مر ما يقارب خمس سنوات عجاف عاشها السوريون، وما زالوا في انتظار لحظة حاسمة لوقف الصراع الدائر منذ منتصف مارس عام 2011، أو حتى الاتفاق على صيغة سياسية من شأنها رأب الصدع بين الفرقاء.

العديد من المؤتمرات الدولية والتي بدأت بـ”جنيف” في الثلاثين من يونيو/ حزيران 2012، ولم تنته بعد ربما في مؤتمر الرياض الأخير خلال الثامن من الشهر الجاري، خلصت إلى قرارات وتوصيات تمحورت معظمها بضرورة خلق حوار فعال بين السوريين، وتشكيل حكومة انتقالية، ووقف” العنف المسلح” لكنها فشلت حتى اللحظة.

وبمجرد الإعلان عن مؤتمر الرياض لجمع المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري إلى السعودية، تصاعدت جملة من التساؤلات حول الأهداف الكامنة لاجتماع المعارضة، وأبرز المشاركين والغائبين، فضلا عن التحديات التي تواجه السعودية، وفرص النجاح، ونظرة الدول المتغلغلة في الصراع السوري.

(1) ما هو مؤتمر الرياض؟


هو مؤتمر تم عقد جلساته في الثامن من الشهر الجاري مع المعارضة السورية في العاصمة السعودية” الرياض” بهدف التوصل إلى موقف موحد للتعاطي مع الوضع الراهن، بحضور وزير الخارجية السعودي “عادل الجبير”، ويأتي المؤتمر بعد اتفاق دول كبرى معنية بالملف السوري الشهر الماضي في فيينا تشمل تشكيل حكومة انتقالية وإجراء انتخابات يشارك فيها سوريو الداخل والخارج، لكن” بقاء الأسد” بات عقدة لم تراوح مكانها في المحادثات.

وتبنت الأطراف الدولية المعنية بالملف السوري خلال اجتماعها الأخير بفيينا الشهر الماضي خارطة طريق تقضي بتشكيل حكومة انتقالية سورية في غضون ستة أشهر وإجراء انتخابات خلال 18 شهرا.

وجاء المؤتمر متزامنا مع إعلان واشنطن مؤخرا استضافة اجتماع دولي حول النزاع في سوريا بنيويورك في 18 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، وهو مرهون بنتائج مؤتمر الرياض والبناء عليها لتسوية الخلاف بين قوى المعارضة السورية.

ومن أبرز أهداف المؤتمر المعلنة هو تحديد الإطار الزمني للمرحلة الانتقالية والمهام والسياسات والمؤسسات، إلى جانب بحث دور الأمم في مستقبل سورية، وتشكيل وفد للمشاركة في مفاوضات محتملة مع النظام السوري ترغب الدول الكبرى بعقدها بينهما بحلول يناير المقبل.

وتتمسك الفصائل المقاتلة بمطالبها بإسقاط الرئيس السوري” بشار الأسد” وكافة أركان نظامه، وتقديمهم للمحاكمة العادلة، وتفكيك أجهزة النظام الاستخباراتية والعسكرية، بالإضافة إلى بناء أجهزة أمنية وعسكرية على أسس وطنية، بالإضافة إلى إخراج القوة الأجنبية والطائفية و”الإرهابية” من سوريا والمتمثلة بـ”الحرس الثوري الإيراني” وميليشيا حزب الله، وميليشيا أبي الفضل العباس.

فيما وافقتها القوى السياسية حول إزالة حكم الأسد وإتاحة الفرصة للسوريين لاختيار حكومة تمثلهم في المرحلة القادمة، وفقا لما نصت عليه اجتماعات “فيينا” الأخيرة؛ لذلك فإن خروج المجتمعين في الرياض على اتفاق مبدئي على الثوابت وتوحيد التمثيل الدولي للمعارضة السورية سيكون إنجازا لتوحيد المعارضة، كما ترى العديد من القراءات السياسية.

وبالتالي، فإن مهمة الرياض كما يراها البعض من وراء المؤتمر، لا تكمن في إنشاء كيان سياسي واحد لقوى المعارضة السورية، فهذا الأمر مستحيل بسبب واقع المعارضة السورية وطبيعة المرحلة الراهنة، وإنما الاتفاق على مرجعية سياسية عسكرية للحل في سوريا.

(2) من هم المشاركون في المؤتمر؟


دعوة الرياض شملت القوى السياسية والعسكرية السورية، بحضور”105″ شخصية، للخروج بوثيقة مشتركة حول مستقبل سورية وتشكيل وفد تفاوضي عند الدعوة إليه في بداية العام المقبل، حيث تم توجيهها لكيانين سياسيين فقط، هما الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وهيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي، بينما غلب على الحاضرين ممثلو الفصائل العسكرية.

بينما دُعي الآخرون بصفاتهم الشخصية، وهم شخصيات معارضة، وشخصيات دينية، ورجال أعمال، ونشطاء في المجتمع المدني.

الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية

وهو أبرز مكونات المعارضة السورية في الخارج، والذي يضم عددا من الشخصيات والأحزاب والمكونات العرقية المتنوعة وممثلين عن عدد من الفصائل العسكرية، إلا أنه متهم بعدم تمثيل كافة الفصائل المقاتلة الفاعلة على الأرض.

والجدير ذكره أن الائتلاف تأسس عام2012 في الدوحة بموجب اتفاق بين المجلس الوطني السوري وقوى معارضة أخرى، وشارك مع وفد من النظام السوري في جولتي مفاوضات عقدت في نهاية العام 2013 ومطلع العام 2014 في جنيف بإشراف الأمم المتحدة دون تحقيق أي تقدم.

هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي

وتضم أحزابا قومية ويسارية وكردية وشخصيات وطنية أبدت رفضها للتدخل الخارجي في سوريا منذ اندلاع النزاع، حيث شاركت في لقاءات استضافتها موسكو في العامين 2014 و2015.

الفصائل العسكرية

تم توجيه دعوة لـ” الجيش الحر، وتجمع فاستقم كما أمرت، وجبهة الأصالة والتنمية، وفصيل ثوار الشام، والجبهة الشامية، وكتائب نور الدين زنكي، وفيلق الرحمن، وفيلق الشام، والاتحاد الإسلامي لأجناد الشام، وجيش الإسلام، وأحرار الشام، وسيف الشام، وثوار سوريا”.

(3) ماذا عن الغائبين عن المؤتمر؟


حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي

غاب الحزب وذراعه العسكري وحدات حماية الشعب الكردية، والمعروف بدوره العسكري في مواجهة” داعش” بمساندة من التحالف الدولي بقيادة واشنطن عن المؤتمر، لعدم تلقيه دعوة رسمية من قبل الرياض.

قوات سوريا الديمقراطية

والتي تضم فصائل كردية وعربية تمكنت من طرد تنظيم” داعش” من مساحات واسعة في شمال شرق سوريا في الشهرين الأخيرين.

الغائبون عن المؤتمر الذين لم يوجه إليهم أية دعوة لحضوره، لا سيما” حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي” لفتوا إلى أن منعهم من الحضور يقف خلفه النظامان التركي والقطري، وأن مخرجات مؤتمر الرياض فاشلة بكل المقاييس؛ لأنه لا يمثل نصف الشعب السوري، فهو لا شرعية له و”جمع مجموعة من قابضي الرواتب من النظامين التركي والقطري، وهؤلاء تجار الثورة والدم السوري” بحسب وصفهم.

ومن ضمن من استثنتهم السعودية لدعوة حضور المؤتمر مجموعة من الفصائل تصف نفسها بالمعارضة، مثل جبهة التغيير والتحرير، وحزب الشعب، وحزب التضامن، وحزب التنمية، وحزب الشباب الوطني للعدالة والتنمية، وتيار سلام ومجد سوريا.

(4) من يعارض مؤتمر الرياض؟


كان من الطبيعي جدا أن يواجه المؤتمر اعتراضا أيضا، لا سيما من قبل القوى الداعمة للنظام السوري؛ فهو يأتي في وقت اشتداد الأزمة السورية بالتزامن مع التدخل الفاعل لروسيا مؤخرًا، وتمسك إيران من جديد بالرئيس” الأسد” ورفضها أي مؤتمرات تحاول إبعاد الأسد عن الساحة السياسية المقبلة.

لذلك فإن أول من اعترض عليه هي إيران، الداعم الأول للنظام السوري ماديا ومعنويا، حيث حاولت أن تفخخ مؤتمر فيينا الأخير لإبقاء الانقسامات بين المعارضين السوريين، وهو ما يجعل النظام على الاستمرار في الزعم أن ليست هناك من معارضة وإنما مجموعات من “الإرهابيين”.

وبالتالي، رفعت إيران قبل بدء المؤتمر من سقف تصريحاتها في ما يخص الأسد، باعتباره خطًّا أحمر، وهو ما تتوافق معها الداعم الآخر للنظام” روسيا” التي ترى أن حل الملف السوري لن يكون عبر رحيل الأسد.

(5) ما أبرز العقبات التي تواجه مؤتمر الرياض؟


هناك جملة عقبات رئيسية للوصول إلى صيغة موحدة بين فصائل المعارضة المجتمعة في الرياض:

مصير الأسد

يهدف المؤتمر إلى اتفاق المعارضة على رؤية موحدة للحل السياسي ودور الأسد، فالسعودية لن تسمح بحضور أي شخصية أو جسم سياسي يكون سقفه أقل من سقف مطالبها، خصوصا في ما يتعلق بمصير الأسد.

لذلك هناك فرق كبير بين صيغة “لا دور للأسد خلال المرحلة الانتقالية” وصيغة “لا دور للأسد في مستقبل سوريا” وهو فرق تنقسم حوله مختلف القوى السياسية للمعارضة، ومن دون تخطي هذه الإشكالية لن تنجح عملية التوحيد.

ويشار إلى أنه قد توصلت دولٌ أبرزها أميركا والسعودية الداعمتان للمعارضة، وإيران وروسيا المؤيدتان للنظام، في فيينا الشهر الماضي، إلى اتفاق لتشكيل حكومة انتقالية خلال 6 أشهر وإجراء انتخابات خلال 18 شهرا بمشاركة سوريي الداخل والخارج. ولكن برغم الاتفاق، لا يزال مصير الأسد موضع تجاذب يعرقل أي حل للنزاع الذي أودى بحياة أكثر من 250 ألف شخص.

توحيد المستويين السياسي والعسكري

تواجه السعودية تحديا يكمن في كيفية توحيد المستويين السياسي والعسكري معا بحيث يشكلان جبهة موحدة، خصوصا في ظل عدم رضا الفصائل العسكرية عن أداء القوى السياسية.

المواقف الدولية

وبالأخص هنا دعم روسيا وإيران والعراق لبقاء نظام الأسد، عبر الدعم العسكري والمالي والمعنوي والذي لم يتوقف للحظة واحدة، وهو ما يحتاج إلى رؤية دولية تمكن من تجاوز عقبة هذه المواقف التي تتبناها دول لها وجود فاعل ومؤثر في الصراع السوري.

المصادر

تحميل المزيد