يواجه العالم أجمع خطرًا وجوديًّا يتفاقم مع مرور السنوات، يتمثل في التغير المناخي، وما يخلفه من آثار إنسانية واقتصادية وبيئية تمس حياة المجتمعات البشرية، هذه الآثار التي بدأت تظهر في أنحاء العالم، من موجات حرارة وفيضانات مفاجئة إلى اضطراب الطقس، وحركة البحر.

تضع الأمم المتحدة التغير المناخي على رأس قائمة المخاطر التي تهدد العالم في القرن الواحد والعشرين، بعد أن أكد العلماء بما لا يدع للشك مجالًا، أن متوسط ​​درجة الحرارة لمناخ الأرض ارتفع منذ أواخر القرن 19 – أي منذ فجر الثورة الصناعية – إلى اليوم بدرجة واحدة مئوية تقريبًا، بسبب تراكم الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي، وما ينتج عنه من الاحتباس الحراري، الذي يؤدي بدوره إلى ارتفاع حرارة الكوكب.

والمغرب، بحكم موقعه الجغرافي، عرضة لهشاشة مفرطة تجاه تداعيات التغير المناخي، والتي غدت تتضح في شكل اضطراب لمعدل التساقطات المطرية، وارتفاع معدل درجة الحرارة في الآونة الأخيرة، مما يؤثر في النظم البيئية للبلاد، وما لذلك من تأثيرات على الزراعة والأمن المائي والوضع المجتمعي.

وكانت وزارة الداخلية المغربية قد أشارت إلى أن عدد الكوارث الطبيعية «ارتفع بشكل ملحوظ في الـ30 سنة الماضية، إذ لم يكن هذا العدد يتجاوز 12 كارثة طبيعية بين 1980، و1989، وقارب 20 حادثًا بين 1990، و1999، ليرتفع بين عامي 2000، و2009 إلى أكثر من 46 كارثة، بينما وصل إلى ما يقرب من 80 حادثًا بين 2009، و2019»، مع توقعات بزيادات أخرى في السنوات المقبلة.

لكن.. ما هي إذًا أبرز مخاطر التغير المناخي على المغرب؟

يؤثر الاحترار العالمي في كل مناحي المجتمع والبيئة، بطرق شتى وأحيانًا غير مرئية، من قدرتنا على الزراعة إلى انتشار الكوارث الطبيعية، نظرًا إلى ترابط النظام الإيكولوجي مع حياة البشر وأفعالهم، غير أن هناك ثلاثة مخاطر بارزة باتت تلوح في الأفق بالمغرب.

الفيضانات.. هل يشهد المغرب «تسونامي»؟

أظهرت الفيضانات الفجائية الأخيرة في طنجة والدار البيضاء، والتي تسببت في خسائر بشرية واقتصادية فادحة، مدى خطورة اضطراب معدلات هطول الأمطار على السكان والممتلكات؛ إذ يتسبب ارتفاع درجة الحرارة في زيادة تبخر مياه البحر، وبالتالي تساقط أمطار كثيفة بالمدن الساحلية، وهو ما ينتج منه أحيانًا فيضانات تغرق السَّكن والسُّكان.

وفي هذا السياق، يشير المؤشر العالمي للمخاطر المناخية، الذي أصدرته المنظمة الألمانية العالمية «جرمان واتش» إلى أن المغرب تكبد خسائر مالية بلغت بالمتوسط 117 مليون دولار أمريكي، أي ما يساوي تقريبًا مليارًا و45 مليون درهم، في سنة 2019، من جراء كوارث التغير المناخي، معظمها من الفيضانات.

لا يتوقف أثر الفيضانات فقط على ممتلكات السكان، وإنما يلحق أضرارًا بالغة بقطاعات اقتصادية حيوية لسكان المدن الساحلية، على سبيل المثال قطاع السياحة، الذي يساهم بـ12% من الناتج المحلي الإجمالي؛ إذ تتضرر المباني والطرق ومواقع التراث الطبيعي والشواطئ والمنتجعات، بالإضافة إلى القطاعات الصناعية والتجارية.

يؤدي أيضًا التغير المناخي إلى ارتفاع سطح مياه البحر، ونتيجة لذلك تضطرب الحياة البحرية، وما يعني ذلك من هجرة الأسماك وازدهار الطحالب السامة تحت دفء مياه البحر الأبيض المتوسط، وانحسار عدد أيام الصيد في إثر الطقس المضطرب.

كل ذلك يضر بالثروة السمكية للمغرب، والتي تُعد مصدرًا مهمًّا لتدفقات العملة الصعبة، بقيمة مليار دولار، علاوة على أن المجتمعات الساحلية الفقيرة تعتاش على الصيد البحري.

تبدو هذه المخاطر الناتجة من الفيضانات مثيرة للقلق، خاصة وأن الساحل يواصل جذب الناس من الداخل هربًا من الجفاف، الذي سيشتد أيضًا مع تداعيات التغير المناخي.

الجفاف وتهديده للأمن المائي والغذائي

يقول البنك الدولي إن «منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي أكثر مناطق العالم شُحًّا للمياه، ويرجح أن الطلب على الماء سيتفاقم بها في المستقبل من جراء الزيادة السكانية والري الفلاحي»، في حين تشير التوقعات إلى أن الموارد المائية الطبيعية في المنطقة ستواصل الانخفاض بحلول عام 2050، حتى تصبح أقل 11 ضعفًا من المتوسط العالمي على إثر التغيرات المناخية.

وتضرب موجة جفاف شديدة المناطق الداخلية بالمغرب منذ سنوات، ولا سيما جهة درعة تافيلالت، حيث تسجل الحرارة هناك درجات قياسية، وجفافًا قاحلًا يهلك الزرع والنسل، مما قاد المجتمعات المحلية بالمنطقة إلى هجرات جماعية نحو المدن الحضرية.

وفي هذا الصدد، كشفت دراسة عن أن منطقة الجنوب الشرقي المغربي، «تعاني بالفعل من إجهاد مائي كبير، وسُجل انخفاض مهول في منسوب الفرشة المائية وتزايد ملوحتها»، إذا تبين أن «نسبة كبيرة من المياه السطحية لا تصل إلى جوف الأرض نتيجة ارتفاع معدل التبخر، فينتج من ذلك ندرة الموارد المائية».

وهو أمر يدق ناقوس الخطر حول الأمن المائي بالمناطق الداخلية في المغرب، تُجسده بلدة «زاكورة» التي شهدت في 2017، انقطاعًا لمياه الشرب، أشعل مظاهرات شعبية سميت بـ«احتجاجات العطش»، قبل أن تبادر السلطات إلى إطلاق مشروعات مياه لإغاثة السكان العطشى.

علاوة على العطش، يهدد الاحترار العالمي كذلك بتراجع القطاع الفلاحي في البلاد، وكانت سنة 2016، مثالًا صارخًا، لما يمكن أن يحدث مستقبلًا؛ إذ انخفضت غلة المحاصيل بنسبة 70% مما كانت عليه في عام 2015، بسبب جفاف واسع النطاق. هذا وتشكل الزراعة 15% فقط من إجمالي الناتج المحلي للمغرب، إلا أنها ما زالت تشغل 40% من القوى العاملة.

ويتوقع تقرير الأمم المتحدة الأخير عن تنمية الموارد المائية، أن «يتأثر نصف المناطق الزراعية في الوطن العربي، خاصةً في مصر والعراق والمغرب واليمن؛ بسبب تأثير تغيرات المناخ على المياه في العقود القليلة القادمة»، مما ينذر بأزمة تمس الأمن الغذائي بمنطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط في حال عدم مواجهة التغيرات المناخية.

تدهور الحياة الغابوية

يصل أثر التغير المناخي كذلك إلى الغابات وما تحتضنه من أنواع حية، مخلفًا اضطرابات بيئية، تؤثر في حيوية النظم الإيكولوجية وديناميتها وتجعل الغابات أقل قدرة على التجدد ومواجهة التقلبات المناخية.

ويظهر ذلك جليًّا في منطقة الأطلس الكبير، التي تعد منطقة خصبة للتنوع البيولوجي في البحر الأبيض المتوسط، إلا أنها أضحت الآن عرضة للتدهور البيئي؛ إذ أصبح يخيم شبح الانقراض على بعض الأنواع الرئيسة مثل السناجب الأطلسية، وقردة المكاك، والغزال البربري، وتراجعت كثافة أشجار الأرز والتنوب بسبب الذبول والحرائق.

وبالموازاة مع ذلك، يواصل الجفاف والتصحر قضم مزيد من الغابات والأراضي الفلاحية في المغرب الشرقي، طاردًا الطير والإنسان والحيوان من تلك المنطقة، التي كانت قبل عقدين فقط واحات خضراء مزدهرة بالطيور المتنوعة والكائنات الحية.

وتلعب الغابات دورًا حيويًّا في التنمية الاجتماعية والاقتصادية للمناطق القروية ومجتمعات جبال الأطلس، إلا أن الاستغلال البشري المفرط وغير الصحي للموارد الطبيعية بجانب ارتفاع درجة الحرارة العالمية، يلحق أضرارًا بالغة بالسكان والغابات التي تترعرع بجنباتها.

الفساد قد يعرقل جهود المغرب في المناخ

أدرك المغرب مبكرًا، تحت وقع ناقوس التقارير الدولية البيئية، حجم التحديات المناخية التي تواجهه؛ لذا تحرك سريعًا لتأييد اتفاق باريس، ووضع مُخطّطًا وطنيًّا طموحًا للمناخ لفترة 2020- 2030 (PCN)، ينشد إرساء أسس تنمية منخفضة الكربون، ومقاومة لتغير المناخ، كما أسس صندوقًا خاصًّا لمكافحة الكوارث الطبيعية.

وفي إطار هذه الجهود، تسعى الرباط إلى توليد 52% من احتياجاتها من الكهرباء من خلال الطاقات المتجددة بحلول عام 2030، وقد أكمل بالفعل المحطة الأولى لمشروع «نور» للطاقة الشمسية، فيما ينهمك في استكمال المحطة الثانية والثالثة في منطقة ورزازات.

مع ذلك، يحذر مراقبون من احتمال أن تصطدم جهود المغرب والخطط الرائعة، التي سطَّرها من أجل الحد من تداعيات التغير المناخي، بصخرة الفساد على أرض الواقع، وتتحول التكنولوجيا الخضراء إلى مجرد منجم آخر للربح بيد لوبيات المال دون مراعاة البيئة والإنسان، مما قد يعرقل الوصول إلى تلك الأهداف السامية، ما لم تكن هناك سياسة صارمة ضد سوء التدبير والفساد الذي ينخر البلاد.

وحتى لا يتكرَّر ما حدث في المغرب الشرقي، حين فاقمت التكنولوجيا الحديثة من سوء الوضع هناك، كما يظهر تحقيق موقع «لوديسك» حول منطقة زاكورة، التي رغم أنها تعاني سلفًا من شح شديد في المياه، استطاعت شركات زراعة البطيخ الأحمر إنشاء ضيعات فسيحة مزدهرة وسط فيافيها القاحلة، مستفيدة من تسهيلات المخطط الأخضر الحكومي، وبفضل المضخات الشمسية التي بإمكانها الوصول إلى المياه الجوفية على عمق 200 متر تحت الأرض.

في النهاية أدى التهام تلك الضيعات لكميات هائلة من المياه إلى تناقص شديد للفرشة المائية بالمنطقة بأكملها، وحَلَّ العطش وتعمَّق الفقر بسكان المنطقة، فيما اغتنى أصحاب تلك الشركات القادمون من أماكن بعيدة من صادرات البطيخ نحو الخارج.

المصادر

تحميل المزيد