أعلن الرئيس «فرانسوا أولاند»، والمسؤولون في الحكومة الفرنسية، قبل بداية بطولة «كأس أمم أوروبا» «يورو 2016»، أنهم قد اتخذوا كافة الإجراءات الأمنية المشددة؛ لإخراج البطولة التي ستنظمها بلادهم على النحو الأمثل، وبدون أية خسائر أو أعمال عنف. وفي إطار ذلك، استمرت فرنسا في تمديد حالة الطوارئ بها، التي تسمح للسلطات بتقييد بعض الحريات العامة والفردية، فضلًا عن أن واحدة من أهم استعدادات بطولة أمم أوروبا، كانت تضخيم حجم جهاز الأمن؛ إذ حدثت الزيادة في عدد عناصر الأمن الفرنسية إلى ما يزيد عن 90 ألف شرطي.

كانت تلك الاستعدادات الفرنسية الأمنية المكثفة، قد جاءت تخوفًا من هجمات الجماعات الإسلامية المختلفة، و«تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش)، وهي الهجمات التي حذرت منها الإدارات والمخابرات الأمريكية والفرنسية والبريطانية.

لكن بعد كل تلك المخاوف، من توقعات بهجمات شرسة سيشنها «تنظيم الدولة»، والجماعات الإسلامية المسلحة الأخرى، أثناء بطولة الأمم الأوروبية «اليورو 2016»، ظهر أن من مارس العنف هذه المرة، لم يكن من قوى الإسلام الجهادي، وإنما من قوى أكثر ارتباطًا باليمين القومي في أوروبا.

غفلت المؤسسات الأمنية، والمسؤولون الفرنسيون، أثناء تحضيرهم لمواجهة «إرهاب» الإسلاميين المحتمل، عن تهديد آخر كبير، داهم بالفعل بطولة الأمم الأوروبية لكرة القدم، وهو تهديد الروابط الجماهيرية المرتبطة بأحزاب اليمين الأوروبية.

صورة من أحداث الشغب بعد مباراة روسيا وإنجلترا (مصدر الصورة: شبكة رام الله)

في الواقع لم يخرج العنف المحتمل في بطولة «اليورو 2016» من الإسلاميين، كما كان متوقعًا، وإنما خرج من مشجعي الكرة اليمينيين «الهوليجانز»، وقد تجلى ذلك في الشجارات الدموية، التي حدثت في مرفأ مرسيليا، يوم السبت الموافق 11 يونيو (حزيران) 2016، بين مشجعي المنتخب الروسي والمنتخب الإنجليزي، والتي أدت في النهاية إلى إصابة رجل بجروح بالغة، بعد تلقيه ضربات على الرأس، إضافة إلى إصابة 35 آخرين، جميعهم من البريطانيين، وفق تصريحات النائب العام الفرنسي.

وأمام المشاهد العنيفة التي بثتها وسائل الإعلام الدولية وشبكات التواصل الاجتماعي، لمشاجرات «الهوليجانز»، لم تستطع فرنسا أن تتعرف، أو تقبض على المعتدين.

اليمين المتطرف و«الهوليجانز»

بحسب الخبير الألماني في دراسة ظواهر التعصب الرياضي، وما يسمى بالتطرف، «هايو فونكه»، فإن هناك مزيجًا مرعبًا، بحسب تعبيره، من «النازيين الجدد» والمتطرفين من تيار المحافظين، ومرتكبي العنف من اليمين «الراديكالي»، بين صفوف الجماهير المتعطشين ـ دائمًا ـ للعنف غير المبرر، وأن هذا المزيج قد ازداد بقوة؛ منذ إطلاق العنان لما أسماه بالأحقاد والضغائن، عبر منظمة «بيجدا».

ومنظمة بيجدا، هي اختصار لعبارة «وطنيين أوروبيين ضد أسلمة الغرب»، وهي حركة سياسية ألمانية مقرها مدينة «درسدن»، وتهدف إلى تحجيم وجود المسلمين في أوروبا؛ للحفاظ على هويتها.

والأشد أهمية في طرح فونكه، هو تأكيده على أنه، في بعض المناطق بألمانيا، توجد صلات قوية ما بين «الهوليجانز»، و«الجماعات اليمينية السياسية» و«الحزب القومي الألماني»، وأن هذه الصلات القوية قد حركت بشكل مباشر أحداثًا بعينها، مثل حادثة أكتوبر (تشرين الأول) 2015، حين شهدت مدينة «كولونيا» احتكاكًا من «الهوليجانز» بالمسلمين الذين يبدو عليهم أنهم سلفيون.

هذا، فضلًا عن مشاركة الهوليجانز الألمان المنتظمة في مظاهرات لتأييد حزب «البديل من أجل ألمانيا» في برلين، والذي يصنف باعتباره حزبًا يمينيًا شعبويًا، ويدرج هذا الحزب في برامجه الانتخابية «منع ارتداء الحجاب»، ومنع «ختان الأطفال من المسلمين واليهود».

وفي نفس النطاق الألماني، يرى عضو مركز التسويق بمشروعات الجماهير، «جيرد فاجنر»، أن النازية لم تتوقف أبدًا عن استلهام خطواتها وممارستها العنيفة، من خلال كرة القدم وفاعلياتها؛ إذ تجد النازية نفسها في كرة القدم أثناء البطولات الدولية تحديدًا.

في الواقع، فإن ألمانيا كانت من أول الدول التي صرح مسؤولوها الرياضين بخطورة استغلال ما أطلقوا عليه اليمين المتطرف لملاعب كرة القدم ومنافساتها، ففي عام 2012، قال رئيس رابطة الدوري الألماني لكرة القدم، «راينهارد راوبال»، أنه قلق للغاية من ارتفاع أعداد النازيين الجدد في الملاعب، وأكد آنذاك أنه لن يكون هناك تهاون في منع عناصر ما أطلق عليه اسم اليمين المتطرف، من الوجود في ملاعب كرة القدم الألمانية.

وقد جاء ذلك، بعد منع نادي بروسيا «دورتموند» آنذاك، ثمانية مشجعين، من دخول ملعبه؛ بعد أن قاموا برفع لافتة تأييد ودعم لمنظمة يمينية محظورة في البلاد.

وبحسب تصريح الباحث «جونتر بيلتس» لصحيفة «برلينز تسايتونج» الألمانية، فإنه يرصد أن هناك توجهًا كبيرًا نحو اليمين بين المشجعين الشباب بألمانيا في السنوات الأخيرة.

وقد ظهر في أحداث «اليورو» الأخيرة بين المشجعين الروس والإنجليز، أن الهوليجانز تتراوح أعمارهم ما بين 25 إلى 35 عامًا، وقد رصد المتابعون لهم أنهم مدربون على مستوى مرتفع، ويجيدون تنظيم أنفسهم للغاية.

وفيما يخص علاقة جماهير الهوليجانز باليمين السياسي، فقد تحدثت مجلة «شبيجل» الألمانية، أن الهوليجانز الروس، لديهم صلات قوية مع السياسيين والقادة في بلادهم، وتحدثت صحيفة «الجارديان» البريطانية، عن أن اتحاد كرة القدم الروسي، قد أرسل أحد الناشطين اليمينيين، مع الوفد الرسمي لبطولة «اليورو 2016»، وهو الرجل المعروف في الأوساط اليمينية الروسية «ألكساندر شبريجين».

وقد كان شبريجين، أحد الذين تم ترحيلهم حسبما أفادت وسائل الإعلام، من فرنسا، عقب نشوب الشغب، من جماهير الهوليجانز الروسية التي قامت السلطات الفرنسية بترحيل أفراد منها.

وشبرينجين، المتهم باليمينية والعنصرية، هو عضو باللجنة المتخصصة بقضايا الأمن وشكاوى الجماهير في اتحاد كرة القدم الروسي، وهو مساعد لـ«إيجور ليبيديف» عضو اتحاد كرة القدم الروسي، الذي صرح عقب إصابة 36 مشجعًا بريطانيًا، في بطولة «اليورو» الجارية حاليًا، من جراء اعتداء المشجعين الهوليجانز الروس «لا أجد شيئًا سيئًا لدى مشجعينا المقاتلين، بل على العكس. جيد ما فعلتموه يا أولاد، واصلوا بهذا الشكل»، وأضاف «إنهم دافعوا عن شرف بلدهم ولم يسمحوا للجمهور الإنجليزي بإهانة بلدنا».

في الواقع الحوادث التي تطابقت فيها تحركات الهوليجانز، مع اليمين السياسي، بالرغم من رفع الهوليجانز لشعار «لا سياسة في كرة القدم»، كثيرة للغاية.

في السويد، وتحديدًا في 30 يناير (كانون الثاني) 2016، شنت مجموعة من الهوليجانز، هجومًا على مجموعة من المهاجرين والأجانب، بالأخص هؤلاء الذين يحملون ملامح «شرق أوسطية»، في محطات المترو؛ إذ شارك في هذا الهجوم بحسب تقديرات صحيفة «الديلي ميل» البريطانية، حوالي 50 فرد، من عناصر الهوليجانز المشجعين لعدة فرق سويدية مختلفة، وقد أعلنوا صراحة أنهم من النازيين الجدد، وأنهم سيهاجمون أي شخص يحمل ملامح أجنبية.

وفي صربيا، يحمل الهوليجانز أعلام يوغسلافيا السابقة، قبل أن تتفكك، كما يحملون صور ورايات «رادوفان كارديتش»، السياسي الصربي الذي أدانته المحكمة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في حق المسلمين في «البوسنة والهرسك»، في تسعينات القرن الماضي.

وقد وجهت صحيفة الجارديان من قبل، اتهامًا لاذعًا للسياسيين في صربيا، باستخدام جماعات الهوليجانز من المشجعين المتعصبين لكرة القدم، في الترويج للدعاية السياسية المضادة للأقليات العرقية، مثل الألبان، علمًا بأن جماهير الهوليجانز الصربية بالإضافة إلى الجهاز الفني للمنتخب، قد اقتحموا الملعب أثناء مباراة المنتخب الصربي ضد المنتخب الألباني، عام 2014، في إطار تصفيات بطولة الأمم الأوروبية، يورو 2016.

فرصة للهجوم على «الألتراس»

بعد أحداث العنف التي قام بها الهوليجانز، اتخذت الصحف المصرية، تحديدًا، تلك الأحداث، فرصة للهجوم على روابط مشجعي «الألتراس»، باعتبارها شبيهة الهوليجانز في مصر، ويأتي ذلك في ضوء حالة العداء بين النظام المصري والإعلام الرسمي، وبين روابط الألتراس.

لكن في الواقع، بادرت الصحف الأجنبية بالدفاع عن روابط الألتراس في العالم، وإظهار الفروق الجوهرية بينهم وبين جماعات الهوليجانز؛ إذ أكدت مجلة «شبيجل» الألمانية، أن جماعات الألتراس، يربطون كيانهم كمشجعين بموضوعات وقضايا سياسية تقدمية، مثل «مكافحة العنصرية»، كما أنهم يتظاهرون ضد تحول الرياضة إلى تجارة، وسوق كبير يأكل فيه الغني الفقير، ولعل هذا هو الخلاف الأبرز بينهم وبين الهوليجانز، الذين يرحبون بشدة بالليبرالية الاقتصادية في كرة القدم.

ويأخذ الهوليجانز على الألتراس أنهم يدخلون السياسة إلى الملاعب، لكن بحسب مجلة شبيجل، فإن شعار لا سياسة في الملاعب، هو شعار يرفعه اليمين المتطرف منذ أعوام عديدة، في حين إنه يخرق هذا الشعار دائمًا، لكنه يعبُر به كواجهة لدخول الحركات والاتحادات الرياضية، ويعبر من خلاله في إطار العمل التطوعي بالأساس، لجذب الشباب وصغار السن، لأفكاره وممارساته.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد