لكل ثورة تحررية خصائصها ووسائلها، وسياقها الذي نشأت فيه، وميزاتها الخاصة، والثورة الجزائرية، كإحدى أبرز الثورات في القرن العشرين، كانت بدورها مختلفة عن نظيراتها من الثورات بسمات معينة، بعضها يتخذ منحى إيجابيًا، وأخرى عكس ذلك.

1. المرأة الجزائرية والثورة

قليلة هي الثورات التي قامت على أكتاف الرجال والنساء، والثورة الجزائرية هي واحدة منها؛ فقد كان للعنصر النسوي دور فعال في تحرير الجزائر من الاستعمار.

تذكر سجلات المحاربين القدامى لما بعد الحرب أن عدد النساء المشاركات في حرب التحرير الجزائرية بلغ 11 ألف امرأة محاربة، شكل منهن النساء الريفيات 80%، بينما كانت نسبة نساء الحضر 20%، أوكلت إليهن أدوار غير قتالية، وأخرى قتالية في خلال الحرب.

كانت هذه المهام التي شغلتها المرأة الجزائرية في حرب التحرير، تتوزع بين القتال، والتجسس، والتمريض، وجمع التبرعات، ونقل الدعم، والاهتمام بحاجات مقاتلي جبهة التحرير، ويقول أيضا المؤرخ الفرنسي «جيرارد دي جروت» «لقد ساعدت النساء القوات المقاتلة من الرجال في مجالات مثل النقل والاتصالات والإدارة».

سمح للوضع الاجتماعي والتعليمي الذي حظيت به نساء الحضر، من العمل بسرية، والتحرك بحرية لدعم المقاومين المختبئين بالمدن، خاصة بالعاصمة الجزائر؛ ما عزز وجود الثوار داخل المدن.

وتعد «زهرة بوظريف» إحدى بانيات الثورة الجزائرية إبان الاستعمار، فهي أول امرأة تشارك في العمل الحربي مع جبهة التحرير ضد المستعمر، وألقي القبض عليها من قبل الجيش الفرنسي، ثم أفرج عنها بعد ذلك عقب الاستقلال.

لكن لم تشفع الجهود التي ساهمت بها المرأة الجزائرية في تحررها بعد نهاية الحرب؛ حيث عادت إلى مكانتها التقليدية المحافظة، بعد أن كانت تنشط مع الرجل جنبًا إلى جنب، وتشغل مناصب قيادية، حينها قال «سي علال»، قائد جبهة التحرير، إنّ «في الجزائر المستقلة، تتوقف حرية المرأة المسلمة على باب منزلها. ولن تتساوى المرأة أبدًا مع الرجل»، بل سنت جبهة التحرير قانونًا سنة 1958 يقضي بترحيل النساء «التقدميات» منهن إلى البلدان المجاورة.

2. النخبة الفرنسية المثقفة كانت إلى جانب الثورة الجزائرية

من الأشياء التي قلَّما نجدها في الثورات التحررية هي أن تحظى بتعاطف نخبة أعدائها المثقفة، كالشأن مع الثورة الجزائرية، التي اصطف إلى جانبها المفكرون الفرنسيون، بداية من «جون بول سارتر» و«جانسون» و«سيمون دي بوفوار»، مرورًا بـ«ميشيل فوكو» و«فرانز فانتون»، وليس آخرًا، الفيلسوف «سان جيرمان دوبري».

الثورة الجزائرية

Fichier sous licence CC-BY-SA-3.0

كان لهؤلاء وآخرين الفضل في إكساب الثورة الجزائرية شرعية، وسط الرأي العام الفرنسي، وأكسبها على المستوى الدولي زخمًا متزايدًا، ودفع العديد من المناضلين الفرنسيين إلى الانضمام إلى جبهة التحرير ضد بلدهم المستعمر.

الفيلسوف الوجودي، جون بول سارتر واحد من هؤلاء الذين وقفوا مع الثورة الجزائرية، اعتبره المثقفون الجزائريون آنذاك منير دربهم إلى طريق الحرية، مشتهرًا بقولته «إنه مقضي علينا أن نكون أحرارًا».

كتب سارتر العديد من المقالات المعادية للوجود الفرنسي في الجزائر، من بينها «الجزائر ليست فرنسا» سنة 1955، و«الكولونيالية عبارة عن نظام» سنة 1956، ومقالته الشهيرة «نحن جميعًا قتلة»، والتي كتبها عقب إعدام المناضل الأوروبي «فيرناند إيفتون»، الذي كان يحارب إلى جانب جبهة التحرير.

كان جون بول سارتر، ينتقد رغبة فرنسا في دفع الجزائر نحو الإصلاح، ويقول «إن الإصلاح سيتحقق من غير شك، لكن الشعب الجزائري هو الذي سيحققه، إن الشيء الوحيد الذي يجب أن نقدمه للجزائريين اليوم هو أن نؤازرهم في جهادهم لتحريرهم وتحرير الفرنسيين من وصمة العار».

أما الكاتب الفرنسي جانسون، فقد كرس اهتمامه للقضية الجزائرية طوال حياته، وكتب العديد من المقالات في الموضوع، كما أصدر عدة كتب تنتقد الاستعمار الفرنسي، وتؤيد الثورة الجزائرية، وتنبأ باندلاعها عندما يتشكل وعي لدى الشعب الجزائري ورغبة في البحث عن الاستقلال، وليس بسبب الأحوال الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما حصل بالفعل.

خلف المفكرون الفرنسيون المناوئون للنظام الاستعماري أثرًا واضحًا في النخبة الجزائرية المثقفة آنذاك، التي بدورها سعت إلى توعية الجماهير الشعبية بقيم الحرية والاستقلال.

3. الأطفال أيضا حاضرون في الثورة الجزائرية

لم تمنع حداثة السن طائفة من الأطفال الجزائريين من الانخراط في الثورة تحت تأثير وسطهم المحلي، حيث كان لهم دور كبير في إنجاح العديد من عمليات المقاومين ضد المحتل، فكانت توكل إليهم أدوار تناسب وضعهم العمري غير المثير للشبهة، مثل نقل الرسائل والتجسس على الفرق الاستعمارية المتنقلة بين الأحياء وكشف «البياعين».

وتعد قصة الطفل «عمر يوسف»، الملقب عند الجزائريين بـ«يوسف الشهيد»، نموذجًا لمساهمة الأطفال الجزائريين في حرب التحرير ضد الاستعمار، وهو الذي انضم إلى الثورة الجزائرية وعمره 13 سنة، وكُلف بنقل الرسائل بين زعماء الثورة، حيث كان بمثابة حلقة وصل بين القائد العربي «بن مهيدي» و«يوسف سعدي» وباقي القيادات، وعمل في مهمته تلك طوال عامين، دون أن تكتشف الحواجز البوليسية التابعة للسلطات الفرنسية، إلى أن قتل رفقة مقاومين آخرين.

يتذكر عمي «جمال» ذو 65 سنة اليوم بفخر، كيف كان يعمل لصالح خلايا المقاومين، وهو طفل، وينقل إليهم الرسائل ويتأكد من أماكن تواجد الفرق الاستعمارية، لكنه يعود ليقول لجريدة المساء الجزائرية «اليوم نعاني من التهميش وقلة الاحترام، ونحرم من المنحة، ولا نوصف حتى بالمجاهدين، على الرغم من أن المهام التي كنا نكلف بها كانت كبيرة».

4. الثورة الجزائرية عرفت صراعًا داخليًا

من الأمور التي يتجنب الجزائريون الحديث عنها، هي عدم نجاح الثورة الجزائرية في دفع البلد نحو الديمقراطية والتحرر على الرغم من الثمن الباهظ الذي دفعته؛ إذ عرفت الثورة الجزائرية، مباشرة قبيل الاستقلال وبعده، صراعًا مريرًا بين أقطاب جبهة التحرير حول السلطة.

فمن جهة، ظهر صراع بين المناضلين الجزائريين في الخارج،  ممثلين في الحركة الوطنية الجزائرية، وثوار الداخل الممثلين في جبهة التحرير الوطنية، وعلى الرغم من أن المعسكرين كانا يؤمنان معا بضرورة استرجاع الاستقلال الجزائري، إلا أنهما اختلفا في رؤية دولة الجزائر ما بعد الاستقلال؛ فأنصار الخارج كانوا يعتقدون بالمشروع الحداثي، بينما ثوار الداخل تشبثوا بالمشروع القومي الديني، و خاض أنصار الطرفين حربًا فيما بينهم قبيل الاستقلال بقليل، سميت «حرب داخل حرب»؛ لأنها كانت حربًا أهلية جزائرية داخل الثورة.

أحمد بن بلة

الثورة الجزائرية

ومن جهة أخرى، برز صراع مواز للصراع الأول، بين القيادات السياسية للثورة والقيادات العسكرية. وكادت الجزائر أن تدخل خلال عام استقلالها في حرب أهلية سنة 1962، بين الصف العسكري، الذي يمثله «كريم بلقاسم» و«عبد الحفيظ بوصوف» و«الأخضر بن طوبال»، و المعسكر السياسي الممثل في «فرحات عباس» و«بن يوسف بنخد»، لولا تعقل بعض القيادات.

في الأخير بعد نيل الاستقلال سنة 1962، انتصرت رؤية معسكر الداخل على رؤية معسكر الخارج، ونجح السياسيون في شغل السلطة بقيادة «بن بلة»، لكن ما لبث عامين حتى انقلب عليه رئيس الأركان «هواري بومدين»، الذي شعر بتهديد السياسيين لنفوذ العسكر.

ولا يزال هذا الصراع، الذي بدأ منذ الخمسينات من القرن الماضي قبل استقلال الجزائر، قائمًا بين الصف الحداثي والصف المحافظ، وبين المعسكر السياسي و صف العسكر، حتى الساعة.

5. التوثيق الجزائري الضيف للثورة

ربما لقيت ثورة الجزائر في الأوساط العربية والعالمية شهرة كبيرة، إلا أنها تعاني من نقص حاد في التوثيق من قبل الجزائريين، وكل ما نعرفه اليوم عنها، هو من مصادر الكتاب والمؤرخين الفرنسيين فقط، ما عدا الناشز اليسير.

 

تحتاج الأحداث التاريخية لحفظها، مختصين في التأريخ والتوثيق، وباحثين في «الأنثروبولوجيا» وعلوم الآثار والمخطوطات، وبدون هؤلاء لا يمكن إنتاج مواد أكاديمية جديرة بالثقة والأمانة؛ باعتبارهم وحدهم القادرون على كشف المواد الخام، التي يمكن البناء عليها.

وعلى هذا المستوى، تعاني الجزائر من نقص صانعي المعرفة التاريخية، حيث يقول الباحث «عمار محمد عامر» «إن عدد المؤرخين في الجزائر قليل جدًا، لاسيما المختصون في تاريخ الحقبة الاستعمارية، ولا نستطيع أن ننتج بدون مؤرخين»، وهو سبب الفقر الأكاديمي للدراسات الجزائرية حول ثورة نوفمبر (تشرين الثاني).

من جهة أخرى، تسبب قلة المصادر التاريخية، لاسيما الأرشيفية الخامة، الانشغال الرئيس للباحثين الجزائريين المختصين في تاريخ الثورة التحريرية، من طلاب وأكاديميين، مما يجعلهم مضطرين إلى السفر إلى فرنسا؛ من أجل العمل على الوثائق الموجودة هناك في الأرشيف الوطني الفرنسي؛ بغية بناء موضوع ما مرتبط بتأريخ حقبة الثورة؛ إذ «لا يمكن للباحث أن يقدم بحثا أكاديميًا علميًا بدون وثائق رسمية»، كما يقول الباحث عامر.

وتبقى الشهادات المتوفرة والمذكرات اليومية لمن عاشوا حقبة حرب التحرير، السبيل الوحيد لإضاءة جوانب من تلك الحقبة بالنسبة للطلاب الجزائريين، في غياب مصادر جزائرية أصلية، الأمر الذي يجعل الباحثين الجزائريين يحثون الطلاب على إتقان اللغة الفرنسية؛ كون أغلبية المصادر الموثقة متواجدة بفرنسا، وكذا التحلي بروح النقد والتمحيص والتحليل والمنطق؛ لإنتاج إرث أكاديمي جزائري يوثق الحقبة الثورية للبلاد.

أما تاريخ الجزائر السياسي لفترة ما بعد الاستقلال، فلا أحد يعلم شيئًا عنها؛ نظرًا للفقر الشديد في المواد الموثقة لهذه الحقبة، وذلك يعود لغياب البيئة المناسبة للعمل البحثي من جهة، وقلة الكفاءات الجزائرية المتخصصة في هذا الشأن، من جهة ثانية.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد