ينظر العالم إلى نهضة الصين اليوم على أنها معجزة كان يصعب تحققها، إذ يروي لنا التاريخ الصيني الحديث، منذ حرب الأفيون الأولى عام 1840 حتى ثورة شينهاي عام 1911، قصة أمة في حالة تدهور، تفقد تدريجيًا سيادتها ومكانتها باعتبارها قوةً رئيسيةً ذات تأثير عالمي.

تجلى ذلك تحديدًا عقب الحرب الصينية اليابانية الأولى، التي تلقت فيها الصين خسارة مذلة وتراجعت عن موقع القوة، الذي احتفظت به في شرق آسيا لأكثر من ألفي سنة. وبعد الحرب الصينية اليابانية الأولى، كان إعادة إحياء الصين إلى صفوف القوى الكبرى حلم العديد من الصينيين.

لكن، كيف نهضت الصين من رماد النهب والذل الذي مزق أشلاءها لتجمع شتاتها وتسترد مكانتها من جديد؟ ليس هذا وحسب، بل لتتفوق على نفسها، وتتخطى أمجادها السابقة، وتحقق معجزة اقتصادية بكل المقاييس. وما هي الأهمية المعاصرة لحرب المحيط الهادئ بالنسبة للصين؟ وكيف مثلت نقطة تحول في صعود الصين قوةً كبرى؟

نهضة الصين قبل القرن التاسع عشر.. حين ألهم التفوق الصيني الغرب

صور أغلب مؤرخي الاقتصاد الغربيين بمختلف توجهاتهم الصين التاريخية على أنها مجتمع راكد، ومتخلف، وضيق، واستبدادي شرقي.

لكن في المقابل، تتضح نظرة أخرى قدمها عالم الاقتصاد والاجتماع البريطاني جون هوبسون، في كتابه «الأصول الشرقية للنهضة الغربية»، الذي ضم مسحًا تاريخيًا للاقتصاد العالمي خلال الفترة بين القرنين الثاني عشر والتاسع عشر الميلادي، كاشفًا عن مدى تفوق الصين الاقتصادي والتكنولوجي على الحضارة الغربية، قبل غزوها وتراجعها في القرن التاسع عشر.

يخبرنا هوبسون أن قوة الصين التكنولوجية العالمية آنذاك، مهدت الطريق لبروز الغرب، وجعلت من نهضته أمرًا ممكنًا، وأن الغرب لم يكن ليتمكن من الانتقال إلى الاقتصادات الرأسمالية والإمبريالية الحديثة، إلا بعد استعارة واستيعاب الابتكارات الصينية. فما هو الدور المهيمن الذي لعبته الصين في الاقتصاد العالمي في تلك الفترة؟

العالم والاقتصاد

منذ 10 شهور
الوجه الآخر لووهان «بؤرة انتشار كورونا».. مدينة ثائرة أسقطت آخر أباطرة الصين

يستعرض هوبسون في كتابه ثروة من المؤشرات في صورة مقارنة منهجية، توضح مدى التفوق الاقتصادي العالمي للصين على الغرب، وخاصة إنجلترا. منها على سبيل المثال لا الحصر، أن الصين كانت أكبر منتج للصلب في العالم في بداية عام 1078، بإنتاج بلغ 125 ألف طن، في الوقت الذي كان فيه إنتاج بريطانيا 76 ألف طن عام 1788. كذلك، تصدرت الصين ريادة العالم في الابتكارات التقنية في صناعة المنسوجات، وذلك قبل سبعة قرون من ثورة المنسوجات في بريطانيا في القرن الثامن عشر.

كانت الصين أيضًا دولة تجارية رائدة، فوصلت تجارتها لمسافات بعيدة في جنوب آسيا، وأفريقيا، والشرق الأوسط، وأوروبا، وتفوقت الثورة الزراعية والإنتاجية في الصين على أقرانها في الغرب حتى القرن الثامن عشر.

فضلًا عن ذلك، أدت ابتكاراتها في إنتاج الورق، وطباعة الكتب، والأسلحة النارية، والأدوات إلى جعلها قوة صناعية عظمى، تُنقل سلعها إلى جميع أنحاء العالم بواسطة نظام الملاحة الأكثر تقدمًا؛ وذلك بفضل امتلاكها أكبر السفن التجارية في العالم حينها.

احتفظت الصين بهذا المكانة البارزة في الاقتصاد العالمي، حتى أوائل القرن التاسع عشر، واتبع المصنعون البريطانيون والأوروبيون صدارة الصين، وعملوا على استيعاب واستعارة تقنيتها الأكثر تقدمًا، وحرصوا أيضًا على اختراق السوق الصيني المربح.

في أواخر عام 1750، وفي ظل جودة الخدمات المصرفية واستقرار اقتصاد النقود الورقية والعائد المرتفع من الزراعة والصناعة، ماثل دخل الفرد في الصين دخل الفرد في بريطانيا العظمى.

غير أن دوام الحال من المحال، وواجه ذلك الموقع المهيمن للصين تحديًا بسبب صعود الإمبريالية البريطانية، التي تبنت الابتكارات المتقدمة للصين ودول آسيوية أخرى في التكنولوجيا والملاحة والتسويق؛ من أجل أن تصبح قوة عالمية.

طموحات الإمبريالية الغربية تهوي بالصين إلى القاع

قرابة منتصف القرن التاسع عشر، عصفت الرياح بالتنين الصيني عصفًا شديدًا، أزاحه عن قمة أمجاده، وهوى به إلى بحر من الظلمات. ظلمات بعضها فوق بعض، من الاحتلال، والاستغلال، والنهب من قبل الدول الإمبريالية الغربية، بدايةً من بريطانيا، التي تبعتها بقية إمبراطوريات أوروبا، وصولًا إلى اليابان.

في ذلك الوقت، كان الغزو البريطاني والغربي للشرق مبنيًا على الطبيعة العسكرية للدولة الإمبراطورية، وعلاقاتها الاقتصادية غير المتبادلة مع البلدان التجارية الخارجية، والأيديولوجية الإمبريالية الغربية، التي حفزت وبررت الغزو الخارجي.

يتضح ذلك في اعتماد بريطانيا على القوة العسكرية الغاشمة؛ من أجل السيطرة على السوق الصينية؛ وعجزها عن ذلك عبر التنافسية الاقتصادية.

اتجه البريطانيون إلى حشد، وتسليح، وقيادة المرتزقة، الذين جُلبوا من المستعمرات الهندية وأماكن أخرى؛ لفرض صادراتهم على الصين وإجبارها على معاهدات غير متكافئة لتخفيض التعريفات.

نتيجة لذلك، غمر الأفيون البريطاني – المُنتج في مزارعها في الهند – الصين، رغم القوانين الصينية التي تحظر استيراد وبيع المخدرات، واستعبد الأفيون البريطاني ملايين الصينيين.

Embed from Getty Images

تمكنت بريطانيا من بناء إمبراطوريتها من الموارد التي استولت عليها من المستعمرات، ومن خلال دعم اقتصادها بقوى عسكرية دفاعية هائلة؛ وهكذا استطاعت تأمين التفوق العسكري على الصين. إضافةً إلى ذلك، أشعل البريطانيون المنافسات والثورات الداخلية؛ مما فاقم من الفوضى في البلاد.

في المقابل، كان حكام الصين، الذين اعتادوا منذ فترة طويلة على تفوق بلادهم التجاري والصناعي، غير متأهبين للقواعد الإمبريالية الجديدة للقوة العالمية، ورغبة الغرب في استخدام القوة العسكرية للفوز بالمستعمرات، ونهب الموارد، وتجنيد جيوش مرتزقة ضخمة بقيادة ضباط أوروبيين، والتي أسدلت الستار على دور الصين قوةً عالميةً.

وبحلول أوائل القرن العشرين، انحدرت الصين من أعالي قمم القوى الاقتصادية العالمية، لتتحول إلى دولة ذليلة شبه مستعمرة، ذات عدد كبير من السكان المعوزين. وقد سيطر المستعمرون الغربيون على الموانئ الرئيسية، وخضع الريف لحكم أمراء فاسدين. ومع الغزو الإمبراطوري الياباني، لم تعد الصين دولة موحدة، وتعرض مئات الملايين من الصينيين للجوع، والسلب والذبح، بعد أن نهبت القوى الغربية واليابان اقتصادها.

حرب المحيط الهادئ

وفقًا لورقة بحثية نُشرت في المنتدى العالمي لتاريخ الحرب، كان اندلاع حرب المحيط الهادئ، بين اليابان من جهة والحلفاء من جهة أخرى، تطورًا رحّبت به الصين التي كانت في حالة حرب بالفعل مع اليابان.

عام 1937، اندلعت الحرب الصينية اليابانية الثانية بسبب الغزو الياباني لإقليم منشوريا التابع للصين، وفقًا لبعض الروايات الصينية. ويرى بعض الباحثين أن تصاعد الحرب اليابانية الصينية الثانية على نطاق واسع، كان بداية الحرب العالمية الثانية.

دولي

منذ 11 شهر
«لسنا جمعية خيرية».. هكذا تخطط اليابان لمزاحمة الصين في أفريقيا

قاتلت الصين اليابان بمساعدة الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة. وبعد الهجوم الياباني على الأسطول الأمريكي في ميناء بيرل هاربر عام 1941؛ اندمجت الحرب مع نزاعات أخرى في الحرب العالمية الثانية تحت مسمى حرب المحيط الهادئ.

سميت ساحة المعركة في الحرب الصينية اليابانية الثانية بـ«مسرح الصين»، إذ تولى رئيس الصين وقتها، تشيانج كاي شيك، دور القائد الأعلى، وهو الأمر الذي ساهم في تعزيز مكانة الصين قوةً عالميةً عظمى.

ودعا الرئيس الأمريكي روزفلت السفير الصيني ببلاده آنذاك لإجراء مناقشة حول الموقف الذي يجب أن تتخذه الصين، وقال روزفلت: «لقد بذلنا آخر جهودنا للتو لتحقيق السلام مع اليابان، لكنني لست متفائلًا. في غضون الـ48 ساعة القادمة، من المحتمل أن يشن الجيش والقوات الجوية والبحرية اليابانية أعمالًا عدائية. ستكون مأساة للبشرية، ولكن بالنسبة للصين قد تكون فرصةً أفضل. ومع ذلك، أود أن أنقل هذه الرسالة لقادة الصين. حتى لو اندلعت الحرب بين اليابان والولايات المتحدة، يجب على الشعب والحكومة الصينية ألا تحتفل بهذه المناسبة. ويجب على الصينيين إظهار الحزن، وعدم الفرح بهذا التطور».

وفور اندلاع حرب المحيط الهادئ، ردت الحكومة الصينية بإعلان الحرب على اليابان، وألمانيا، وإيطاليا، مواكبةً خطا الولايات المتحدة والحلفاء، وانتهز شيانج كاي شيك الفرصة التي قدمتها حرب المحيط الهادئ ليحاول تحسين مكانة الصين داخل المجتمع الدولي، وقدم تعليقاته حول السياسات التي يجب أن تتخذها الصين في مجلس الحرب الذي انعقد في ديسمبر (كانون الأول) 1941.

في الوقت الذي كانت تحث فيه الولايات المتحدة الصين على بذل مزيد من الجهد في الحرب، كانت الصين تفكر في المستقبل البعيد، والكيفية التي يمكنها من خلالها إرساء مكانة جديدة ومهمة داخل المجتمع الدولي بعد الحرب، فحضر شيانج كاي شيك مؤتمر القاهرة، الذي ناقش موقف الحلفاء من اليابان عام 1943، مع الرئيس الأمريكي روزفلت، ورئيس الوزراء البريطاني تشرشل، وبالتالي حجز مكانًا للصين بين القوى العالمية.

وفي يناير من العام ذاته، ألغت الصين بنجاح المعاهدات غير المتكافئة التي فرضتها عليها الدول الغربية منذ حروب الأفيون. ولاحقًا، وقعت جمهورية الصين على ميثاق إنشاء الأمم المتحدة في مؤتمر سان فرانسيسكو، وأصبحت عضوًا دائمًا في الأمم المتحدة. وبذلك تمكن شيانج كاي شيك من استغلال حرب المحيط الهادئ، للترويج لإعادة النظر للحكومة القومية، وشجع على فهم التاريخ الصيني.

مكنت حرب المحيط الهادئ الصين من استعادة سيادتها، ولكن بسبب انفصالها عن تايوان، والركود الاقتصادي، لم تستطع الصين أن تثبت نفسها قوة عظمى. ومن أجل تحقيق ذلك سريعًا، لم تلجأ الصين إلى الإصلاحات بل اختارت الثورة.

Embed from Getty Images

عودة التنين الصيني للتحليق في سماء القوى العالمية

لم يكن صعود الصين الحديثة لتصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم ممكنًا سوى باندلاع الثورة الشيوعية الصينية في منتصف القرن العشرين، التي صاغت الدولة الصينية الحديثة، وشرع القادة الجدد في إعادة بناء اقتصاد دمرته الحروب الإمبراطورية، ونهبه الرأسماليون الغربيون واليابانيون.

يقول أحد كبار الاقتصاديين الصينيين: «عندما سيطر الحزب الشيوعي على الصين، كان الوضع سيئًا جدًا. لم يكن هناك شركاء تجاريون، ولا علاقات دبلوماسية، كان الاعتماد على الاكتفاء الذاتي».

وعلى مدى السنوات الـ 40 الماضية، أدخلت الصين سلسلة من إصلاحات السوق التاريخية؛ لفتح طرق التجارة وتدفقات الاستثمار؛ مما أدى في نهاية المطاف إلى إخراج مئات الملايين من البشر من براثن الفقر.

في البداية، هزم جيش التحرير الشعبي الأحمر الجيش الإمبراطوري الياباني الغازي، مما سمح بإعادة توحيد الصين لتصبح دولة مستقلة ذات سيادة.

ألغت الحكومة الشيوعية امتيازات المستعمرين الغربيين، وأنهت الإقطاعيات الإقليمية لأمراء الحرب، والعصابات الإقليمية، وطردت أصحاب الملايين من مُلّاك بيوت الدعارة، وتجار النساء والمخدرات.

وبعد أكثر من 150 عامًا من العار والإذلال، استعاد الشعب الصيني فخره وكرامته الوطنية. وكانت هذه العناصر الاجتماعية والنفسية ضرورية في تحفيز الصينيين للدفاع عن بلادهم ضد الهجمات الأمريكية والتخريب والمقاطعة والحصار الذي تصاعد مباشرة بعد التحرير.

بدأ صعود الصين إلى صفوف القوى العالمية في عام 1949، بإزالة الطبقات الطفيلية، من العاملين في القطاعات المالية والمضاربين والمتواطئين الذين عملوا وسطاء للمستعمرين الأوروبيين واليابانيين الذين استنزفوا ثروات الصين العظيمة.

تحت قيادة دنج شياو بينج، أحد أبرز وأقوى قادة البلاد في السبعينيات، بدأت الصين سلسلة من الإصلاحات في عام 1978، أخرجت البلاد من عزلتها الاقتصادية، وتسارع النمو في السنوات التي تلت ذلك، وبلغ متوسطه حوالي 10%.

وابتداءً من عام 1980، بدأت الحكومة الصينية تحولًا كبيرًا في استراتيجيتها الاقتصادية. وعلى مدى العقود الثلاثة اللاحقة، فُتحت البلاد أمام الاستثمار الأجنبي على نطاق واسع، وخصخصت الآلاف من الصناعات، وأطلقت عملية تركيز الدخل على أسس استراتيجية مدروسة. وتبنت الطبقة السياسية الحاكمة في الصين فكرة استعارة المعرفة التقنية، والوصول إلى الأسواق الخارجية من الشركات الأجنبية، مقابل توفير العمالة الرخيصة الوفيرة بأقل تكلفة.

لقد كان المحرك الرئيسي وراء صعود الصين الاقتصادي شبكتها الضخمة من المصانع، التي أنتجت كل شيء تقريبًا للمستهلكين في جميع أنحاء العالم، من الألعاب إلى الهواتف المحمولة. كذلك، ساعد انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001، في تعزيز مكانتها باعتبارها مُصنِّعًا وأكبر تاجر في العالم، حيث تعد الصين أكبر وجهة للصادرات لـ 33 دولة، وأكبر مصدر للواردات لـ 65 دولة.

العالم والاقتصاد

منذ 10 شهور
التنين المريض.. هل يجهض فيروس كورونا خطط الصين الاقتصادية؟

بالإضافة إلى هيمنتها على التجارة، نمت الصين أيضًا لتصبح لاعبًا رئيسيًا في تدفقات الاستثمار العالمي. وفي الفترة من عام 2015 إلى عام 2017، كانت ثاني أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر الصادر في العالم، وثاني أكبر متلق للاستثمار الداخلي. وقد اعتمد صعود الصين الحديثة لتصبح قوة اقتصادية عالمية، على قدرتها الإنتاجية الضخمة، وسياسة عدم التدخل في العلاقات الداخلية لشركائها التجاريين، التي تحكم تعاملاتها التجارية والاستثمارية.

إن التطور الاقتصادي الذي شهدته الصين خلال السنوات الماضية، كان في الواقع نتيجة الإصلاحات. ومع ذلك، أدت هذه الإصلاحات أيضًا إلى ظهور تفاوتات اجتماعية، الأمر الذي يشكل مشكلة اجتماعية خطيرة. وتروي لنا قصة صعود الصين كم أن الطريق نحو أن تكون قوة عظمى وعرًا، وليس مفروشًا بالورود. وها هي تواجه مرة أخرى مسألة الاختيار بين الإصلاح أو الثورة.

ومما لاشك فيه أن عودة ظهور الصين بوصفها قوة اقتصادية عالمية، تُثير عدة أسئلة مهمة حول ما يمكننا تعلمه من صعودها وسقوطها السابقين، وحول التهديدات الخارجية والداخلية، الماضية والحالية، التي تواجه هذه القوة الاقتصادية الصاعدة في المستقبل القريب. خاصةً في ظل أوجه التشابه بين الاستعمار البريطاني في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والاستراتيجيات الإمبريالية الأمريكية الحالية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد