في الوقت الذي أعلن فيه معاذ بوشارب «المنسق المؤقت لحزب جبهة التحرير الوطني» ترشيح الرئيس المنتهية ولايته عبد العزيز بوتفليقة لعهدةٍ رئاسيةٍ خامسة بإسم التحالف الرئاسي؛ لم يكن أحدًا يتوقع الإنتفاضة التي ستحدث في الشارع الجزائري ابتداءً من جمعة 22 فبراير (شباط)، والتي أجبرت بوتفليقة على إلغاء الانتخابات الرئاسية وعقد ندوة وطنية في الأشهر القادمة.

لسنوات طويلة استقرت عن الجزائريين قناعة مفادها أنّ الشعب الجزائري قد تمّ تخديره بعد موجة الربيع العربي التي عصفت بالمنطقة سنة 2011، والتي نجحت الجزائر في تجنبها، ولعلّ الكثير أيضَا يجهل أن الحراك الحالي الذي تشهده الجزائر قد سبقته ثورات واحتجاجات عديدة كرست علاقة الجزائريين بالثورة والانتفاضة ضدّ من يقوّض حرياتهم، وبعد تنظيم الجزائريين «أكبر مسيراتٍ مليونية» تشهدها الجزائر منذ الاستقلال يوم الجمعة، اعتراضًا على قرارات بوتفليقة الأخيرة، نفتح في هذا التقرير تاريخ الجزائريين مع الاحتجاجات ضدّ الأنظمة المتتالية التي حكمت الجزائر بعد الاستقلال.

بعد عام من الاستقلال.. آيت أحمد يثور في وجه بن بلة

بعد أن نالت الجزائر استقلالها، انكبّ قادة الثورة الجزائرية وسط الخلافات التي خلفتها الثورة الجزائرية بينهم لتأسيس أوّل دستورٍ للجمهورية الجزائرية من خلال المجلس التأسيسي الذي تأسس بعد الاستقلال، كان المناضل حسين آيت أحمد المعارض وقتها لحكم الرئيس الجزائري أحمد بن بلة أحد أعضائه الذين ساهموا في كتابة أوّل دستور للبلاد.

علاقة آيت أحمد ببن بلّة – التي لم تكن قبلُ في أحسن أحوالها – ساءت بعد أن أقرّ بن بلة الدستور الجديد بالإضافة إلى رفض الرئيس الجزائري لفتح التعددية الحزبية وعدم اعتماد حزب آيت أحمد الجديد، وهو الأمر الذي دفع حزب جبهة القوى الاشتراكية» رفقة العقيد محند أولحاج قائد الولاية الثالثة التاريخية بالثورة التحريرية، بقيادة تمردٍ مسلحٍ ضدّ نظام الرئيس أحمد بن بلّة، انطلاقًا من منطقة القبائل بالشرق الجزائري، رفقة مناضلي الحزب ابتداءً من شهر أكتوبر (تشرين الأوّل) سنة 1963، واستمر التمرد العسكري حتى شهر يونيو (حزيران) من عام 1965، مخلفًا مقتل أكثر من 500 ضحية من أنصار آيت أحمد.

تعاطى النظام الجزائري بقيادة الرئيس بن بلة بشدّة مع التمرد الحاصل في منطقة القبائل؛ إذ يذكر المناضل في حزب «جبهة القوى الاشتراكية» محمد مرّي الذي شارك في التمرد أنّ الجيش قام بقصف مدينة تيزي وزو التي كانت معقلًا لأنصار آيت أحمد، وانتهت حركة التمرد المسلحة تلك باعتقال حسين آيت أحمد سنة 1964 وإصدار حكم الإعدام في حقه، قبل أن يفرّ من السجن ويختار المنفى الاختياري بسويسرا سنة 1966.

وتعود انتفاضة أنصار أيت أحمد ضد نظام الرئيس الجزائري بحسب الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي إلى رفض بن بلة سياسة التعددية التي دعى لها آيت أحمد ومحمد بوضياف، كما كان لآيت أحمد طموحاتٌ في السلطة، أدت إلى الصدام مع النظام، من جهته يعزو المجاهد لخضر بورقعة في مذكراته سبب تمرد آيت أحمد وأنصاره إلى سجن بن بلة لمعارضه محمد بوضياف.

انتفاضة 1988.. بوابة الجزائر إلى العشرية السوداء

مع اقتراب نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، إشتدت وطأة الفساد في الجزائر، واشتدّ معه حراك النقابات العُمالية خاصة فرعها بشركة «الشركة الوطنية للسيارات الصناعية (سوناكوم)» الذي خرج يوم 25 سبتمبر (أيلول) 1988ببيانٍ نددت فيه بفساد الحكومة الجزائرية، ومع اقتراب شهر أكتوبر من العام ذاته، زاد احتقان الشارع أكثر، وأمام الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالجزائر منتصف الثمانينات ازداد غضب الشارع في انتظار لحظة الانفجار.

ولم يكن مساء الرابع من أكتوبر عام 1988؛ عاديًا بالجزائر، بعد أن تدفقت إلى شوارع العاصمة الجزائرية جموع الجزائريين للتظاهر مطالبةً الحكومة بإصلاحاتٍ؛ تحولت تلك المظاهرات سريعًا إلى مناوشاتٍ مع رجال الأمن ، لتنفجر الأحداث في الخامس من أكتوبر، حيث اعترضت مجموعة من الشباب وسط حي باب الوادي الشعبي بالعاصمة الجزائر، حافلة للركاب ووقاموا بإضرام النار فيها؛ لتتوسع المظاهرات في اليوم التالي، وتمتد لجميع أحياء العاصمة وولاياتٍ جزائريةٍ، واستهدف المتظاهرون حلال احتجاجاتهم كلّ ما يرمز للدولة الجزائرية من المقرات الحكومية والأمنية.

وفي اليوم الثالث من الاحتجاجات الموافق للسابع من أكتوبر 1988 دخلت الحركة في مزيد من التصعيد بعد أن أصدر الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد قرارًا بفرض حظرٍ للتجوال ليلًا في العاصمة وضواحيها، مع تكليف الجنرال خالد نزار بقمع المتظاهرين، ولم ينتظر الجنرال نزار سوى ساعات من تكلفيه، حتى أمر بإنزال كثيفٍ لقوات الجيش في كامل أحياء العاصمة الجزائرية، قدرت مصادر عددها بعشرة آلاف جندي، لتبدأ سلسلة القمع التي قادتها فيالق الجيش مسفرةً عن اعتقال نحو 12 ألف شخصٍ ومقتل المئات من المتظاهرين، وقد تبرأ مؤخرًا الجنرال خالد نزار في رسالةٍ بمناسبة الذكرى 27 للأحداث من قتلهم متهمًا قائد أركان الجيش الجنرال عبد الله بلهوشات بالتخطيط لقتل المتظاهرين.

وفي العاشر من أكتوبر قام الرئيس الشاذلي بن جديد بإلقاء أول خطابٍ له عبر التلفزيون الرسمي؛ منذ بداية الأحداث طلب فيه المحتجين بالتعقل والبقاء في منازلهم، واعدًا الجزائريين بإصلاحات في جميع المجالات السياسية والاقتصادية،  فقد طالب المحتجون بتحسين الظروف المعيشية كما طالبوا بالعدالة الاجتماعية والتعددية الحزبية والإعلامية وبالحرية والديمقراطية.

ومع قوة المظاهرات تلك التي شملت حسب بعض المصادر 70% الأراضي الجزائرية، أُجبر الرئيس الشاذلي على الاستجابة لتلك المطالب، حيث تعهد بتنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية عميقة، توّجت بإصدار دستورجديد للبلاد عرف بدستور 23 فبراير 1989؛ ممّا سمح بفتح التعددية الحزبية وإنهاء حكم الحزب الواحد.

كما نُظمت بموجب الدستور الجديد في يونيو 1990 أوّل انتخابات تشهدها البلاد شارك فيها أكثر من حزب، غير أنّ تلك الانتخابات التي شهدت فوز الإسلاميين فيها بـ188 مقعدًا من أصل 228 في المرحلة الأولى، عجّلت من قرار الجيش بإلغائها لتدخل الجزائر في نفقٍ مظلمٍ بعد أن اندلعت أعمال عنف دموية خلفت مئات الآلاف من القتلى والمصابين والمفقودين وعرفت هذه الحقبة بالعشرية السوداء.

سياسة الترهيب.. كيف استغل النظام في الجزائر «العشرية السوداء» ليحافظ على حكمه؟

«الربيع الأسود».. حين منعت العاصمة من حق التظاهر

في 10 من مارس (آذار) 1980؛ كانت جامعة تيزي وزو تستعدّ لإستقبال الروائي والكاتب مولود معمري قصد إلقاء محاضرة حول الشعر الأمازيغي؛ ليتفاجأ الجميع بقرار السلطات الجزائرية منع المحاضرة دون مبررات؛ مما أدى إلى اندلاع موجةٍ من الاحتجاجات، توسعت في اليوم الموالي بعد خروج مظاهرات منددة بالمنع في تيزي وزو والجزائر العاصمة، كما شلّ إضراب عام منطقة القبائل وأرجاءٍ من العاصمة الجزائرية، في أوّل حركة احتجاجية تشهدها العاصمة الجزائر منذ الاستقلال، اصطلح على تسميتها اسم «الربيع الأمازيغي».

تواصل إحياء ذكرى تلك الإحتجاجات دوريًا وبشكل خافتٍ في منطقة القبائل، غير أنّ الذكرى 21 للربيع الأمازيغي كانت استثنائية، بعد أن عزم شبان قرية بني دوالة بتيزي وزو يوم 18 من أبريل (نيسان) 2001 ، على الخروج للتظاهر ضد التهميش الذي كانت تعيشه قريتهم؛ ما أدى إلى حدوث إشتباك مع قوات الأمن، أسفرت عن مقتل الشاب ماسينيسا قرماح الطالب في المرحلة الثانوية، تاركًا وراءه غضبًا عارمًا تحوّل إلى إنتفاضة شعبية انطلقت من قرية بني دوالة بتيزي وزو لتصل إلى العاصمة الجزائر.

أدى مقتل الشاب ماسينيسا إلى إشعال شرارة احتجاجاتٍ عنيفةٍ بمنطقة القبائل خلفت مقتل ما يزيد عن 80 شخصًا، ونتج عن تلك الأحداث تشكيل تنظيم شعبي جديد عرف باسم «تنسيقية العروش والمواطنة» الذي يضم أعيان منطقة القبائل وممثلين عن المجتمع المدني، إذْ تولت قيادة حركة الاحتجاج ورفع لائحة مطالب عُرفت بـ«أرضية القصر» التي أعلنتها في يونيو 2001 في مدينة القصر بولاية بجاية، وهي عريضة من 15 مطلبًا، أهمّ مطالبه إخلاء الدرك لمنطقة القبائل ومعاقبة المتسببين من رجال الأمن في الأحداث ودسترة الأمازيغية.

ولرفع مطالبها شرعت «حركة مواطنة» في مسيرة مليونية من منطقة القبائل بإتجاه القصر الرئاسي في 14 من يونيو 2001؛ شهدت تلك المسيرات أعمال عنفٍ وحرق وتخريب أدى بالسلطات الجزائرية لإصدار قانونٍ بمنع التظاهر بالعاصمة، ولإخماد الاحتجاجات أعلن بوتفليقة عن قرار دسترة اللغة الأمازيغية لغةً وطنية سنة 2002، متهمًا فرنسا بالوقوف وراء تلك الأحداث.

«ثورة الزيت والسكر».. الجزائر تنجو من الربيع العربي

في الوقت الذي كانت تونس تغلي ببركان المظاهرات ضدّ نظام بن علي؛ معلنين افتتاح موجةٍ من الاحتجاجات عرفت بالربيع العربي، مسّ هذا الربيع دول عربية أبرزها مصر وليبيا وسوريا واليمن، غير أنّ الكثير يجهل أنّ الجزائر كانت من الدول التي وصلت إليها الإحتجاجات مع مطلع سنة 2011، حين خرج الألاف من الجزائريين يوم الخامس من يناير (كانون الثاني) 2011 في مظاهراتٍ حاشدة على خلفية ارتفاع أسعار بعض المواد الأساسية؛ ممّا أطلق على الاحتجاجات اسم «ثورة الزيت والسكر» في إشارةٍ إلى المواد التي شهدت ارتفاعًا في الأسعار.

هذه المظاهرات سرعان ما تحولت إلى مشاداتٍ عنيفةٍ بين قوات الأمن والمحتجين تخلّلتها انحرافات وأعمال تخريب واعتداءات على المواطنين، جعلتها أقرب إلى الحركة الغوغائية منها إلى الحالة المطلبية، كما أخذت من الأسلوب مفجّر الثورة التونسية محمد البوعزيزي لتأجيج الاحتجاجات، حيث شهدت الجزائر في تلك الفترة عدّة محاولات انتحار من المتظاهرين على الطريقة البوعزيزية.

واستمرت الاحتجاجات التي توسع نطاقها ليشمل عدّة ولاياتٍ جزائرية طيلة خمسة أيّامٍ، وأسفرت عن مقتل 5 محتجين وجرح أكثر من 800 شخص، كما أجبرت الرئيس الجزائري بوتفليقة على القيام بإصلاحات سياسية واقتصادية عميقة، وعلى إلغاء حالة الطوارئ التي كانت معلنةً في البلاد منذ التسعينات، تخوفًا من نتائج الربيع العربي التي كانت وقتها قد أزاحت زين العابدين بن علي، كما أقرّت لجنة برلمانية مكلفة بالتحقيق في الأحداث، أنّ «الاحتكار وانفلات السوق هما سبب الغلاء والأحداث».

حراك 2019.. ربيع الجزائر الذي ينهى حكم بوتفليقة

منذ 22 من فبراير الماضي وحتى كتابة هذه الأسطر، تشهد الجزائر مسيرات مليونية ضدّ قرار ترشّح الرئيس الجزائري المنتهية ولايته عبد العزيز بوتفليقة لعهدة رئاسية خامسة، أجبرت هذه المظاهرات يوم الأثنين الماضي بوتفليقة في رسالةٍ له بعث بها للجزائريين على تأجيل الانتخابات الرئاسية المقررة في 18 أبريل، وعدم ترشحه لعهدة خامسة، وعقد ندوة وطنية تأسس لدستورٍ جديدٍ للبلاد.

وجاء في مضمون رسالة بوتفليقة إشارةٌ لحالته الصحية، قائلًا: «حالتي الصحية وعمري لا يسمحان لي إلا بأداء واجبي الأخير تجاه الشعب»، مشيرًا إلى أنه «لم يكن لدي نية قط للترشح للانتخابات الرئاسية». وأوضح: «أتفهم الرسالة التي جاء بها الشباب الجزائري»، مضيفًا: «سأعرض مشروع الدستور الذي تعده الندوة الوطنية للاستفتاء الشعبي. تنظيم الانتخابات الرئاسية سيجري بعد حوار وطني شامل». وأثارت هذه القرارات حفيظة المحتجين الذي واصلوا مسيراتهم وصعدوا من مطالبهم، رافضين القرارات الأخيرة لبوتفليقة، ومطالبين نظامه بالرحيل.

وينتظر أن تشهد هذه الجمعة أكبر مسيرات تشهدها البلاد منذ الاستقلال مناهضة لحكم بوتفليقة، إذ يعتزم الجزائريون النزول في جمعة 15 مارس رفضًا لقرارات بوتفليقة، ومطالبين نظامه بالرحيل.

ورسم الحراك الشعبي الحالي الذي يقوم به الجزائريين صورةً حضارية وسلمية كبيرة، أثنى عليها الجميع، إذ لم تشهد مسيرات الجزائريين حتى اللحظة أعمل عنف وتخريب ، كما لم يسقط سوى ضحية واحدة ويتعلّق الأمر بمسنّ كان يعاني من أزمة قلبية، سقط في الجمعة الثانية من الحراك.

الجزائريون ينتصرون وبوتفليقة يتنحّى.. لكن هل ستتوقف احتجاجات الجزائر؟

 

المصادر

s