تُعدُّ القروض أداة رئيسية من أدوات تمويل ودعم الأهداف الاقتصادية، التي تسعى الدولة إلى تحقيقها. وتنقسم القروض بشكل عام إلى قروض بالعملة الصعبة، وقروض بالعملة المحلية. وتلجأ الدولة إلى القروض بالعملات الأجنبية في حال عدم قدرتها على تلبية احتياجات الاقتصاد من النقد الأجنبي، إما بسبب قلة وندرة النقد الأجنبي المتدفق إلى الدولة، وإما بسبب خططها الاستثمارية التوسعية في المستقبل، أو خليط من هذه الأسباب.

وتقترض أغلب الدول في العصر الحديث بشكل أكبر مما كان عليه الوضع سابقًا، وبخاصة في وقت الأزمات؛ بسبب تشابك العلاقات الاقتصادية، والتكامل بين بعضها البعض، ووجود فوائض مالية لدى دول أخرى، مدفوعة أحيانًا بنوايا وأهداف سياسية، وإنشاء مؤسسات دولية تعمل لهذا الغرض، مثل صندوق النقد الدولي (IMF).

واختلفت آراء الاقتصاديين حول اقتراض الدولة محليًا ومدى ضرورته؛ فيرى المعسكر المؤيد لاقتراض الدولة، وعلى رأسهم جون مينارد كينز، أن القروض العامة لها أهمية كبيرة في تنمية موارد المجتمعات، وبناء اقتصادياتها، وإشاعة الاستقرار في ربوعها، كما يعتقدون أن القروض العامة لا تؤدي إلى التضخم إلا في حالات معينة، مثل حالة التشغيل الكامل أو حالة توجيه الدول للأموال المقرضة نحو نفقات غير منتجة اقتصاديًا، أو حالة افتقار الجهاز الإنتاجي بها للمرونة.

بينما يرى المعسكر الرافض لاقتراض الدولة مثل آدم سميث، وتوماس مالتوس؛ أن القروض العامة تؤدي إلى امتصاص السيولة من القطاع الخاص، ما يؤثر على معدلات الاستثمار، كما أن الدولة، في سعيها إلى سداد القروض، ربما تقوم بطباعة النقود، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم.

يرى المعسكر الرافض لاقتراض الدولة أن القروض العامة تؤدي إلى امتصاص السيولة من القطاع الخاص.

لماذا تقترض الدول؟

تلجأ الدول للاقتراض بشكل خاص، في حالة ما إذا كانت نفقاتها أعلى من إيراداتها وهو ما يسمى بـ«عجز الموازنة العامة»، وتتفاوت معدلات الاقتراض وفقًا لمقدار هذا العجز.

تدخل القروض في بند الديون، فإذا كانت قروضًا بالعملة الصعبة، فإنها تصبح ديونًا سيادية أو خارجية، وينبغي سدادها بالعملة الصعبة، وإذا كانت القروض بالعملة المحلية، فإنها تصبح ديونًا محلية، وتسدد بالعملة الوطنية. لا يقتصر الأمر على سداد القروض فقط، وإنما في الغالب هناك فوائد لهذه القروض، وهي ما تسمى بـ«خدمة الدين»، وتسدد في مواعيدها المستحقة.

في حالة وجود فوائض مالية أو متحصلات عملة صعبة أو ودائع، فإنها توضع فيما يسمى «الاحتياطي النقدي»، وهو بمثابة حصن الأمان للدولة، تستخدمه في أوقات الأزمات والاضطرابات التي تعصف بالاقتصاد، وتستخدمه أيضًا في دعم قيمة عملتها أمام العملات الأجنبية، كما تستطيع الدولة من خلاله استيراد السلع الأساسية لتلبية الحاجات المحلية.

بالتالي، فالقروض والمساعدات والمنح والديون والاحتياطي النقدي، هي منظومة متكاملة لا ينبغي الحديث عن إحداها دون التطرق للأخريات؛ لارتباطهم وتأثيرهم المتبادل، إذ توضح هذه المنظومة موقف الدولة الاقتصادي، وتُبيّن مدى قدرتها على المضي قُدمًا في طريق التقدم الاقتصادي والاجتماعي، والقدرة على مواجهة المشكلات التي تضرب الاقتصاد.

كذلك فإنّها مؤشر قوي على الجدارة الائتمانية للدولة، أي مدى قدرتها على سداد الديون، وخدمتها، وكلما انخفضت مستويات الديون وارتفعت الاحتياطيات الأجنبية، أدى ذلك إلى ارتفاع الجدارة الائتمانية للدولة، ما يُمَكِّنها من الاقتراض بسهولة، وبمعدل فائدة قليل.

وفي حالة ما إذا ارتفعت معدلات الديون، وزادت عمليات القروض، وانخفضت الاحتياطات الأجنبية؛ أدى ذلك إلى فقدان الثقة في اقتصاد الدولة، وانخفاض جدارتها الائتمانية، مما يدفع بالمزيد من الضغوطات فلا تستطيع الدولة الاقتراض إلا بمعدلات فائدة مرتفعة، نظرًا لارتفاع مستوى الخطورة في السداد، ما يؤدي إلى زيادة أعباء خدمة الدين، وهو ما يدفع إلى المزيد من الضغوط على الاقتصاد الوطني.

منذ ثورة 25 يناير 2011 في مصر، ارتفعت معدلات الاقتراض بشكل كبير، بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي مرت بها مصر، إلا أن هذه المعدلات أصبحت آخذة في التزايد مؤخرًا، حتى بعد مرور ما يقرب من ست سنوات على اندلاع ثورة 25 يناير، فما وضع الدين العام والاحتياطي النقدي لمصر قبيل ثورة 25 يناير وما بعدها إلى الآن؟ وكيف تطورت مستويات الدين العام مع تزايد معدلات الاقتراض رغم المساعدات والمنح والودائع، التي حصلت عليها مصر بعد ثورة 25 يناير حتى الوقت الراهن؟

قُبيل 25 يناير وحتى 30 يونيو 2011

وفقًا للتقرير السنوي الصادر عن البنك المركزي، فإن رصيد الدين العام المحلي بلغ 1044.9 مليار جنيه في نهاية السنة المالية 2010/2011، التي تنتهي في نهاية شهر يونيو (حزيران) 2011، وهذه النسبة تعادل 76.2% من الناتج المحلي الإجمالي آنذاك.

ويعني الدين العام المحلي؛ مجموع صافي الدين المحلي الحكومي، بالإضافة إلى صافي مديونيات الهيئات العامة الاقتصادية، بجانب صافي مديونية بنك الاستثمار القومي.

أما عن الدين الخارجي، بشقيه العام والخاص، في هذه الفترة، فقد وصل إلى 34.9 مليار دولار في نهاية يونيو (حزيران) 2011، أما فيما يتعلق بأعباء خدمة الدين الخارجي (متوسط وطويل الأجل)، فقد ارتفعت جملة مدفوعات خدمة الدين لتصل إلى 2.8 مليار دولار خلال السنة المالية 2010/2011.

وكان نصيب القطاع العام من المديونية الخارجية هو الأكبر، حيث وصل إلى 33 مليار دولار، أي بنسبة 94.5% من إجمالي الدين الخارجي، بينما اقتصرت مديونية القطاع الخاص على نحو 1.9 مليار دولار، أي بنسبة 5.5% من الإجمالي بنهاية يونيو (حزيران) 2011.

في الرسم بالأسفل، يتضح توزيع الدين الخارجي حسب العملات الرئيسية المكونه له، إذ نلاحظ استحواذ الدولار الأمريكي على النصيب الأكبر من إجمالي المديونية الخارجية، بنسبة 39.4%، ثم يأتي اليورو في المرتبة الثانية بنسبة 28.8%. جدير بالذكر أن مصدر الرسومات هنا هو التقرير السنوي 2010/2011 للبنك المركزي المصري.

أما بالنسبة إلى توزيع الدين الخارجي وفقًا للدول والجهات المانحة، فيظهر بالرسم بالأسفل استحواذ المؤسسات الدولية، والإقليمية بنسبة 30.9% على هذه الديون.

لذا، فقد بلغ حجم القروض السيادية في 2011، حوالي 1.3 مليار دولار تقريبًا. أمّا عن الاحتياطيات الدولية في هذه الفترة، فقد وصلت إلى 36 مليار دولار في نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2010، ثم انخفضت بمعدل 24.6%، أي بنحو 8.6 مليار دولار حتى نهاية يونيو (حزيران) 2011، ليصبح الاحتياطي الدولي بنهاية يونيو (حزيران) 2011 حوالي 26.6 مليار دولار.

ما بعد 25 يناير إلى 30 يونيو 2013

في خلال هذه الفترة بلغت معدلات الدين العام المحلي 1527.4 مليار جنيه أو ما نسبته 87.1% من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك بنهاية يونيو (حزيران) 2013. أي أن الدين العام المحلي ارتفع في الفترة من الأوّل من يوليو (تموز) 2011 إلى 30 يونيو (حزيران) 2013، بمعدل 482.5 مليار جنيه، وهو ما يعني أنه تم اقتراض هذا المبلغ من السوق المحلي خلال هذه الفترة. ووصلت أعباء خدمة هذا الدين المحلي بالموازنة العامة للدولة إلى 203.1 مليار جنيه خلال السنة المالية 2012/2013.

أما الدين السيادي الكلي بكافة آجاله، ومقومًا بالدولار الأمريكي، فقد وصل إلى 43.2 مليار دولار في نهاية يونيو (حزيران) 2013، مما يعني أن الدين الخارجي زاد في الفترة منذ الأول من يوليو (تموز) 2011 إلى 30 يونيو (حزيران)، بمعدل 8.3 مليار دولار.

وعن خدمة هذا الدين الخارجي، فقد وصلت إلى 3.1 مليار دولار، خلال السنة المالية 2012/2013، وهو ما يعني ارتفاع خدمة الدين في الفترة من 1 يوليو (تموز) 2011 إلى 30 يونيو (حزيران) 2013 بمعدل 300 مليون دولار خلال هذه الفترة فقط.

وعن توزيع الدين الخارجي حسب أهم العملات بنهاية يونيو (حزيران) 2013، كما هو موضح بالرسم، إذ استمر الدولار الأمريكي في الاستحواذ بنسبة 58.6% من حجم الدين الخارجي، يليه اليورو بمعدل 19.2%.

أي الدول والجهات دائنة بهذا الدين؟ يبين الشكل أسفل الفقرة استحواذ المؤسسات الدولية والإقليمية أيضًا على نصيب الأسد في حجم الدين الخارجي، بمعدل 27.7% من حجم الدين الخارجي، ثم جاءت الدول العربية في المرتبة الثانية بمعدل 21.1% وذلك بسبب التدفقات النقدية على مصر من العديد من الدول العربية عقب ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011.

وعن حجم الاحتياطي النقدي خلال هذه الفترة، فقد تراجعت الاحتياطيات الدولية إلى 14.9 مليار دولار في نهاية يونيو (حزيران) 2013. مما يعني أن التراجع في الاحتياطي النقدي قد بلغ 11.7 مليار دولار، في الفترة من 1 يوليو (تموز) 2011 إلى 30 يونيو (حزيران) 2013.

كان هذا الاحتياطي الأجنبي يغطي، آنذاك، حوالي 3.1 شهرًا من الواردات السلعية، بنهاية يونيو (حزيران) 2013، وهو الحد الأدنى الذي يجب على الاحتياطي النقدي أن يغطيه من واردات الدولة من السلع الأساسية، أما إذا هبط عن هذا المعدل، فقد وقع الاقتصاد في دائرة الخطر، إذ تكون الدولة مهددة بالكثير من المخاطر، وعلى رأسها عدم قدرتها على استيراد السلع الغذائية الرئيسية، مثل القمح، ما يهدد باحتمالات حدوث مجاعات في أوساط الشعب.

ما بعد 30 يونيو 2013 وحتى الآن

وفقًا لتقرير البنك المركزي الذي قدمه للبرلمان المصري في أوائل شهر أغسطس الماضي، حول الوضع الاقتصادي المصري، إذ جاء فيه أن إجمالي الدين العام المحلي حتى نهاية مارس (آذار) 2016، قد وصل إلى 2496.5 مليار جنيه، أي حوالي 2.5 تريليون جنيه.

وهذا يعني أن الدين العام المحلي قد ارتفع، في الفترة منذ الأوّل من يوليو (تموز) 2013 إلى نهاية مارس (آذار) 2016 بمعدل 969.1 مليار جنيه.

كما أن الدين الخارجي قد بلغ بنهاية مارس (آذار) 2016 حوالي 53.4 مليار دولار، وهو ما يشير إلى ارتفاع معدلات الدين الخارجي في الفترة التي تلت 30 يونيو (حزيران) 2013، إلى نهاية مارس (آذار) الماضي، بنسبة وصلت إلى 10.2 مليار دولار في هذه الفترة فقط.

ووفقًا لهذه المعدلات فإن نسبة الدين العام، بشقيه المحلي والخارجي، قد بلغت 103.6% نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي. لا شك أن هذه النسبة صادمة، فالمتعارف عليه بين الاقتصاديين، أن النسبة الآمنة للدين العام ينبغي ألا تزيد عن 60% من الناتج المحلي الإجمالي، وإلا عُد اقتصاد الدولة في مشكلة حقيقية، وخصوصًا في الاقتصادات الريعية، أو التي لديها عجز مستمر في موازين مدفوعاتها.

أما عن الاحتياطي النقدي، فقد قال البنك المركزي يوم الرابع من سبتمبر (أيلول) الجاري، إنه وصل إلى 16.5 مليار دولار بنهاية أغسطس (آب) الماضي، وتغطي هذه الاحتياطيات نحو 3.3 من الشهور السلعية فقط.

وفي التقرير الذي قدمه البنك المركزي للبرلمان المصري، السابق الإشارة إليه، فإنه قد تم رصد المساعدات والمنح المالية لمصر من قِبل عدة دول عربية منذ عام 2011 إلى عام 2016، إذ جاء في التقرير أن هذه المساعدات المالية بلغت 29 مليار دولار منذ العام 2011. في الجدول أسفل الفقرة بيان بهذه المساعدات، وموضَّحٌ به الدول ومقدار مساعدتها. الجدير بالذكر أن هذا الجدول من النسخة الأصلية لتقرير البنك المركزي المقدمة إلى البرلمان.

هل استفادت مصر من هذه القروض والمساعدات؟

رغم مليارات الدولارات التي دخلت الاقتصاد المصري؛ سواء في صورة قروض أو منح ومساعدات أو ودائع منذ ثورة يناير إلى الآن، إلا أن الوضع الاقتصادي لم يتحسن، بل على النقيض من ذلك، فجميع المؤشرات الاقتصادية الكلية للاقتصاد المصري تعاني من تراجع ملحوظ.

فمعدل النمو الاقتصادي قبل ثورة 25 يناير خلال السنة المالية 2009/2010 وصل إلى 5.1%، في حين لم يتجاوز 3.1% في السنة المالية 2014/2015. كما أن معدل البطالة خلال السنة المالية 2009/2010 كان 9%، بينما ارتفع إلى 12.7% في السنة المالية 2014/2015. وبلغ معدل التضخم في يونيو 2010 حوالي 10.1%، ليرتفع في أغسطس 2016 إلى 13.2% وفقًا لتقديرات البنك المركزي، مع العلم أن هناك أرقامًا لمعدل التضخم صدرت عن جهات رسمية، كانت أعلى من هذه النسبة.

كما ارتفعت معدلات الديون المحلية والخارجية كما أوضحنا سابقًا. وتراجعت مصادر تدفقات النقد الأجنبي عما كانت عليه قبل ثورة 25 يناير بشكل ملحوظ، رغم حفر تفريعة جديدة لقناة السويس، والتي تكلفت وفقًا لأقل التقديرات الصادرة عن المسئولين الحكوميين حوالي 20 مليار جنيه. كما انخفض الاحتياطي النقدي من 36 مليار دولار بنهاية ديسمبر (كانون الأول) 2010 إلى 16.5 مليار دولار بنهاية أغسطس (آب) الماضي، بتراجع بلغ 19.5 مليار دولار.

أما بالنسبة إلى التصنيف الائتماني لمصر، فقد تراجع منذ عام 2011 من «BB» في مارس 2011 ليصل حاليا إلى «–B». هذا التراجع الكبير في مؤشرات الاقتصاد الكلية، يدل على عدم استفادة مصر من حجم هذه الأموال، بل أصبحت عبئًا إضافيًا يزيد من المشاكل الاقتصادية التي تنخر في جسد الاقتصاد. وربما يرجع ذلك إلى سوء الإدارة الاقتصادية، وعدم توظيف هذه الأموال التوظيف الأمثل، من قِبل الأنظمة والحكومات التي تعاقبت على حكم مصر، منذ ثورة يناير إلى الآن. فالمشكلة لم تكن في الاقتراض عمومًا، بقدر ما هي في الطريقة التي تتعامل بها الحكومات مع هذه القروض.

تسعى الإدارة الحالية في مصر للحصول على حزمة جديدة من القروض، من جهات متعددة على رأسها صندوق النقد الدولي، ويظل السؤال مطروحًا؛ هل تذهب هذه القروض الجديدة كما ذهبت الأخرى أدراج الرياح، دون استفادة حقيقية وفقًا لأولويات المرحلة الراهنة، وظروف وطبيعة المشاكل الاقتصادية التي يعاني منها الاقتصاد المصري؟ تجيب الأيام المقبلة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد