً ملحوظةً لعموم الشعب البوليفي. فقد تفاض مع شركات توريد الغاز والتعدين المصدر الرئيسي لدخل البلاد القومي، ونجح في إدخال مزيد من الأموال لخزينة الدولة، وُزّعت تلك الأموال فيما بعد على فقراء بوليفيا في هيئة إعانات.

قطع راتبه من السلطة وحارب الفقر.. موراليس في الميزان

كما وقف في وجه الولايات المتحدة الراغبة في إزالة محصول الكوكا بالكامل من جبال الإنديز. المحصول الذي يُعد المادة الخام لمُخدر الكوكايين، لكن السكان الأصليين يستخدمونه لأغراض دينية، وللتغلب على الإرهاق الناجم عن سكنى المرتفعات. الولايات المتحدة ترى أنّه لا يقوم بدوره كما يجب في محاربة الكوكا، لكنّه يقول إنّه يحافظ على زراعة الحد الأدنى منه؛ كي لا تتأثر مصالح السكان الأصليين.

لكن رفض كل ما تقوله الولايات المتحدة دفعه إلى منح الضوء الأخضر لإنشاء مشروع طريق رئيسي عبر غابات الأمازون. المشروع سوف يستلزم قطع العديد من الأشجار؛ ما أثار انزعاج شريحة عريضة من السكان. خضع لهم موراليس في البداية، لكن حين تدخلت القوى الدولية المدافعة عن البيئة رأى مواليس ذلك نوعًا من الاستعمار تحت شعار حماية البيئة فأنفذ مشروعه.

قطع موراليس راتبه الخاص بعد وصوله للسلطة بوقتٍ قصير، وخفّض بصورة أشبه بالقطع رواتب وزراء حكومته. كما زاد بسياساته الاحتياطي النقديّ الأجنبي في البلاد، وساهم في تأميم العديد من المنشآت الحيوية. وأثمرت سياساته، فانخفض الفقر من 38% عام 2006 إلى 17% عام 2018. وارتفع نصيب الفرد من الناتج القومي من 1000 دولار إلى 3600 دولار، وزاد الدخل المحلي أربعة أضعاف، كما لا ينكر أحدٌ من معارضي بوليفيا إصلاحات الحكومة الحالية في البنية التحتية، كأعمال صرف الطرق لتجنب تعطل الطرق الترابية حالة سقوط الأمطار.

كذلك تشهد المدراس المُجدّدة،  والمباني ذات الطوابق المتعددة، وشبكات الصرف الصحي والمياه، والمنازل المُباعة بتسهيلات في السداد، كل ذلك يشهد بنجاح استثمارات الحكومة. الاستثمارات التي تضاعفت ثلاثة مرات منذ وصول موراليس للسلطة، وتضاعف الحد الأدني للأجور، وفرضت الحكومات مكافآت سنوية في نهاية كل عام للموظفين، شريطة أن ينفق 15% على السلع المُصنّعة محليًّا.

يدين العديد من السكان بهذا الفضل لموراليس، ولذا يكون موراايس متفائلًا دائمًا كلما لجأ إلى الشعب. المختلف هذه المرة أن انخفاض أسعار الغاز العالمية أدى إلى تراجع إيرادات الدولة، ما يعني ضعف موقفه أمام الشعب. ليٌضاف بعض من أبناء الطبقة الفقيرة إلى أبناء الطبقة الثرية الغاضبة عليه من البداية. الانطباع العام لدى الطبقة العُليا والمتوسطة أن موراليس شخص راديكالي لصالح الفقراء. ويمكن استقراء ذلك بمعرفة أن المظاهرات بدأت وتركزّت في مقاطعة سانتا كروز ذات القوة الشرائية العالية والاقتصاد القوي.

هل تصنع المظاهرات ديكتاتورًا؟

تقول المعارضة إن مؤشرات الفقر آخذه في الارتفاع خلال العام الماضي. أيضًا تقول المعارضة إن موراليس لم يستطع القضاء على الفساد. القضية المُثبتة عند عموم الشعب هي فشل موراليس في إيصال بلادهم للبحر. فقدت بوليفيا وصولها للبحر عام 1884 بعد خسارة نزاعها مع تشيلي. ومنذ تلك اللحظة تحاول بوليفيا انتزاع حق الوصول للمحيط الهادئ، لكن عام 2018 قضت محكمة العدل الدولية لصالح تشيلي. ما أصاب البوليفيين بخيبة أمل كبيرة، خاصةً وأنهم يتعاملون مع تلك القضية كعار قومي يجب الثأر له.

أيضًا هناك قضية حرق أكثر من9.9 مليون فدان من الغابات والأراضي الصالحة للزراعة. الحرائق المأساوية لم تكن من صنع الحكومة، لكنّ الشعب يُحملها مسؤولية التأخر في رد الفعل ما فاقم من الخسائر. المعضلة التي تؤرق الشعب حاليًا، ماذا بعد؟ بعد الاحتجاجات الراهنة أصاب الشك شريحةً كبيرةً من المؤيدين والمعارضين حول ما سيكون مصيرهم إذا بقي موراليس في السلطة لخمس سنواتٍ أخرى؟

دارت التكهنّات أنّه كان سيحاول تقوية موقفه باتخاذ إجراءات استبدادية. حينها لن يصبح موراليس فردًا من أفراد «المد الورديّ»، إشارة للزعماء اليساريين الذين وصلوا للسلطة في دول أمريكا اللاتينية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

المد الوردي الذي يجعل بوليفيا اليوم ثاني أكبر دولة في العالم من حيث عدد المُشرّعات الإناث، 36 مُشرّعة. منهنّ أدريانا سالفاتيرا أصغر رئيسة لمجلس الشيوخ بعمر 29 عامًا، كما اعتُرف رسميًّا بأكثر من 30 لغة من لغات السكان الأصليين. واعتمدت بوليفيا سياسةً سياديةً ترفض التدخل الغربي، وتعتمد في غذائها على إنتاجها، وتحتفظ بمواردها الخام لتصنعها هي وتستهلكها هي. لكن التحدي الأكبر أنّ موراليس واجه نسبة 48% من الناخبين لم يعرفوا بوليفيا السابقة، ولم يشهدوا الطفرة التي أنجزها.

وبجانب غضبهم المتصاعد، يومًا تلو الآخر كانت الأصوات المُحذرّة بأنه إذا ضمن موراليس ولايته الرابعة؛ فقد يصبح رئيسًا مدى الحياة. ذلك التحذير الذي أحدث زلزالًا في عقول المؤيدين قبل المعارضين، ولا يستطيع أحد كان حينها أن يُطمئن المؤيدين أو يضمن للمعارضين أنّه لن يحدث. إلا أن قرار موراليس في 10 نوفمبر 2019 بإجراء انتخابات رئاسيّة جديدة طمأن الجميع أن الكرة عادت مجددًا لملعب الشعب ليُقرر ما يناسبه. وزاد موراليس على دعوته أنّ قدم استقالته في ساعةٍ متأخرة من اليوم نفسه.

لكنّ ذلك يضع بوليفيا أمام تساؤل أشد خطورة، هل تشهد البلاد حالةً من الروح الرياضية النادرة بعد ظهور نتيجة الانتخابات المُرتقبة، ليذهب إلى القصر الرئاسي مُرشحٌ بمباركات خصمه؟ أم تنزلق إلى منحدرٍ لا ينتهي من الصراع بين الفائز والخاسر؟ الصراع الذي وصل إلى إصرار المعارضة على منع موراليس من الترشح للانتخابات القادمة، الأيام التالية وحدها، هى من تملك الإجابة.

هل مادورو رجل طيب تحصره أمريكا بشكلٍ ممنهج في أدوار الشر؟

المد الورديبوليفيامظاهراتموراليس

المصادر